٦٦_ وقول رسول الله - ﷺ - حجة لدلالة المعجزة على صدقه، وهو حجة بنفسه على من سمعه مشافهة.
فأما نحن فلم يبلغنا قوله - ﷺ - إلا على لسان المخبرين، إما بطريق التواتر، وإما بطريق الآحاد. ولذلك ينقسم القول في الأخبار إلى هذين القسمين، ويعمهما بيان مراتب ألفاظ الصحابة ﵃ في نقل الأخبار عنه - ﷺ -، وهي مراتب:
٦٧_فأولها أن يقول الصحابي سمعت رسول الله - ﷺ -، أو حدثني، أو أخبرني أو شافهني، فهذا لا يتطرق إليه احتمال.
٦٨_المرتبة الثانية: أن يقول: قال رسول الله كذا أو حدث بكذا. فهذا ظاهره النقل، إذا صدر عن الصحابي وليس نصا صريحا، إذ ممكن أن يكون حدث به عن رسول الله - ﷺ -. لكن رأي أكثرهم العمل بمثل هذا جائز للقرائن الدالة على ذلك، لاسيما إذا صدر ذلك عن من كثرت صحبته.
٦٩_ المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي أمر رسول الله بكذا، ونهى عن كذا، أو فرض كذا، وأوجب كذا. فهذا يتطرق إليه احتمالان: أحدهما في سماعه كما في قوله تعالى، والثاني في فهمه عن الخطاب الأمر أو الوجوب، إذ صيغة الأمر مختلف فيها. ولذلك رأى داوود ومن تبعه من أهل الظاهر ألا حجة في قوله ما لم ينقل لفظه - ﷺ -. وقد احتج عليهم أن هذا نظر من حيث فهم الألفاظ. وإنما وقع الخلاف فيها بيننا من حيث أنا لسنا بفصحاء ولا بحجة على الكلام العربي. وأما الصحابي من حيث أنه عربي فكيف يتوهم عليه الغلط في
[ ١ / ٦٦ ]
صيغة الأمر، مع أن به تقوم الحجة عند الاختلاف فيها.
٧٠_ وإنا نرى أن تصحيح الألفاظ في لسان ما عند من لم يكن من أهل ذلك اللسان إنما يحصل بأحد أمرين: إما باستقراء كلامهم، أو النقل عنهم إذا استفاض ذلك فيهم. وعلى هذا لا يصح الاحتجاج بقول الواحد حتى يستفيض قوله. وأما هل يشترط في اللغة التواتر أو تكفي في الآحاد؟ فذلك مختلف فيه. ويشبه أن يكفي في كثير منها نقل الآحاد، وإلا لم يكن سبيل إلى الوقوف على أكثر دلالات الألفاظ لو اشترط في نقل كل واحدة منها التواتر.
٧١_ المرتبة الرابعة: أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا. فهذا يتطرق إليه، مع ما سبق من الاحتمالات، احتمال آخر وهو أن الأمر بذلك عساه أن يكون غير النبي - ﷺ - من الأئمة والأمراء، وفي معنى هذا قولهم: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا.
٧٢_ المرتبة الخامسة: أن يقول الصحابي كانوا يفعلون كذا، فأضاف الفعل إلى عهد رسول الله - ﷺ -. فهذا أيضا يحتمل أن يكون بلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، وهو الأظهر، فأقره. ويحتمل أن يكون لم يبلغه.
٧٣_ فقد ظهر من هذا ما هو إخبار عن رسول الله - ﷺ -، وما ليس بإخبار.
٧٤_ والآن فقد بقي تبيين طريق انتهاء الأخبار إلينا، وذلك إما أن يكون نقل تواتر أو آحاد. ولنقل فيهما وفي مرتبة التصديق الحاصل عنهما، ولنبدأ من ذلك بالتواتر، فنقول:
٧٥_ إن التواتر هو خبر مستفيض يحصل عنه اليقين في أمور ما وعند أحوال ما من غير أن ندري من أين حصل ولا كيف حصل ولا متى حصل. وإنما قلنا: في أمور ما، لأنه ليس يحصل فيما ليس شأنه
[ ١ / ٦٧ ]
أن يحس مما هو معقول، أو مما شأن مناسبه أن يحس، إلا أنه غير ممكن الوجود، كعنز أيل وغير ذلك مما ليس له وجود خارج النفس، ولا فيما شأنه أن يحس بعد مما هو ممكن الوجود، بل إنما يحصل اليقين به فيما هو محصل الوجود في الزمان الحاضر، أو كان محصل الوجود في الزمان الماضي مما لم نحسه بعد، لأن ما أحسسناه أو كان لنا سبيل (١) إلى إدراكه بقياس يقيني، كحدث العالم، وغير ذلك، فلا غناء للتواتر فيه، لأنه إما أن يتواتر عندنا بحسب ما أحسسنا أو وقفنا عليه بالقياس، فذلك في حقنا فضل، وأما إن تواتر خلافه، فلا يقع لنا به تصديق.
وقولنا: وعند أحوال ما، تحفظ فيما تواتر ولم يقع اليقين به، ولذلك رام قوم لما شعروا بهذا أن يشترطوا في التواتر عددا يلزم عنه بالذات وأولا اليقين، حتى يكون هو السبب في الوقوع عنه، ومقتضيا له على جهة ما تقتضي الأسباب مسبباتها. فلما لم يتحصل لهم حدوده بأنه الذي يحصل عنه اليقين على أنه محصل الوجود في نفسه، وإن كان مجهولا عندنا. والمشاهدة بخلاف ذلك، فإنه يظهر أن العدد الذي يحصل عنه اليقين يزيد وينقص في نازلة نازلة ولو كان ههنا عدد ما بالطبع يحصل عنه اليقين بالذات وأولا لكنا سنحسه ونقف عليه. وبالجملة فإن كثرة المخبرين أحد القرائن التي تفيد التصديق، ولذلك يلزم أن يزيد وينقص بحسب ما تنضاف إليه من القرائن الأخر (٢) .
٧٦_ وإذا كان هذا هكذا، فلسنا نقدر أن نقول إن فاعل ذلك
_________________
(١) في الأصل: سبيلا.
(٢) وقريب من هذا ذهب إليه في (مختصر المنطق) بل تكاد أن تكون العبارات أحيانا واحدة. انظر (جوامع الجدل والخطابة والشعر) تحقيق شارل بوترورت ١٩٧٧: Albany State University of New York Press. ١٩٤_١٨٩
[ ١ / ٦٨ ]
التصديق بالنتيجة يحصل على المقدمات، أو على جهة ما نقول إن المعقولات الأول تحصل عن الحس. ومن ظن أن الحال في التواتر كالحال في المقدمات التجريبية، وهي التي يحصل اليقين بكلتيها عند التعمد لإحساس جزيئاتها، فمخطئ قطعا. بل التصديق الحاصل عن التواتر من الفعل النفس، وكأن نسبته إليها نسبة (١) وبالجملة [فلم يقع خلاف في التواتر يوقع اليقين إلا ممن لا يؤبه به، وهم السفسطائيون. وجاحد ذلك يحتاج إلى عقوبة، لأنه كاذب بلسانه على ما في نفسه. وإنما الخلاف في جهة وقوع اليقين عنه، فقوم رأوه بالذات، وقوم رأوه بالعرض، وقوم رأوه مكتسبا] (٢) مثل ما رآه أبو حامد ههنا ومن نحا نحوه من أن اليقين به إنما يحصل بعد مقدمتين: إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم لا يجمعهم على الكذب جامع. والثاني أنهم قد اتفقوا على الإخبار عن هذه الواقعة. لكن أبو حامد يسلم أن هاتين المقدمتين لم تشكلا (٣) قط في الذهن بالفعل، ولا احتاج الإنسان إلى إحضارهما عند وقوع التصديق بالتواتر.
٧٧ –وإذا وضع هذا، فيما لا شك، هو المشاهد من أمر التواتر، فمن البين أنه ليس لهاتين المقدمتين في إيقاع اليقين غناء،لأن ما ليس موجودا في النفس بالفعل فليس يكون سببا لوجود ما هو فيها بالقوة حتى تخرجه إلى الفعل. ولولا كون حصول المقدمة الكبرى في الشكل الأول في النفس بالفعل ما كانت سببا لحصول النتيجة عنها التي كانت منطوية فيها بالقوة.
_________________
(١) بياض في الأصل في قدر كلمة أو كلمتين.
(٢) ما بين معقوفين ورد في (البحر المحيط في أصول الفقه) للزركشي ٤/٢٣٩. أنظر حاشية ص ٢١ هامش رقم (١) من المطبوع. (عبد العزيز الساوري) .
(٣) في الأصل: لم تشكل.
[ ١ / ٦٩ ]
فأي فائدة لاشتراط ما وجوده مثل هذا الوجود في إيقاع التصديق. ولهذا اشتراطنا في حد التواتر من غير أن ندري كيف حصل ولا من أين حصل. وبالجملة فالأخبار والشهادات على الأخبار لا تفيد إلا ظنا، وذلك يتفاوت بحسب تفاوت القرائن، حتى يحصل في بعضها اليقين. ولذلك اختلف الناس في مراتب التصديقات الواقعة عن الأخبار بحسب ما يقترن بها، كمن يجعل خبر الواحد بين يدي الجماعة، إذا أمسكوا عن تكذيبه مع أنهم عدد يمتنع في عرف العادة تواطؤهم على تسويغ الكذب، يتنزل منزلة التواتر إذا كان ما أخبر عنه مدركا لهم بالحس. وكذلك ههنا قرائن تضعف الظن الواقع بالأخبار حتى يكاد في بعض المواضيع يقطع بكذبها؛ كمن أخبر بقتل ملك البلدة في السوق ثم مر أهل السوق ولم يتحدثوا بذلك. ومن هذا الجنس رد أبي حنيفة ﵀ أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى من الأحكام، لأنه يرى أن ينقل نقلا مستفيضا. وكذلك رد مالك لكثير من الأحاديث إذا لم يصحبها العمل.
٧٨ – فهذا ما ينبغي أن يقال في مرتبة التصديق الحاصل عن الأخبار، وفي أي موضع غناؤها، وفي أيها لا.
٧٩- فأما خبر الآحاد بحسب ما حد في هذه الصناعة فهو مما لم ينته أن يفيد اليقين في موضع ما بخبر الواحد بحسب ما يقترن بذلك من قرائن (١) قلنا هذا وإن كان غير ممتنع فهو مما يقل وجوده ولعل ذلك يقع في حق شخص ما ونازلة ما. ولتفاوت هذا الظن الواقع في النفس عند اقتران القرائن بأخبار الآحاد رأى بعضهم أن خبر الواحد قد يفيد اليقين.
٨٠ –ويلحق بخبر الواحد بعد التكلم في حده التكلم في جواز
_________________
(١) نقص في العبارة نترك تأمله لاجتهاد القارئ
[ ١ / ٧٠ ]
العمل به شرعا، والتكلم في شروط الناقلين له، والجرح والتعديل، وكيفية نقل الراوي عن مرويه.