١٣٠- والإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد - ﷺ - على حكم شرعي وسواء كان ذلك الحكم مما صرح به صاحب الشرع - ﷺ - فدثر ولم ينقل، أو لم يصرح به، فوقع الإجماع منهم على ذلك لقرينة حال أو دليل أو غير ذلك مما يوجب الاتفاق. أما ما صرح به النبي ﵇ ونقل نقل تواتر فلا غناء للإجماع في تصحيحه. وأما ما نقل نقل آحاد فإن الإجماع ينقله من رتبة الظن إلى رتبة القطع. وأما ما لم يصرح به أو صرح به ولم يبلغنا فإن الإجماع يستعمل دليلا قاطعا في تثبيته. أما وقوع مثل هذا شرعا فموجود وأما اطلاعنا عليه فذلك يمكن بأحد وجهين: أما إن كان المجمعون معاصرين لنا فبلقائهم. وأما إن كانوا ممن (١) سلف فبالنقل المستفيض الذي يوقع التصديق.
١٣١- وأما الدليل على كون الإجماع حجة فمأخوذ من جهة النقل من الكتاب والسنة. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ الآية. وهذه أقوى آية في التمسك بالإجماع. ومنها قوله ﵎: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ . وقوله: ﴿كنتم خر أمة أخرجت للناس﴾ . وقوله تعالى: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ .
وهذه الآيات وإن لم تكن واحدة واحدة منها نصا في كون الإجماع دليلا شرعيا فإنها بمجموعها تقتضي لهذه الأمة التعظيم والتشريف واتباع سبيلهم وموافقتهم والنهي عن مخالفتهم والخروج عن جماعتهم.
_________________
(١) في الأصل: من.
[ ١ / ٩٠ ]
وبالجملة إذا أضيف إلى هذه الآيات ما ورد من أحاديث الأخبار في وجوب العصمة لهذه الأمة، وإن لم تكن تواترت في اللفظ فهي متواترة في المعنى، كقوله ﵇: " لا تجتمع أمتي على خطأ " وقوله ﵇" لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطأ ومن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " (١) . وقوله ﵇ " يد الله مع الجماعة "، إلى ما سوى ذلك من الأحاديث، ثبت على القطع كون الإجماع دليلا شرعيا. (٢)
١٣٢-وأما من احتج على كون الإجماع حجة بدليل العقل فضعيف، لأنه وإن كان يبعد اجتماع الكثير على الكذب، فغير بعيد اجتماعهم على الخطأ. بل تقول لو بقي من أهل الاجتهاد اثنان أو ثلاثة وأجمعوا على رأي وقع الإجماع بهم لشهادة الشرع لهم بالعصمة، من حيث ينطلق عليهم اسم الأمة في ذلك الوقت.
١٣٣-وإنما اشترطنا في حده المجتهدين، لأن العوام وإن تصور دخولهم في الإجماع فإنما ذلك في الأمور التي نقلت نقل تواتر كالصلوات الخمس والصوم والزكاة، أو فيما كانوا (٣) فيه مستصحبين وتابعين لإجماع المجتهدين، فلذلك لا غناء لإجماعهم في تصحيح
_________________
(١) ورد هذا الحديث في المستصفى هكذا: ( ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) .
(٢) تحدث عن مفهم الإجماع بجهة مخالفة في (مختصر المنطق) فقال: (وأما الإجماع الذي هو اتفاق أهل الملة فمستنده أيضا في الإقناع شهادة الشرع لهم بالعصمة. ولما شعر قوم بهذا قالو إن خارق الإجماع ليس بكافر. وأبوا حامد قد صرح بهذا المعنى في أول كتابه الملقب بالتفرقة بين الإسلام والزندقة قال لم يجمع بعد على ما هو الإجماع) . ص١٩٥
(٣) في الأصل: أو في كانوا
[ ١ / ٩١ ]
شيء، بل العوام أبدا متبعون للمجتهدين وموافقون لهم، إذ كان ذلك فرضهم. فإن سمّي مثل هذا إجماعا لم يمتنع، لكن مثل هذا ليس بأصل يستعمله المجتهد.
١٣٤- فأما عدد المجمعين فليس فيه شرط سوى أن يكونوا جميع المجتهدين من أهل العلم الموجدين في عصر واحد، لأنا لو اشترطنا إجماع أهل الأعصار، من سلف منهم ومن هو حاضر ومن سيأتي، لم يقع إجماعا.
١٣٥-فأما إن أجمع أهل عصرنا على أمر لم يجمع عليه من سبقهم هل ينعقد الإجماع أم لا؟ ففيه موضع نظر. أما ما سكت عليه أهل العصر المتقدم، ولم ينقل عنهم فيه قول، فإجماع من بعدهم منعقد ضرورة. وأما إذا نقل فيه عن من سلف خلاف، فها هنا موضع القول. وقد اختلف الناس في ذلك، والوقوف عليه يكون من جهة صيغ الألفاظ الواردة في معنى العصمة لهذه الأمة كقوله ﵇ (لن تجتمع أمتي على الضلال)، وسائر الأحاديث التي أوردناها، فإنها وإن لم يمكن حملها على العموم، إذ هو من الممتع أن يتناول ههنا لفظ الأمة من سيأتي، فهو حجة في عموم ما بقي داخلا تحت تناول اللفظ. فبأي جهة ليت شعري يخرج من شرط الإجماع أهل العصر المتقدم، وعموم ما بقي من دلالة اللفظ يتناولهم، اللهم إلا عند من يرى أن العام إذا خصص فليس بحجة في عموم ما بقي.
١٣٦-فأما أهل الظاهر فليس يتصور معهم هذا الخلاف لأنهم يرون الإجماع إنما هو اتفاق الصحابة ﵃ على حكم ما. وذلك لازم لأصولهم. لأنهم لا يجوزون الإجماع بالقياس. وإذا كان هذا هكذا فإنما يقع الإجماع عندهم إما لأثر قد عفا ولم يصل إلينا،
[ ١ / ٩٢ ]
وإما لقرائن وأحوال مشاهدة منه - ﷺ -، ومثل هذا لا يتصور في غير الصحابة. وأما من يجوز وقوع الإجماع عن القياس فيلزمه الخلاف المذكور وسنبين هذا في كتاب الاستنباط، إذا تبين ما هو المعنى الذي يعنونه بالقياس في هذه الصناعة.
١٣٧-وأما هل يتناول أيضا لفظة الأمة جميع الشخوص المجتهدين في ذلك العصر حتى إن شذ منهم واحد لم يكن إجماعا، أم يراد به الأكثر، فالظاهر من الصيغ الواردة في ذلك تناول جميعهم. وبالجملة فالنظر في هذه الأحوال المشترطة في الإجماع يشبه أن يكون اجتهاديا. وأما إذا نقل عن أكثرهم أيضا قول، وسكت الباقون فمختلف فيه. والأظهر كما يقول الشافعي ألا ينسب إلى ساكت قول قائل، اللهم إلا أن يعلم من قرائن أحوال الساكتين أن سكوتهم ربما كان رضي منهم بالقول واتفاقا عليه، فإن الإنسان قد يسكت لأسباب شتى: إما أنه ليس عنده في ذلك الوقت في الشيء رأي، وإما إن كان عنده رأي في الشيء فقد تمنعه عن التصريح به موانع: منها أنه لعله يرى أن الحكم في محل الاجتهاد، أو أن كل مجتهد مصيب، أو هيبة ما، أو غير ذلك من قرائن تقترن له.
١٣٨-وإذا كان هذا هكذا وكان من شرط الإجماع اتفاق جميع المجتهدين الموجودين في ذلك العصر، فمن رأى إجماع أهل المدينة حجة لأنهم الأكثر في أول الإسلام فلا معنى له. لكن حذاق المالكيين إنما يرونه حجة من جهة النقل وهذا إذا بني فيه أن يجعل حجة فيما يظهر لي، فينبغي أن يصرح فيه بنقل العمل قرنا بعد قرن حتى يوصل بذلك إلى زمن رسول الله - ﷺ -، فيكون ذلك حجة بإقراره له - ﷺ -. مثل أن يقولوا: هكذا وجدنا آباءنا يفعلون، إلى أن ينتهي ذلك إلى زمن
[ ١ / ٩٣ ]
رسول الله - ﷺ - - ﷺ -. مثل ما اتفق لمالك مع أبي يوسف بحضرة الرشيد في مسألة الصاع. وإلا متى لم يشترط هذا، ولم يحتفظ به، لم يكن ممتنعا أن يكون إجماعهم على أمر حملهم عليه بعض الخلفاء والأمراء. وبالجملة فالحكم في الشرع بمثل هذا الحكم بين أنه ليس يرجع إلى أصل مقطوع به في الشرع على ما شأنها (١) أن ترجع إليه الأمارة الظنية، اللهم إلا أن يصرح بنقل العمل كما قلنا فيكون من باب النقل (٢) .
١٣٩-وأما من يشترط في الإجماع انقراض عصر المجتهدين دون أن يقطع بينهم خلاف فليس تقتضيه صيغ الأحاديث الواردة بكون الإجماع حجة، بل من خالف من بعد وقوع الإجماع
_________________
(١) في الأصل: (على ما تبيانها)
(٢) لعل هذا الموضع الذي يحيل إليه في (بداية المجتهد) حين قال: (ص٧٤/ج I) (وقد تكلمنا في العمل وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي وهو الذي يدعى بأصول الفقه) . ولكنه في موضع آخر من البداية (ص١٢٦/ج i) ينتهي إلى موقف يحمل جديدا بالقياس إلى ما ذهب إليه ههنا يقول: (لكن النظر في هذا الأصل الذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا فيه نظر. فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون إنه من باب الإجماع وذلك لا وجه له فإن إجماع البعض لا يحتج به. وكان متأخروهم يقولون إنه من باب نقل التواتر ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف. والعمل إنما هو فعل، والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول، فإن التواتر طريقه الخبر لا العمل، وجعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل لعله ممنوع. والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة وهو أقوى من عموم البلوى لأن أهل المدينة أحرى ألا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل. وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول إن وافقته أفادت به غلبة ظن وإن خالفته أفادت به ضعف ظن )
[ ١ / ٩٤ ]
في لحظة ما فغير ملتفت إليه ومقطوع بخطئه.
١٤٠-فهذا هو القول في الإجماع ما هو، وسائر ما يشترط فيه بأوجز ما أمكننا، وسائر ما يلحقه من المسائل والاعتراضات التي كثر أبو حامد بذكرها فقد يقف عليها بسهولة من تصور من الإجماع هذا المقدار الذي كتبناه.
[ ١ / ٩٥ ]