لقد أوضح الشيخ يرحمه الله منهجه، وصرح به مرات عديدة، أنه يسير على الطريقة التي انتهجها شيخه العلامة الشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي يقول شيخنا أبو عبدالله: لقد تأثرت كثيرا بشيخي عبدالرحمن السعدي في طريقة التدريس، وعرض العلم، وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني.
والمنهج الذي سلكه الشيخ عبد الرحمن السعدي هو منهج خرج به عن المنهج الذي يسير عليه علماء الجزيرة علماء نجد عامتهم أو غالبيتهم، حيث اعتماد المذهب الحنبلي في الفروع من مسائل الأحكام الفقهية، والاعتماد على كتاب زاد المستقنع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، فكان الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي معروفا بخروجه عن المذهب الحنبلي وعدم التقيد به في مسائل كثيرة، حتى أخبرني أحد علماء مدينة بريدة التي تبعد عن مدينة الشيخ عنيزة حوالي خمسة وعشرين كيلومترا أن علماء بريدة، ﵏، في عهد الشيخ السعدي كانون ينقمون على الشيخ السعدي بسبب خروجه عن المذهب الحنبلي، حتى رفعوا عليه دعوى إلى الملك عبد العزيز آل سعود يشكونه إليه، حتى أن الشيخ السعدي، إذا أراد أن يجتمع مع محبيه ومناصريه من أهل بريدة لا يجتمع معهم في داخل مدينة بريدة، بل كانوا يخرجون إليه ويجتمعون به في أطراف المدينة، وهكذا اخبرني شيخي أبو عبد الله العثيمين.
ومنهج الشيخ السعدي هو انه كثيرًا ما يتبنى آراء شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه
[ ١٥ ]
ابن القيم ويرجحها على المذهب الحنبلي، فلم يكن عنده الجمود تجاه مذهب معين، بل كان متجردًا للحق، وقد انطبعت هذه الصفة وانتقلت إلى تلميذة محمد الصالح العثيمين.
ولم يكن تبني الشيخ لآراء شيخ الإسلام نابعًا عن هوى أو تقليد أعمى، بل كان متجردًا للحق أيضا، فحيثما وجد الحق فهو ضالته ومطلبه، بل إنه خالف شيخ الإسلام في عشرات المسائل أكثر من مخالفة شيخه السعدي لشيخ الإسلام، ومخالفته لشيخ الإسلام في هذه المسائل لا يدل على استنقاصه لشيخ الإسلام ولا تقليلًا من شأن شيخ الإسلام ومكانته العلمية، ولا يدل على أنه اعلم منه في هذه المسائل، بل ربما يكون الحق في جانب شيخ الإسلام فيما خالفه فيه، ومازال العلماء قديما وحديثًا يخالف بعضهم بعضًا في عشرات أو مئات وربما ألوف المسائل لكن العيب في المخالفة أن تكون نابعة عن هوى أو سوء نية، أو عدم توفر الكفاءة العلمية وعدم الدقة في فهم النصوص واحتواء الخلاف فيها بالنسبة للمخالف، وكل هذه الصفات يتنزه عنها شيخنا ﵀ فهو معروف بسعة علمه، ودقة فهمه، وآثاره العلمية، من مكتوب ومسموع، شاهدة على أهليته وكفاءته.
وكل مسألة يخالف فيها شيخنا أبو عبد الله العثيمين من هو اعلم منه، له حظ من النظر فيها، وما كان كذلك فلا حرج في المخالفة.
قال الناظم:
وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلافًا له حظ من النظر
ولا بأس في أن نذكر أمثلة لبعض المسائل التي خالف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية منها:
١ - يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، ويرى شيخنا أنها واجبة.
٢ - يرى شيخ الإسلام أن المتمتع في الحج يكفيه سعي العمرة عن سعي الحج، ويرى شيخنا أن سعي العمرة لا يكفي عن سعي الحج.
٣ - يرى شيخ الإسلام جواز سفر المرأة بلا محرم مع الأمن، ويرى شيخنا عدم جواز سفر المرأة بلا محرم مطلقا.
٤ - يرى شيخ الإسلام جواز الجمع بين الأختين من الرضاع، ويرى شيخنا
[ ١٦ ]
التحريم لعموم حديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
٥ - يرى شيخ الإسلام جواز دفع الزكاة في قضاء دين الميت الذي لم يخلف وفاء، ويرى شيخنا عدم الجواز.
٦ - يرى شيخ الإسلام جواز تعفير الوجه بالتراب تذللًا لله تعالى ذكرها في الاختيارات ويرى شيخنا ضعف هذا القول، لان الأصل في العبادات المنع والحظر، حتى يقوم دليل على المشروعية.
٧ - يرى شيخ الإسلام أن للأم الثلث مع الأخوة المحجوبين بالأب، ويرى شيخنا أن للأم السدس، أي أن الأخوة، وان كانوا محجوبين بالأب، لكن تأثيرهم على الأم يظل باقيًا، فيحجبونها حجب نقصان من الثلث إلى السدس، وهو قول الجمهور.
٨ - يرى شيخ الإسلام جواز الزيادة بين الربويين من جنس واحد في مقابلة الصنعة، ويرى شيخنا عدم الجواز للعمومات الدالة على أن الذهب بالذهب لابد فيه من التساوي وزنا بوزن، سواء بسواء، يدًا بيد.
٩ - يرى شيخ الإسلام أن المأموم تكفيه قراءة إمامه في الصلاة الجهرية، وهو المذهب، ويرى شيخنا وجوب قراء الفاتحة على المأموم في الجهرية.