ثم ثنى الشيخ بتعريف المضاف إليه وهو كلمة (الفقه) فعرفه بقوله: (والفقه لغة: الفهم).
وتعريف الفقه لغة بالفهم هو قول الأكثر، وقد عرض المرداوي لذكر الأقوال في تعريف الفقه لغة وصل بها إلى سبعة أقوال، وهي: الفهم، والعلم، والفهم والعلم، ومعرفة قصد المتكلم، وكل ما تقدم، وفهم ما يدق، والتوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. وقد نسب هذه الأقوال ومثل لها، وكلامه لا يخلو من فائدة وإليك نصه:
قال في "التحبير" (١/ ١٥٣): (قوله: ﴿الفقه لغة: الفهم، عند الأكثر﴾. الفقه: مصدر فقه، يقال: فقه بكسر القاف وضمها وفتحها. فالأول لمطلق الفهم، والثاني إذا كان له سجية، والثالث إذا ظهر على غيره، قاله القرافي وجماعة. قال في ' القاموس ': (فقه ككرم وفرح فهو فقيه، وفقه كندس)، وقال في ' المصباح المنير ': (الفقه: فهم الشيء)، قال ابن فارس: (وكل علم بشيء فهو فقه). والفقه على لسان حملة الشرع: علم خاص. وفقه فقهًا من باب تعب: إذا علم، وفقه - بالضم - مثله، وقيل: الضم: إذا صار الفقه له سجية. قال أبو زيد: ' رجل فقه - بضم القاف وكسرها -، وامرأة فقهة بالضم '.) انتهى.
إذا علم ذلك؛ فله معنيان: معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح. فأما معناه في اللغة فاختلفوا في تفسيره على أقوال:
أحدها: أنه الفهم، قاله الأكثر؛ لأن العلم يكون عنه، قال الطوفي: (ومما يدل
[ ٥٤ ]
على تغايرهما؛ أن الفقه يتعلق بالمعاني دون الأعيان، والعلم يتعلق بهما، فيصح أن يقال: علمت معنى كلامك وفهمته). قال الجوهري: (الفقه لغة: الفهم). قال أبو الفرج في ' الإيضاح ': (يقال في اللغة: فلان فقيه، أي: فهم، وفلان يفقه عني ما أقول، أي: يفهم عني ما أقول، وقد قال الله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: ٧٨]، (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: ٤٤]، (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) [هود: ٩١]، أي: لا يكادون يفهمون، ولكن لا تفهمون، وما نفهم كثيرًا مما تقول، ونحوه قوله: ﴿وهو إدراك معنى الكلام﴾. يعني: معنى الفهم: إدراك معنى الكلام، زاد ابن عقيل في ' الواضح ': (بسرعة)، ولا حاجة إليها؛ لأن من يفهم بعد حين يقال: فهم. قال القطب الشيرازي - أي: في ' شرح المختصر ' -: (المراد بالفهم الدرك لا جودة الذهن من جهة تهيئه لاقتناص ما يرد عليه من المطالب. والذهن: قوة النفس المستعدة لاكتساب الحدود والآراء).
والثاني قاله القاضي في ' العدة '، وابن فارس في ' المجمل '، وأبو المعالي في ' التخليص '، والكيا، والقشيري، والماوردي وغيرهم، وحكي عن الأصحاب: العلم. لم أعلم من أين نقلت أن هذا القول حكي عن الأصحاب الآن. قال ابن فارس في ' المجمل ': (الفقه العلم، وكل علم بشيء فهو فقه).
والثالث قاله ابن الصيقل، وصاحب ' روضة فقهنا '، والغزالي، والآمدي: هما، أي: الفقه لغة: الفهم والعلم. قال في ' القاموس ': (الفقه بالكسر العلم بالشيء والفهم)،ولم يحك خلافًا. يقال: فلان يفقه الخير والشر، ويفقه كلام فلان، أي: يفهمه ويعلمه.
والرابع قاله القاضي في ' الكفاية ': (معرفة قصد المتكلم). قال الرازي في ' المحصول ' و' المنتخب ': (هو فهم غرض المتكلم من كلامه). قال ابن حمدان في ' المقنع ' عن كلام القاضي في ' الكفاية ': (يبطل بكلام من لا قصد له كالنائم والصبي والمجنون).
والخامس، قاله أبو الخطاب في ' التمهيد ': (الكل). أي: يطلق على الكل الذي تقدم. قال في ' التمهيد ': (يقال ' فهمت كلامك، إذا عرفته وفهمته وعلمته، كل ذلك بمثابة واحدة) انتهى. قال القرافي: (الفقه هو الفهم والعلم والشعر والطب لغة، وإنما اختصت بعض الألفاظ ببعض العلوم بسبب العرف)، وحكاه عن
[ ٥٥ ]
المازري في ' شرح البرهان '.
والسادس قاله الشيرازي وغيره: (فهم ما يدق). قاله أبو إسحاق الشيرازي في ' اللمع '، وصاحب ' اللباب ' من الحنفية، ومعناه لبعض أصحابنا، قال ابن هبيرة: (هو استخراج الغوامض والاطلاع عليها)، وهو أظهر؛ فإنه لا يقال: فقهت أن السماء فوقنا، ولا أن النار حارة، ونحو ذلك، ويقال: فقهت كلامك، وهذا يقتضي أن الفقه أخص من العلم. قال ابن مفلح - من أصحابنا - عن كلام ابن هبيرة: (ولعله مراد من أطلق).
والسابع: (التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد)، قاله الراغب. قال العسقلاني في ' شرح مختصر الطوفي ': (الفهم هيئة للنفس بها يتحقق معاني ما يحس، فالعلم إذن عنه، ومن ثم قيل: الفقه التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم) انتهى).
والراجح أن الفقه لغة: الفهم مطلقا سواء أكان لما ظهر وبان، أو لما دق وخفي، والدليل على ذلك: مجيئه في الشرع مرادا به مطلق الفهم كما سبق في الآيات السابقة، وقوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي) [طه: ٢٧، ٢٨] فقوله: (قَوْلِي) معرف بالإضافة فيشمل ما ظهر وما خفي من قوله (١).
وأما من قيده بالفهم الدقيق، وعلله بأنه يقال: فقهت معنى الكلام وفهمته، ولا يقال: فقهت السماء والأرض، وهذا مردود بما قاله أئمة اللغة: إن الفقه هو مطلق الفهم، وامتناع قولهم فقهت السماء والأرض إنما هو من ناحية أن الفقه يتعلق بالمعاني لا بالمحسوسات، والسماء والأرض من قبيل المحسوسات (٢).