٦٣_ فأما حقيقتة ومعناه (فهو الكلام القائم بذات الله تعالى، وهو صفه قديمة من صفاته) (١)، والقول في إثبات هذه الصفة وتخليصها من غيرها من الصفات هو من علم الكلام.
٦٤_ فأما ما يحصره فهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا. وإنما قيدناه بالمصاحف لأن الصحابة ﵃ بلغوا في الاحتياط في نقله بالكتب. واشترطنا في نقله التواتر لأنه المفيد لليقين. وليعلم أيضا أن ما هو خارج عنه مما لم ينقل نقل تواترا فليس منه، إذ يستحيل في عرف العادة أن يهمل بعضه أو ينقل نقل آحاد مع استفاضته في الجماعة التي لا يصح عليها الإغفال والإهمال وهم الذين يقع بنقلهم التواتر، ولهذا ما كانت الزيادات التي لم تنقل نقل تواتر ليست توجب عند الأكثر عملا، خلافا لأبي حنيفة، كالتتابع في الكفارة وما أشبهه. وليست هذه متنزلة منزلة أخبار الآحاد، لأن الخبر لا معارض له ولا دليل على كونه كذبا. وإذا لم تجعل
_________________
(١) كذا بالحرف ورد في المستصفى. ولنقارن ما صادق عليه ههنا بما ذهب إليه في الكشف عن مناهج الأدلة مثلا في معرض حديثه عن صفة الكلام.
[ ١ / ٦٣ ]
هذه الزيادات من القرآن احتملت أن تكون مذهبا لصاحب، واحتملت الخبر وما يتردد بين هذين الاحتمالين فلا يجوز العمل به. ولهذا قطع القاضي ﵀ بتخطئه الشافعي ﵀ في جعله باسم الله الرحمان الرحيم آية من كل سورة، مع كونها من النمل، إذ لو كان ذلك كذلك لنقل إلينا تصريحا كونها من القرآن، ولم يقع في ذلك خلاف. وللشافعي أن يتمسك بأن جعلها في أول سورة بأمر رسول الله - ﷺ - ونزولها في أول كل سورة قرائن توهم أنها من القرآن، فلو لم تكن منه لصرح بذلك. وليس كذلك التعوذ والقنوت وما أشبه ذلك مما لم يصرح بكونه من القرآن. وبالجملة فهي مسألة اجتهادية ولذلك لم يكفر القاضي بها ومع ذلك فهي قليلة الغناء في الاستنباط عنها (١) .
والشافعي إنما أوجب قراءة بسم الله الرحمان الرحيم في الصلاة للأخبار الواردة بذلك (٢) .
٦٥-وأما النظر في ألفاظه فمنها حقيقة ومجاز، ووجود ذلك فيه بين من حيث هو بلغة العرب ولسانها. وبالجملة فما أظن لسانا ولا لغة
_________________
(١) عرض لهذه المسألة في (بداية المجتهد) وأشار إلى قول الشافعي وإلى رد القاضي ورأي أبي حامد بما لا يخرج كثيرا عما ذهب إليه ههنا. ثم اختتم بتعليق انتقد فيه مذاهب القوم مع ميل واضح إلى مذهب الشافعي حيث قال: (وهذا كله تخبط وشيء غير مفهوم فإنه كيف يجوز في الآية الواحدة بعينها أن يقال فيها إنها من القرآن في موضع وإنها ليست من القرآن في موضع آخر بل يقال إن باسم الله الرحمان الرحيم قد ثبت أنها من القرآن حيثما ذكرت وأنها آية من سورة النمل. وهل هي آية من سورة أم القرآن ومن كل سورة يستفتح بها مختلف فيه والمسألة محتملة وذلك أنها في سائر السور فاتحة وهي جزء من سورة النمل فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم) .
(٢) انظر (بداية المجتهد) ص ٨٩_٩٠/ ج ١ دار الفكر_ د. ت.
[ ١ / ٦٤ ]
تعرى من ذلك، وإن كانت الألسنة تتفاوت في ذلك. وأما نفي بعضهم أن يكون في ألفاظه شيء ليس في لغة العرب وجوزه بعضهم فالوقوف على ذلك قليل الغناء فيما نحن بسبيله. وبالجملة إن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها فقد عربته العرب تعريبا وغيرته تغييرا استوجب به اللفظ كونه من لغتها ومنسوبا إليها.
وفي ألفاظه محكم ومتشابه كما قال ﷿، وقد اختلف الناس في المتشابه، والأولى أن يظن أن الألفاظ المتشابهة هي التي يمكن حملها على معنى أكثر من واحد، أو التي يوهم حملها على الظاهر تعارضا فيها، أو الألفاظ التي لم تتقدم للعرب مواضعة ولا اصطلاح على معانيها كالحروف التي في أوائل السور، أو جميع هذه.
[ ١ / ٦٥ ]