٩٤ فيه أربعة فصول:
٩٥ الفصل الأول: اشترط قوم العدد في المزكي قياساعلى الشهادة وبعض لم يشترطه قياسا على قبول رواية العدل وهو الأظهر.
٩٦ الفصل الثاني: في ذكر سبب الجرح والتعديل. قال الشافعي يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل. إذ قد يرى واحد جرحة ما لا يراه الآخر. وأما العدالة فليس لها إلا سبب واحد. ورأى
[ ١ / ٧٥ ]
قوم نقيض هذا لتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر. وقال القاضي لا يجب ذكر السبب فيهما تعويلا على المزكي. وقال قوم لابد من ذكر السبب فيهما جميعا وهو الأحوط عندي إذ العدالة والتجريح (١) مختلف فيهما كما تقدم. وأما إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح هو المقدم لأنه اطلاع على زيادة لم يطلع عليها المعدل إلا أن يكون يعنى تشخيص ما أثبته الجارح فحينئذ يتعارض الجرح والتعديل.
٩٧ الفصل الثالث: في نفس التزكية والتعديل. وذلك يتصور وقوعه على أربعة أنحاء: إما بالقبول أو بالرواية عنه أو بالعمل بخبره أو بالحكم بشهادته. وأعلاها صريح القول بتعريف وجه عدالته ودون ذلك أن يروي عنه خبرا. وهذا إنما يصح علي رأي من يكفي عنده في التعديل نفس التزكية هذا إذا فهم من حالة التجريح عن الثقات عنده وأما العمل بالخبر فليس بتعديل إذ قد يمكن أن يعمل بدليل آخر إلا إن علمنا أنه عمل بذلك الخبر من طريق ذلك الناقل. وهذا أيضا على رأي من لا يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل. وأما الحكم بشهادته فذلك أقوى من تزكيته. وأما تركه الحكم بشهادته أو خبره فليس جرحا، إذ قد يتوقف في شهادة العبد أو روايته سبب آخر فهو كالجرح المطلق.
٩٨ الفصل الرابع: في تعديل الصحابة ﵃.
والذي عليه جماهير الأمة والمعتمد عليهم أن عدالتهم مقطوع بها بتعديل الله جل وعز لهم وتعديل رسوله في غير ما آية من كتاب الله
_________________
(١) في الأصل: الرجيح
[ ١ / ٧٦ ]
جل وعز ما حديث عنه - ﷺ -.
٩٩ وقد ذهبت طوائف من الخوارج والمعتزلة والقدرية وبالجملة أهل البدع والزيغ إلى رد شهادتهم وروايتهم بعد ما شجر بينهم الشتات وظهرت الحروب بينهم والخصومات، وذلك عند أهل السنة محمول على أن كل مجتهد إما غير مأثوم وإما مصيب بحسب الرأيين. وذهب قوم من أهل السنة أن قتلة عثمان مخطئون قطعا، لكن جهلوا خطأهم، وكانوا متأولين. والفاسق المتأول لا ترد شهادته على رأي الأكثر.
١٠٠-وقد بقي علينا من القول في الخبر الواحد القول في كيفية نقل الراوي عن مرويه، وذلك يتصور وقوعه على خمس مراتب:
١٠١-المرتبة الأولى: قراءة الشيخ عليه ليحدث عنه، وبذلك يصح قوله على الحقيقة حدثنا وأخبرنا وسمعته، وهي أعلى المراتب.
١٠٢-المرتبة الثانية: أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت. فهذا خالف فيه بعض أهل الظاهر، لكن عند الأكثر سكوته وإقراره إياه يتنزل منزلة قوله. هذا إذا كان بحيث لا يخال سكوته لغفلة أو إكراه أو ما أشبه ذلك. إلا أنهم اختلفوا هل يقول حدثنا مطلقا، أو سمعت فلانا. والصحيح أنه لا يجوز، لأن ذلك كذب محض، إلا أن يعلم بقرينة حال منه أو تصريح أنه يريد بذلك القراءة على الشيخ.
١٠٣-المرتبة الثالثة: الإجازة، وهو أن يقول أجيز لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من تعيين مسموعاتي. ولا يجوز في مثل هذا إطلاق القول بحدثنا أو أخبارنا إلا تجوزا.
١٠٤-المرتبة الرابعة: المناولة، وصورتها أن يقول الشيخ خذ هذا الكتاب وحدث به عني. ومجرد المناولة دون اللفظ لا معنى له،
[ ١ / ٧٧ ]
فهي زيادة تكلف، وهي في الحقيقة إجازة. وهي وإن لم تفد معرفة عين الطريق الموصل، فهي تفيد معرفة صحة الخبر.
١٠٥-المرتبة الخامسة: الاعتماد على الخط بأن يجد بخطه مكتوبا إني رويت عن فلان كذا وكذا. فهذا لا يجوز أن يروى عنه لأن الخط يشتبه. وأما إذا قال الشيخ: هذا خطي، قبل قوله، ولكن لا يروي عنه ما لم يأذن له بالقول أو بقرينة حال وأما إذا قال عدل: هذه نسخة صحيحة من كتاب البخاري فرأى فيها حدثنا، فليس له أن يروي عنه. ولكن هل يلزمه العمل به، أما إذا كان مقلدا فعليه أن يسأل المجتهد ولا خلاف، وإن كان مجتهدا فقال قوم لا يجوز العمل به، لأن أصحاب الرسول - ﷺ - كانوا يحملون الصحف إلى البلاد، وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامل الصحف. ولكن على الجملة فلا ينبغي أن يروي إلا ما سمع بعد المعرفة، فإن الذي رواهم لم يشك في شيء مما أخذوه عنه، فإن شك في شيء تركت روايته.
١٠٦- وقد يتفرع عن هذا مسائل منها: إذا كان في مسموعاته حديث يغلب على ظنه أنه سمعه هل يجوز له أن يرويه؟ أما إذا شك فلا خلاف في أنه لا يجوز له، وأما إذا غلب على ظنه أنه سمعه فقد قال قوم يجوز أخذه عنه، لأن الاعتماد في هذا الباب على غلبة الظن، وهو بعيد، لأن غلبة الظن إنما تتصور في كون الشيخ صادقا. وكذلك غلبة الظن في الشهادة إنما تتصور في حق الحاكم، وأما الشاهد فينبغي أن يشهد على القطع فيما القطع فيه ممكن، وكذلك الراوي.
١٠٧- ومنها إذا أنكر الشيخ الحديث إنكار جاحد قاطع بكذب الراوي فإنه لا يعمل به، ولكن لا يصير الراوي مجرحا، لأنهما عدلان
[ ١ / ٧٨ ]
تعارض قولهما. وأما إذا أنكر إنكار متوقف فيعمل بالخبر، لأن الراوي جازم في أنه سمعه، والشيخ ليس هو قاطعا بتكذيبه وهما عدلان. وذهب الكرخي إلى أن نسيان الشيخ الحديث يبطله، واحتج بأن الشيخ ليس يجب عليه العمل
إذا رواه له العدل وهو لا يذكره، وهذا لا يتصور في الراوي، لأنه قاطع، وأما غيرهما فحالته بين حالتيهما. ويشبه أن يكون أغلب على ظنه صدق الراوي للنسيان الغالب على الإنسان، مع أن الشيخ ليس بقاطع بكذبه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وجماهير المتكلمين، وهو يشبه عندهم شك الشيخ في زيادة في الحديث أو إعراب فيه.
١٠٨- ومنها إذا انفرد ثقة بزيادة في الحديث عن جماعة ثقات حفاظ فقيل: تقبل الزيادة، لأنه لو انفرد دونهم بحديث قبل. وكذلك الزيادة. وأنت تعلم أن الأمر ليس كذلك، لأن انفراده دونهم بزيادة، في حديث رووه، مع أنهم حفاظ قرينة تضعف الظن الواقع بالزيادة، وليس كذلك إذا انفرد بحديث دونهم، فلذلك رأى بعضهم ألا تقبل الزيادة، ورأى بعضهم أن تقبل، لكن ليس لهذه العلة التي تقدمت بل لأن أولئك ليسوا بقاطعين على نفي الزيادة، ويمكن أن يكونوا (١) دخلوا في المجلس وقد مضى من الحديث شيء، ويمكن أن يكونوا حاضرين ويفوت أسماعهم لشاغل أو عارض وبالجملة فهي مسألة اجتهادية، ويتفاوت الظن فيها بحسب نازلة نازلة وحديث حديث.
١٠٩- ومنها نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ، فقوم أجازوه للعالم العارف بمواقع الخطاب، وقال قوم لا يجوز له إلا بإبدال القوم بما يرادفه ويساويه في المعنى، كما نبدل القعود مثلا بالجلوس مما لا يشك في
_________________
(١) في الأصل: أن يكون.
[ ١ / ٧٩ ]
ترادفهما لا فيما يحتاج في ذلك إلى استدلال. وقد احتج الفريق الأول بالإجماع على جواز شرح المعاني التي في الشرع للعجم بلسانهم، قالوا فإذا جاز إبدال العربية بعجمية ترادفها أن يجوز بالعربية أولى وأحرى، ولم يفصلوا بين ما كان إبدال اللفظ بغيره بينا بنفسه وبين ما يحتاج في ذلك إلى استدلال. قالوا وكذلك كان سفراء رسول الله - ﷺ - يبلغون أوامره إلى غير العرب.
١١٠- وأنا أرى أن فهم ما تدل عليه الألفاظ إذا كان في محل الاجتهاد فلا يجوز للمجتهد العمل به حتى ينقل إليه لفظ الشارع، وإلا عاد المجتهد من حيث هو مجتهد مقلدا، اللهم إلا أن يقول ذلك المعنى صحابي فهذا يرجع القول فيه إلى ما تقدم من الخلاف المذكور في ذلك. وأما المجتهد المقلد فيجوز له عندي إبدال اللفظ بلفظ غيره عند من يقلده لأن ذلك اجتهاد ما، وعلى هذا حال شرح العربية وتبديلها بالعجمية. وأما تجويز نقل بعض الخبر فهو [عندي جائز، إذا كان مفيدا ومكتفيا بنفسه وغير محتاج في فهمه إلى ما قبله، أو كان ليس يوجب صدق (١) ما حذف منه، تردد المفهوم عنه بين معنيين أو أكثر من ذلك، وسواء [جوزنا] الأمر في هذا عند من أجاز نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ أو لم يجزه] (٢) .
١١١- ومنها النقل المرسل والمسند. وهذا قد اختلفوا فيه، فذهب مالك وأبو حنيفة والجماهير إلى أن المرسل مقبول ومعمول به، وذهب الشافعي والقاضي إلى أنه غير مقبول وصورته أن يقول: قال رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) قرأها الأستاذ جمال الدين العلوي ﵀: "حذف"، والصواب ما أثبتناه من كتاب " البحر المحيط ". (عبد العزيز الساوري)
(٢) ما بين معقوفين ورد في " البحر المحيط في أصول الفقه " للزركشي ٤/٣٦٤. أنظر حاشية ص ٢١ هامش (١) من المطبوع. (عبد العزيز الساوري) .
[ ١ / ٨٠ ]
من لم يعاصره، أو قال أبو هريرة من لم يعاصره. أما الفريق الأول فاحتجوا بأن رواية العدل تعديل، لا سيما فيما يصرح به، كقوله عن الثقة عندهم، فروجعوا بان رواية العدل ليست بتعديل إلا أن يعلم من قرينة حاله أنه لا يجرح إلا عن عدل أو يصرح بعدالته ثم إذا علم من قرينة حاله أنه لا يجرح إلا عن عدل او صرح بعدالته فليس بتعديل ما لم يذكر ما العدالة عنده. وهذا عندي غير لازم على مذهب الشافعي والقاضي على ما تقدم لكن عساهم لا يسلمون التعديل المطلق إلا فيمن عرفت عينه، إذ من لم تعرف عينه ممكن أن لو سمي عرفناه بفسق. وقد احتج الفريق الأول أيضا في قبول المراسيل بإجماع الصحابة والتابعين على جواز العمل بالمراسيل لكن نوزعوا في نفس الإجماع، إذ لم يتصل ذلك عن جميعهم، وسكوت من سكت منهم ليس يتنزل منزلة من قال، لا سيما في ما كان في محل الاجتهاد كما سيأتي من بعد. وأيضا فإن من المنكرين للمرسل من قبل مرسل الصحابي لأنه في الأكثر لا يحدث إلا عن صحابي، وكلهم عدل، وكذلك مراسيل التابعين إذ في الأكثر إنما يروون عن صحابي. لكن المختار عند من لا يقبل المراسيل أن لا يقبل مرسل الصحابي أو التابعي حتى يعلم بصريح لفظه أو قرينة حال أنه لا يروي إلا عن صحابي. وأما ما يمكن أن يحتج به على من منع قبول المراسيل من العنعنة وإجرائها مجرى المسند مع إمكان أن يكون بين الراوي والمروي غيره، فلهم أن يجيبوا عن ذلك بأن العنعنة إنما أجريت مجرى المسند حيث تقترن قرائن تدل على أنه سمع منه، أو يصرح بذلك، ومتى لم يصرح بذلك ولا دلت على ذلك قرائن فهو متردد بين المرسل والمسند.
١١٢- وأما قبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى كحديث مس الذكر وما أشبهه فقد تقدم القول في وجه الاسترابة به، لأن ما
[ ١ / ٨١ ]
تعم به البلوى ينتشر ويستفيض بحسب عرف العادة. وقد رد هذه القرينة من أجاز العمل بأخبار الآحاد فيما تعم به البلوى بأن الاستفاضة إنما تلزم في ما تعبد فيه رسول الله - ﷺ - بإشاعته في الجميع، وأما ما تعبد به باتصاله إلى الآحاد ورد الخلق إلى أخبارهم فلا يلزم ذلك فيه. ويحتجون لتجويز ردهم إلى أخبار الآحاد في بعض النوازل مع إمكان استفاضة ذلك بتجويز ردهم إلى القياس فيما يمكن أن ينص عليه كمسألة الربا وأشباهها. قالوا وليس عموم البلوى علة الإشاعة والاستفاضة، بل علة ذلك جهة التكليف.
١١٣- وأنا أرى أن تبليغه - ﷺ - فرضا من فروض الله مما هو واجب على الأعيان واحدا، وسكوته عن تبليغه لمن يراوحه ويغاديه من أصحابه صلى الله عليهم وسلم اتكالا منه - ﷺ - على أنه إن وصلهم ذلك الخبر عملوا به، وإن لم يصلهم فهو ساقط في حقهم غير معلوم من قرائن أحواله - ﷺ - مع حرصه على التعليم والتبيين. وسواء جاز وقوع مثل هذا عقلا أو لم يجز هو مما يكاد يقطع بامتناع وقوعه شرعا عند تصفح أحواله - ﷺ - في البيان والتبيين. وإنما الحق أن بعض الأخبار ليس يمكن فيها أن تصل إلينا إلا بطرق الآحاد، وإن عمت بها البلوى فيما سلف واستفاضت، وبعضها يمكن ان تصل بهذا وهذا، وبعضها ممتنع أن تصل بغير التواتر، وذلك يختلف في نازلة نازلة وقضية قضية، وذلك بحسب الزمان والمكان وغير ذلك من العوائق. ولذلك ربما انقدح للمجتهد في بعض الأخبار القول برده لعموم البلوى، وربما لم ينقدح له رده، ولا سيما في فروض الكفايات. وينبغي أن يقال في كل موضع بحسب ما يحتمل الأمر المقول فيه، فإن رد الإنسان طرق الآحاد فيما تعم به البلوى في كل موضع غير صواب، إذ يتفاوت ذلك بحسب القرائن وكذلك العمل بها على الإطلاق. وليس لهذا التقسيم طبيعة التقابل حتى
[ ١ / ٨٢ ]
يجعل طرفي نقيض ويتكلم عليها كل واحد من الفريقين على أن الصدق منحصر في أحدهما. وأنت تعلم أن كثيرا ما يفعلون هذا في كثير من هذه المسائل.
١١٤- وهنا انتهى النظر في الأصل الثاني وهو السنة، وينبغي أن تعلم أن هذين الأصلين يلحقهما النسخ، ولنقل في ذلك.
[ ١ / ٨٣ ]