١٥١- ولنبدأ من ذلك بالنظر في الألفاظ فنقول:
إن العادة قد جرت عندهم في هذه الصناعة أن يقسموا الألفاظ والأقاويل إلى المجمل والنص والظاهر والمؤول. وينبغي أن ننظر في واحد واحد من هذه الأقسام، ونبين المعنى الذي يدلون عليه في واحد واحد منها، فنقول:
١٥٢- إن الألفاظ منها مفردة ومنها مركبة، والمفرد إما اسم وإما فعل وإما حرف. والمركبة ما تركب من هذه وكان يدل جزءه على جزء من المعنى. ومن هذه ما هو غير مستقل بنفسه في الفهم، ومنها ما هو مستقل بنفسه. وهذا ينقسم إلى أمر ونهي وطلبة وتضرع ونداء.
١٥٣- والألفاظ، سواء كانت أسماء أو حروفا أو أفعالا أو مفردة أو مركبة، منها ما يفهم عنها بصيغها في كل موضع معنى واحدا أبدا، وهذه بعض ما يعنون بالنص في هذه الصناعة، ولنسمه نحن النص من جهة الصيغ. ومنها ألفاظ يمكن أن يفهم عنها أكثر من معنى واحد، وهذه إذا كانت دلالتها على جميع المعاني بالسواء، حتى لا يفهم أحدها
[ ١ / ١٠١ ]
إلا بدليل أو قرينة فهو أيضا بعض ما يعنون بالمجمل في هذه الصناعة، ولنسمه نحن مجملا من جهة الصيغ. ومن هذه الألفاظ ما يقال من أول الأمر على شيء منها ويكون أشهر في الدلالة عليه، ثم يستعار حينا ما لشيء آخر لشبهه بالمعنى الأول، أو يبدل بعضها مكان بعض اتكالا في ذلك على قرينة تفهم المعنى المستعار أو المبدل. وهذه إذا وردت خلوا من القرائن حملت على وضعها الأول، وهي ما يعنون في هذه الصناعة بالظاهر، ولنسمه نحن على عادتنا الظاهر من جهة الصيغ. وإذا دلت القرائن على استعارتها أو تبديلها فهو بعض ما يسمى في هذه الصناعة مؤولا، ولنسمه المؤول من جهة الصيغ. وفي هذا الصنف تدخل الأسماء العرفية، وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق. وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية، ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بالتأويل (١) .
١٥٤- ومن هذه الألفاظ والأقاويل ما تدل بمفهوماتها لا بصيغها وذلك لتغييرها بالنقص والحذف أو الزيادة، وكذلك أيضا بالتبديل والاستعارة. وهذا الصنف من الألفاظ يسمى مجازا.
١٥٥- وهذه يوجد فيها أيضا ما يشبه النص والمجمل والظاهر والمؤول، وإنما يوجد ذلك فيها من جهة القرائن لا من صيغها. فيكون إذا النص المستعمل في هذه الصناعة يعنى به صنفان: أحدهما ما كان نصا
_________________
(١) يقول في بداية المجتهد: " فإن الأسماء التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى شرعي بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معان شرعية، أعني أنه يجب أن تحمل على المعاني الشرعية حتى يدل الدليل على المعنى اللغوي ص١٠١ ج١.
[ ١ / ١٠٢ ]
من جهة الصيغ، والثاني ما كان نصا من جهة المفهوم. وبمثل هذه القسمة ينقسم الظاهر والمجمل والمؤول.
١٥٦-ويشبه أن تكون قسمة الألفاظ إلى هذه الأصناف هي النافعة في هذه الصناعة. وينبغي أن ننظر فيها على عادتهم، ونبين في واحد واحد منها كونه دليلا شرعيا، ونفحص عما يظن به من الأقاويل أنه متردد بين أكثر من صنف واحد من هذه الأصناف. ولنبدأ من هذه الأقسام بما يوجد للفظ من جهة صيغته ومن هذه في المفردة والمركبة تركيب إخبار.
١٥٧- واللفظ كما قلناه إنما يكون نصا إذا فهم عنه في كل موضع معنى واحدا، وهذا يوجد في المفرد والمركب. أما مثال المفرد فكالإنسان والفرس والحيوان، وأما في المركب فمثل قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ وبالجملة كل ما تركب عن المفردات النصوص، ولم تكن الضمائر فيه محتملة أن تعود على معنى أكثر من واحد.
١٥٨- والمجمل من جهة الصيغة في مقابلة هذا. أما في الألفاظ المفردة فكمثل اسم العين الذي يقال باشتراك على عين الماء، وعلى عين الميزان، والعين التي يبصر بها، وغير ذلك. وربما قيل على الشيء وضده كالقرء الذي يعنى به مرة الطهر ومرة الحيض. وأما المجمل من جهة التركيب فما تركب عن مثل هذه الالفاظ، او كانت الضمائر التي يرتبط بها القول محتملة، كقوله ﵎: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ . فإن الضمير محتمل هنا أن يعود على الولي أو الناكح.
١٥٩- واسم البيان يقع عندهم في هذه الصناعة على كل ما يمكن أن تثبت به الأحكام، ويقع في الأفهام، من صيغة لفظ أو مفهومه، وما
[ ١ / ١٠٣ ]
سوى ذلك مما عددناه قبل على مراتبه في إفادة التصديق. وسنقول في كون واحد واحد منها دليلا شرعيا.
١٦٠- فأما المجمل فليس ببيان بإجماع، ولا يثبت به حكم أصلا. ويتطرق إلى هذا مسألة وهي: هل تجوز المخاطبة على معنى الأمر بالمجمل حتى يرد البيان، أو بالظاهر حتى يرد التخصيص، وذلك في وقت الحاجة؟ وهذه المسألة هي التي يرسمونها بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقد أجاز ذلك قوم، ومنعه آخرون. ونحن نقول في ذلك (١):
١٦١- وهذه المسألة الفحص عنها لغوي، فلذلك ينبغي أن نجعل نظرنا فيها من الجهة التي تنظر في اللغة فنقول: إنه إذا استقرىء كلام العرب ظهر من أمرهم أنهم لا يخاطبون بالاسم المشترك إلا حيث يدل الدليل على المعنى المقصود من سائر ما يقال عليه ذلك الاسم، إما لقرينة حاضرة مبتذلة، أو موجودة في نفس اللفظ. فإن قول الله ﵎: ﴿فأصبحت كالصريم﴾ قد تقدم من صفات المشبه ما يدل على أن الصريم ههنا الليل. وكذلك إذا أرادوا بالصريم الصبح قالوا ضوء الصريم، وما أشبه ذلك.
وبالجملة فالمخاطبة بالألفاظ المجملة والمخاطب يعلم قطعا أنها مجملة مما لم يقع بعد، ولو وقع لكان هذرا، اللهم إلا أن المخاطب بالاسم المجمل قد يخاطب به ويغلب على ظنه فهم ذلك عنه اتكالا منه على القرائن ولا يفهم ذلك عنه المخاطب، فهنا يصلح
_________________
(١) ذهب في البداية كما سيفعل ههنا إلى عدم جواز تأخر البيان عن وقت الحاجة. انظر ص ٨، ٩، ١٥، ج٢.
[ ١ / ١٠٤ ]
الاستفهام من المخاطب والبيان من المخاطب وإن رأى المخاطب أن اقتضاء ذلك خوطب به لم يطلب منه في ذلك الوقت، أخر السؤال إلى وقت الحاجة فيتأخر البيان. فأما أن يرد الخطاب بالألفاظ المجملة والمخاطب لا يفهم عنه شيئا تعويلا من المخاطب على أنه سيبين ذلك المعنى المقصود عند وقت الحاجة فهو شيء كما قلنا لم يقع من عربي قط ولا من غيره. وبالجملة فليس تقع المخاطبة بالألفاظ المجملة اللهم إلا أن يراد بها اللغز والاستهزاء لطبيعة المخاطب (١) وكذلك ما كان مجملا من جهة مفهومه وأما الشرع فإنه لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي.
١٦٢ وأما الظاهر أيضا من جهة الصيغة فحكمه عندي حكم الاسم المشترك، وذلك منه فيما قيل من أول الأمر علي شيء ما، وكان ظاهرا فيه ثم استعير وقتا ما لشيء ما آخر لشبهه بالمعنى الأول أو لتعلقه به بوجه من أوجه التعلق. فإن العربي إذا أطلق لفظ السماء لم يفهم عنه أبدا إلي السماء المكوكبة فإذا أراد بذلك المطر دل على ذلك بقرينة كقولهم: (ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم) وكقولهم (إذا سقط السماء بأرض قوم) وإلا متى خوطب بمثل هذه الأسماء وأطلقت إطلاقا، والمراد بها غير ما هي راتبة عليه، لم يقع ذلك إلا غلطا، وإن قصد ذلك كان تغليطا، هذا إذا كان وقت الحاجة. وأما إن لم يكن وقت الحاجة فأي فائدة لمخاطبة يعتقد الإنسان منها خلاف ما يأتي به البيان. ويشبه أن يكون كذلك الظاهر من جهة المفهوم
١٦٣ وأما الظاهر من جهة الإبدال وذلك منه فيما يأتي من
_________________
(١) وفي الأصل الاستهزاء الطبيعة المخاطب
[ ١ / ١٠٥ ]
الألفاظ العامة التي المراد بها ما تحتها، فالمخاطبة بها دون أن تقيد أو تقترن بها قرينة تدل على فهم ذلك المعنى المخصص قصدا بتأخير البيان فيها إلى وقت الحاجة، واقع لغة وشرعا، إذا فهم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا أيضا موضعا للسؤال، وأن المخاطب لم يكن قصده الإقتصار على ما خاطب به. وعلى ذلك ورد قوله ﷿: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فإنهم لم يزالوا يسألون والجواب يرد بالتخصيص إلى أن تعينت لهم البقرة المخصوصة. فأما إذا لم يعلم المخاطبون من قرائن الأحوال أن ههنا موضعا للسؤال فذلك غير واقع. وإنما ساغ مثل هذا في العام، ولم يسغ في المجمل، ولا في الجنس الأول من الظاهر لأن من عرف الشيء بأمر كلي فقد عرفه بوجه ما، مع أنه ينتظر معرفته بوجه أخص. وكثيرا ما تكون الأقاويل المؤلفة عن مثل هذه أبين من الأسماء أو مضطرا إليها فيما لم تكن لها أسماء كما اتفق في البقرة المأمور بذبحها. وعلى هذا تجوز المخاطبة بالأسماء العرفية قبل فهم المعاني التي يدل عليها بتلك الأسماء، اتكالا على أن المخاطبين يعلمون أن تلك الأسماء تدل على معان زائدة إلى ما كانت تدل عليه في الوضع الأول، وفائدة ذلك العزم على الأمر وبتأخر البيان إلى وقت الحاجة (١) كالأمر بالزكاة والحج قبل وجوبهما. وإذا أنت تصفحت الأشياء التي يحتج بها من يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة من غير تفصيل وجدتها داخلة تحت هذه التي عددناها، وكذلك إذا نظرت إلى ما يحتج به من يجوزه وجدت ذلك إنما هو في المجمل المحض الاحتمال، وفي الصنف الأول من الظاهر. وبالجملة فكلا الرأيين إذا أخذا بإطلاق كاذب بالجزء، على ما من شأنها أن تكذب الآراء المصححة بالاستقراء الذي
_________________
(١) كذا في الأصل والظاهر أن في العبارة اضطرابا.
[ ١ / ١٠٦ ]
لا تستوفي فيه جميع الجزئيات. فأما أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة فذلك ما لا خلاف فيه (١) .
وإذا قلنا في المجمل والنص فلنقل في الظاهر والمؤول.