١٦٤ والظاهر كما قلنا من جهة الصيغة قسمان: أحدهما الألفاظ المقولة من أول الأمر على شيء ثم استعيرت لغيره لتشابه بينهما أو تعلق بوجه من أوجه التعلق. أما الذي استعير لتشابه بينهما فمثل تسميتهم الفراش عشا، وأما الذي استعير لتعلقه بوجه آخر فكتسميتهم النبت ندى، لأنه عن الندى يكون. ومن هذا الصنف الكناية، كتعبيرهم عن الرجيع بالغائط وعن النكاح بالمسيس.
١٦٥- وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي. وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكلي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل.
١٦٦ وهذان الصنفان إذا وردا بإطلاق في الشرع حملا على ظاهرهما حتى يدل الدليل على غير ذلك، وهو حملهما على المعنى المستعار، وهو المسمى تأويلا. وكون هذه الألفاظ ظاهرة في هذه الدلالات يعرف ذلك ضرورة من استقراء اللغة. وكونها دليلا شرعيا
_________________
(١) وهذا ما ذهب إليه في بداية المجتهد كما رأينا
[ ١ / ١٠٧ ]
يعرف بإجماع الصحابة على الأخذ بالظواهر، وأن الشرع لم يتصرف في ذلك بوضع عرفي. وأيضا فلو لم نصر إلى الأخذ بالظواهر لكان سيبطل كثير من العبادات لأن النصوص معوزة جدا. وبالجملة الضرورة الداعية إلى العمل بأخبار الآحاد هي ههنا الضرورة الداعية إلى العمل بظواهر الألفاظ. وهذه الألفاظ الظاهرة لها مراتب في الظهور. وكلما كان اللفظ أظهر احتيج في تأويله إلى دليل أقوى، وبالعكس متى كان اللفظ قليل الظهور انصرف إلى التأويل بأيسر دليل. ولنضرب في ذلك ثلاثة أمثلة، واحدا في الرتبة الأولى وثانيا في الرتبة الوسطى وثالثا في الرتبة الأخيرة، وذلك في صنفي الظاهر جميعا.
١٦٧- أما الذي في المرتبة الأولى من الأسماء المستعارة فمثل من حمل قوله ﷿:
﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم﴾ . على أن اللباس ههنا المطر، فإن مثل هذا التأويل يحتاج إلى دليل فإن اللباس ظاهر جدا فيما يواري الإنسان، والثاني مثل حمل قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾ . على أن الميزان ههنا العدل. والثالث مثل قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء.﴾ فإن بعض الفقهاء حمله على اللمس الذي باليد، وحمله بعضهم على الجماع. وهذا وإن كان الظاهر فيه اللمس باليد فقد يحتمل أن يراد به الجماع احتمالا قريبا، إذ ذلك من عادة العرب، وقد كنّى الله تعالى عن الجماع بالمسيس، وهو في معنى اللمس.
١٦٨- وبالجملة فمراتب الظهور في الألفاظ إنما هو بحسب كثرة الاستعمال وقلته، فإن بلغت كثرة الاستعمال في المعنى الذي استعير له أن يعادل استعماله في المعنى الأول بقي اللفظ بين الأول والثاني مشتركا ومجملا، ومهما نقصت كثرة الاستعمال في الثاني كان أظهر في الأول،
[ ١ / ١٠٨ ]
وربما كان التأويل في الظاهر بينا بنفسه، وربما احتيج إلى تبيين، وربما كان ذلك ظنا أكثريا، وربما كان قطعا. مثال ما كان من ذلك بينا بنفسه وكان قطعا قولهم: (وما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم)، ومثال ما كان من ذلك بينا بدليل قطعي قوله تعالى: ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ فإنه قد علم بدليل قطعي أن الاستواء ههنا ليس هو التمكن.
١٦٩-وأما الصنف الثاني من اللفظ الظاهر، وهو الذي سمّيناه المبدل، فهو أيضا صنفان: أحدهما اللفظ الكلي، والثاني اللفظ الجزئي. ولنجعل نظرنا من ذلك أولا في الكلي وهو العام. والعام أصنافه كثيرة، وقد نازع قوم في وجود معنى العموم في الألفاظ وكونه إذا ورد مطلقا ظاهرا في حصر جميع ما يدل تحته. ولا معنى لمنازعتهم، فإن الأمر ظاهر، بل هو شيء مشترك لجميع الألسنة واللغات. والشرع لم يتصرف في تغييره بوضع عرفي. والحجة على كونه دليلا شرعيا هي الحجة على كون الظاهر بما هو ظاهر دليلا شرعيا. وقد تقدم ذلك.
١٧٠-وأصناف هذه الألفاظ كثيرة: فمنها أسماء الجموع، دخلتها الألف واللام أو لم تدخلها. ومنها أسماء الأجناس والأنواع والأصناف إذا كان فيها الألف واللام ولم تكن في آخرها هاء التأنيث مثل الثمرة والنخلة والمرأة. ومنها من وما، إذا أوردت، وأين ومتى. ومنها حروف النفي. ومنها الألفاظ المؤكدة كقولهم كلهم وأجمعون. وهذه الأصناف إذا أطلقت إطلاقا حملت على الأكثر على عمومها إلى أن يدل الدليل على تخصيصها، ولها أيضا مراتب في الظهور، كما كانالصنف الأول. ولأدلتها أيضا مراتب بحسبها لأنه أبدا يشترط في الدليل المؤوّل أن يكون أقوى دلالة من صيغة اللفظ، مثال ما منها في:
[ ١ / ١٠٩ ]
١٧١- المرتبة الأولى من الظهور قوله - ﷺ - (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) حمله قوم على الأمة فلما لم يسغ لقوله - ﷺ - (فلها المهر وإنما مهر الأمة لسيدها) حملوه على المكاتبة وهذا يبعد من جهة التأويل.
١٧٢ المرتبة الثانية قوله ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام) (١) حمله قوم على القضاء والنذر وهذا التأويل أقرب من الأول.
١٧٣ المرتبة الثالثة قوله - ﷺ - (فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر) حمله قوم على كل شيء حتى أخذوا الزكاة من الخضر، وقال آخرون هو مقصور على سائر الحبوب التي تؤخذ منها الزكاة.
١٧٤ فهذه أصناف ألفاظ العموم ومراتبها في الظهور وربما ورد اللفظ العام والمراد به الخاص، ويكون ذلك فيه بينا من أول الأمر، كقول القائل عندما يضرب ولده ليس في الأولاد خير. وربما كان ذلك ظنا أكثريا، وربما كان قطعيا، وذلك بحسب قرينة قرينة. وربما تبين ذلك بدليل. والدليل أيضا إما قطعي وإما أكثري، وربما علمنا أنه عام أريد به الخاص، ولم نعلم أي خاص هو، وربما كانت قوته قوة المجمل.
١٧٥ وقد بقي علينا أن نقول فيما يظن به من أصناف الألفاظ أن لها عموما، وليس لها عموم. أو فيما يظن منها أن ليس لها عموم ولها عموم، ونرسم في ذلك مسائل:
_________________
(١) نجد في بداية المجتهد رواية أخرى: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له. انظر ص٢١٤ ج١
[ ١ / ١١٠ ]