٣٦-هذا القسم يتضمن النظر في أركان الحكم،وهي ثلاثة: الحاكم،والمحكوم عليه،والمحكوم فيه.
٣٧-أما الحاكم فهو المخاطب بالإيجاب. ومن شروطه،مع كونه متكلما،نفوذ الحكم على الإطلاق. وإنما يصح ذلك بين المالك والمملوك والخالق والمخلوق،وهو تعالى. وكل من لزمت طاعته فإنما لزمت بإيجاب الله تعالى كالسلطان والأب وما أشبههما. وهو القادر على العقاب والثواب إذ لا يتصور الإيجاب أو النهي من غير قادر عليهما. وتثبيت هذا في علم الكلام.
٣٨_وأما المحكوم عليه فله شرطان هما (١) أن يفهم الخطاب الوارد بأمر أو نهي، إذ من ليس يفهم الخطاب لا يصح منه اقتضاء وجوب الطلب. فإن قيل فقد وجبت الزكوات والغرامات على الصبيان، قلنا المكلف هو. الولي بشرط الاستعداد لقبول العقل. وكذلك أخذهم بالصلاة قبل البلوغ، الأب هو المأمور بذلك، لا يفهم خطاب الشرع إلا من يعرف الشارع، ولا يعرف الشارع إلا من يعرف الله، وهذا الشرط مدركه العقل. ومن هنا يتبين سقوط تكليف الناسي والغافل والمجنون والسكران. فإن قيل فكيف يقع طلاق السكران عند من يجوزه؟ قلنا ذلك على جهة التغليظ، إذ كان هو الذي جنى على نفسه باختياره بعد شرط التكليف وهو العقل. وليس يتصور مثل هذا في المجنون، وتعلق من تعلق في جواز خطابه بقوله ﵎: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فإنه إن سلم ظهور ذلك في
_________________
(١) في الأصل: منهما.
[ ١ / ٥١ ]
الآية فليس يصادم بالظواهر القطعيات. ولها تأويلات:
٣٩ _أحدهما أنها خطاب مع المستثنى.
٤٠ _والآخر أنه إنما وقع المنع من إفراط الشرب في أوقات الصلاة،وذلك خطاب في وقت الصحة،وقبل أن تحرم الخمر.
٤١-فأما الاعتراض الذي يلحقون هنا وهو كيف يكون الله آمرا في الأزل لعباده ومن شرط الآمر أن يكون المأمور موجودا،وكذلك كونه آمرا للسكران في حال سكره وللمجنون والصبي،على شرط أن يفيق ذلك ويصح ذلك ويبلغ هذا،فالجواب عنه ليس مما يمكن في هذا الموضع،ولا هو خاص بهذا النظر. والقول فيه مبني على قواعد تحتاج إلى تمهيد طويل وفحص كثير. وكما قلنا أنه ليس ينبغي أن نفحص عن كل شيء ولا عن أشياء كثيرة في موضع واحد،بل ينبغي أن يفرد بالقول كل واحد منها في الموضع اللائق به،والذي يحمل على هذا حب التكثير بما ليس يفيد شيئا.
٤٢-وأما الشرط الثاني فهو البلوغ،وهذا الشرط مدركه الشرع. فإن قيل فقبل أن يحتلم الصبي بزمان يسير أليس هو عاقلا؟ فإن انفصال النطفة عنه لا تزيده عقلا؟ قلنا: لما كان ذلك مما يخفي دركه في شخص،ويختلف وقته، نصب الشرع لذلك علامة توجد على الأكثر دالة عليه.
٤٣-وأما المحكوم فيه وهو الفعل فإنه ما جاز كونه مكتسبا للعبد باختياره مع اعتقاد اكتسابه طاعة وامتثالًا.
٤٤-وينبغي أن يعلم أن الأمور المتكسبة للإنسان هي التي له أن يأتي منها أي الضدين شاء،مثل أن القيام مكتسب له وله أن يقوم أو
[ ١ / ٥٢ ]
يقعد. وإذا كان معنى الاكتساب هذا فلا معنى لاستثنائهم من هذا –كما زعموا-وجوب النظر المعرف،إذ لا يمكن فيما زعموا قصد إيقاعه طاعة قبل المعرفة بوجوبه،لأن وجوب النظر كما سلف من قولنا يحصل ضرورة لكون المنظور فيه معلوما بالضرورة،وليس لإنسان اختيار في وقوع التصديق بوجوبه عند ظهور المعجزة. وكذلك أيضا لا معنى لاستثنائهم من ذلك إرادة الطاعة،وقولهم إن الإرادة لو افتقرت إلى إرادة لافتقرت الإرادة إلى إرادة وتسلسل الأمر،فإن الإرادة شوق،وحدوث الشوق للإنسان كالضروري،إذ كان فاعله التصديق بالرغبة والرهبة،فشرط الفعل الشرعي أن يكون مكتسبا أولا،ثم ثانيا أن يكون السبب في اكتساب اعتقاد وجوب الأمر لأشياء أخر مما يجوز له أن يفعل.
٤٥-وأما الشيخ أبو الحسن فليس من شرط الفعل عنده أن يكون مكتسبا،بل يرى أن ليس هنا فعل مكتسب للإنسان أصلا،وأن ما يظهر كون الإنسان فاعلا للشيء فأمر مصاحب ولاحق لا أن الإنسان لذلك الفعل سبب لا قريب ولا بعيد، حتى تكون نسبة ذي القدمين مثلا إلى المشي هي بعينها نسبة العادم للقدمين. وهذه مخالفة للحس ورأي غريب جدا عن طباع الإنسان (١) . وقد بين أبو المعالي في (الرسالة النظامية) الوجه الذي به يصلح في الشرع أن يقال إن للإنسان اقتدارا واكتسابا. ومن لم يكن عنده للإنسان اقتدار على شيء ما، جاز عنده تكليف ما لا يطاق وبحق ما فعل ذلك لأنه ليس على رأيه ههنا شيء
_________________
(١) بهذه الأفاظ تقريبا يرد مذهب الأشاعرة في كتاباته اللاحقة ومنن أشهرها الكشف والتهافت
[ ١ / ٥٣ ]
يطاق. والذي ينبغي أن نقول ههنا أن تكليف ما لا يطاق ممتنع عقلا وشرعا. أما شرعا فلقوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) . وأما عقلا فلا متناع قيام المحال بالنفس. وأن من الشرط المأمور به أن يكون مفهوما ومتصورا مكانه عند الآمر والمأمور.
٤٦_ وقد يلحق آخر هذا الجزء مسائل:
٤٧_ فمنها هل المكره على وفق التكليف أو خلافه مختار حتى يثاب على الواحد ويعاقب على الآخر؟ ونحن نقول في ذلك: أما المكره على وفق التكليف فقد يشبه أن يظن به أنه مختار من جهة أن له أن يأتي بخلاف ما أكره عليه محتملا لما به أكره. وهذا التفاوت بحسب ما يلحق المكره من الأذى. لكن إن لم يأت ذلك معتقدا إتيانه طاعة وامتثالا لم يثب عليه، فإن اعتقد ذلك أثبت عليه. وإن كان سبب تحريكه إلى الفعل الإكراه، فإنه إذا أخذ في الفعل واعتقد وقوعه طاعة أثيب عليه. وعلى هذا الوجه جاء إكراه الكفار على الإيمان بالقتل في الشرع. وبالجملة فالتوعد بالعقاب هو إكراه ما على هذا الوجه. ومثل هذا يتصور في أن يكون الإنسان يصده عن الامتثال عناد أو غير ذلك من الأسباب المانعة. وبالجملة الأمّارة بالسوء كثيرا ما تصد الإنسان عن الواجب مع اعتقاد وجوبه. وأما المكره على مخالفة الشرع مثل الإكراه على قتل مسلم، أو ترك الصلاة، فالسؤال فيه في موضعين: أحدهما هل إذا فعل بمقتضى الإكراه أثم أم لا؟
والثاني: إن احتمل الإكراه ولم يفعل بمقتضاه هل يثاب أو يأثم، فإن لنفس المرء عليه حقا، والذي ينبغي أن يقال في ذلك هو أن الإكراه تتفاوت مراتبه لتفاوته ما به يقع الإكراه، ومدرك مراتب هذا التفاوت، والمقايسة بينه وبين مخالفة الأمر وترجيح أحدهما على الآخر، مدرك
[ ١ / ٥٤ ]
شرعي، ولا سيما إذا كان ما به يقع الإكراه من نوع المكره عليه، مثل أن يكره بالقتل على القتل، وبالجملة فهذه المسألة اجتهاديه.
٤٨_ ومنها: هل المقتضى بالتكليف الكف كما يقتضي الفعل. والجواب أن الترك صنفان: صنف يلحق الإنسان عند تركه التلبس بضد، فهذا لا يثاب عليه كالصيام. وصنف لا يلحق الإنسان عند تركه التلبس بضد، فهذا لا يثاب عليه. وإلحاق مسألة مسألة بهذين الصنفين نظر فروعي.
٤٩_ ومنها: هل يتوجه الأمر بالشيء قبل حصول شرطه، كالأمر بالصلاة، فيعاقب على تركه من غير حصول شرطه، هذا إذا كان الشرط شرعيا كأمر المحدث بالصلاة في حين إحداثه، أو لا يتوجه الأمر بالشيء إلا حصول شرطه كالأمر بالصلاة في حين الطهارة؟
ونحن نقول:
إذا كان الشرط مكتسبا للإنسان باختياره فجائز أن يؤمر الإنسان بالشيء على تقدير حصول شرطه ويعاقب على تركه، وإن لم يأت بشرطه كتارك الصلاة يعاقب عليها وإن لم يتوضأ قط، وبذلك ورد الشرع، وقد دل دليل الإجماع على لحوق العقاب للمكذب بالرسل، قبل المعرفة بالله وإن كانت شرطا للإيمان بالرسل، وقد تمسك قوم في هذا بقوله ﷿: (ما سلككم في سقر قالوا لم نكن من المصلين)، وراموا أن يثبتوا أنه نص في الآية، وهي وإن لم تكن نصا فهي ظاهرة، لأنه محتمل أن يريد ها هنا بالمصلين المؤمنين كما قال ﵇: (نهيت عن قتل المصلين) . وما امتنع وقوع مثل هذا عنده عقلا صرف الظاهر إلى التأويل كالعادة في الظاهر المحتمل.
[ ١ / ٥٥ ]
٥٠_ وقد احتج من منع التكليف بمثل هذا بأنه لا معنى لوجوب الزكاة وقضاء الصلاة مع استحالة وقوعهما فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله. وهؤلاء القوم اشتبه عليهم الشرط الشرعي بالشرط الوجودي. وليس الأمر كذلك فهذا المكلف إنما يتوجه إليه الأمر بالشيء قبل حصول شرطه على تقدير حصول شرطه، وهو مستطاع له ومكتسب بخلاف الشرط الوجودي.
٥١_ أما احتجاجهم بأن الكافر إذا أسلم انتفى وجوب الصلاة والزكاة عنه، فلا حجة فيه، لأن مصيرنا إلى سقوط وجوبها بالإسلام إنما هو بدليل الشرع وإنما أوجبنا القضاء على المرتد دون الكافر، لأن القضاء إنما يجب بأمر مجرد فليتبع فيه الدليل الشرعي، ولذلك قد يؤمر بالقضاء من لا يؤمر بالأداء، وقد يؤمر بالأداء من لا يؤمر بالقضاء.
٥٢_ ومما يلحقون بهذا الباب مسألة رابعة وهي:
كما أنه لا يجوز إتيان الأمر بالجمع بين الضدين كذلك لا يجوز إتيان الأمر بالتخلي عنهما، إذا لم يكن بينهما وسط.
٥٣_ ولكن ها هنا فيما زعموا مسائل جزئية توقع شكا في هذه المسألة الكلية وهي: من توسط أرضا مزدرعة مغصوبة فيحرم عليه المكت ويحرم عليه الخروج، إذ في كل واحد فساد زرع الغير، فهو عاص بأيهما فعل. وكذلك من سقط على صدر صبي محفوف بصبيان، وعلم إن مكث قتل من تحته وإن انتقل قتل من حواليه. ومثل هذه المسائل فهي اجتهادية، وليست مما يوقع شكا في أنه لا يجوز. ورود الأمر بالتخلي عن الضدين. ويشبه أن يقال فيها هو غير مكلف في هذا الحال، ويشبه أن يقال في المسألة الأولى يخرج لتقليل الضرر وفي
[ ١ / ٥٦ ]
الثانية يمكث، فإن الانتقال فعل مستأنف لا يصح إلا من حي. ويحتمل أن يقال يتخير، ولاسيما إذا لم يترجح أحد الفعلين في قلة الضرر على الثاني.
وهنا انقضى القول في الفعل وهو القسم الثالث من الجزء الأول من هذا الكتاب.
[ ١ / ٥٧ ]