٨٣- وإذ قد تبت العمل بخبر الواحد فلا بد من ذكر الشروط التي يقبل بها ويجب العمل به إذ ليس كل خبر يجب العمل به. فأولها أن خبر الواحد يعمل به وإن لم يعمل بشهادته لأن اشتراط العدد إذا
[ ١ / ٧٢ ]
ثبت العمل به مما يجب على مدعي ذلك إثباته شرعا ولا يصح في مثل هذا حمله على الشهادة قياسا. واستظهار الصحابة ﵃ بالعدد في واقعتين أو ثلاث فذلك اجتهاد منهم لأحوال خاصة بتلك النوازل وبالجملة فاشتراط العدد ليس بشرط عندنا.
٨٤-وأول الشروط أنا لا نقبل خبر الصبي، لأنه لا يخاف الله، فلا نأمن عليه الكذب. وأما إذا كان طفلا عند السماع، ثم نقل الحديث بعد بلوغه، فهو مقبول بدليل إجماع الصحابة على العمل بالأحاديث من غير فرق بين من سمع في الصغر أو بعد البلوغ. وقول من قال تقبل شهادة الصبيان في الجنايات التي تقع بينهم، فإنما حمله على ذلك الاستدلال بالقرائن لكثرتهم، ولذلك اشترط في شهادتهم قبل أن يتفرقوا.
٨٥-ومن الشروط أن يكون ضابطا، فإن من كان مغفلا يقع منه في الأكثر الغلط. وأما كونه مسلما فلا خلاف في اشتراطه ذلك، لأن الكافر لا تقبل روايته لأنه متهم في الدين. وإن كانت تقبل شهادة بعضهم على بعضهم عند أبي حنيفة، فلا مخالف في رد روايته، وبالجملة فالاعتماد في ردها على الإجماع.
٨٦-وأما اشتراط العدالة فغير مختلف فيه، لكن ما يدل عليه اسمها مختلف فيه فذهب قوم وهم الأكثرون أن العدالة حالة في النفس يلزم عنها اجتناب ما نهي عنه في الشرع نهي تحريم أو نهي كراهة وإتيان ما أمر به في الشرع أمر وجوب أو أمر ندب من غير أن يخل بذلك.
٨٧ وبالجملة فيشترط فيه تجنب كل ما يقدح في دينه مما لا يمتنع عليه الكذب مع إتيانه وهذا يختلف بحسب نظر المجتهدين ولكن لا
[ ١ / ٧٣ ]
خلاف في أنه لا تشترط فيه العصمة كما لا يكفي في ذلك اجتناب الكبائر وذهب قوم إلى أن عدالة عبارة عن إظهار الإسلام مع أنه لا يعلم فاسقا دون بحث عن سيرته وسريرته
٨٨ أما أصحاب المذهب الأول فاحتجوا بأن قالو كما أن المجهول الكفر لا يجوز نقله كذلك المجهول الفسق ولأولئك أن يقولوا (١) إن المجهول الكفر ليس تعرف منه حالة يغلب بها على الظن حسن الثقة به وليس كذلك المعروف من إظهار الإسلام، وقد احتجوا أيضا لذلك برد الصحابة أخبار المجاهيل كرد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس ورد علي قول الأشجعي وما ظهر من طلب رسول الله - ﷺ - العدالة والثقة فيمن كان ينفده إلى البلاد.
٨٩ وأما ما احتج به أهل الفرقة الثانية فقبوله - ﷺ - شهادة الأعرابي في رؤية الهلال مع أنه لم يعرف منه إلا الإسلام ولأولئك ألا يسلموا أنه كان مجهولا عند الله واحتجوا أيضا بأن الصحابة قبلوا قول من لم يعرفوهم بالفسق وعرفوهم بالإسلام.
٩٠ وبالجملة فقد احتج كل فريق منهم بحجج، وهي وإن كانت ظاهرة بحسب دعواه فهي مع هذا محتملة للتأويل والمسألة اجتهادية لا قطعية. وبالجملة فالمقصود فيما يظهر من العدالة إنما هو غلبة الظن بالصدق وذلك يختلف بحسب اختلا ف قرائن الأحوال. فينبغي إذن فيما لم ينصب الشرع فيه علامة محدودة بطريق قطعي لغلبة الظن بالصدق ألا نحد فيها حدا بل يوكل ذلك إلى نظر المجتهدين، فإنه رب مجتهد تجتمع عنده قرائن يغلب بها على ظنه صدق إنسان ما ليس تجتمع
_________________
(١) في لأصل: أن يقولون
[ ١ / ٧٤ ]
لإنسان آخر.
٩١ وأما الفاسق المتأول وهو الذي لا يعرف فسق نفسه فقد اختلفوا فيه. فمن رأى أن الفسق إنما يمنع القبول للتهمة فلا يتصرف عنده رده إلا أن يكونوا فسقه في إجازة الكذب. ومن رأى أن الفسق بنفسه هادم للقبول لموضع التهمة أجاز شهادة بعضهم على بعض والأول مذهب الشافعي والثاني مذهب القاضي. ويشبه أن يكون مذهب الشافعي أقيس ويشهد له قبول الصحابة ﵃ أخبار الخوارج.
٩٢ والفاسق المتأول ربما علم فسقه بدليل قطعي وربما علم فسقه بدليل ظني. وينبغي أن يكون قبول رواية من علم فسقه بدليل ظني أولى ولذلك يقول الشافعي أفسق الحنفي الشارب للنبيذ ولا أرد شهادته.
٩٣ فهذه هي الأشياء التي تشترط في الراوي وأما الأشياء التي يقع بها الترجيح فتكاد لاتتناهى..