وينقسم القول فيه إلى النظر في المجتهد، والمجتهد فيه، ونفس ير الاجتهاد. أما الاجتهاد فهو بذل المجتهد وسعه قي الطلب بالآلات التي تشترط فيه. وأما حد المجتهد فهو أن يكون عارفا بالأصول التي يستنبط عنها، وأن تكون عنده القوانين والأحوال التي بها يستنبط. ولأن الأصول ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فقد ينبغي أن نقول فيما يكفيه من معرفة واحد واحد منها.
٢٣٢ - أما ما يكفيه من معرفة الكتاب فمعرفة الآيات المتضمنة للأحكام، ومعرفة الناسخ منها من المنسوخ، وهي نحو: خمس مئة آية، هذا على وجه التخفيف، والأفضل له معرفة الكتاب كله. وقد رخص له في حفظ الآيات المتضمنة للأحكام إذا كانت مواضعها معلومة عنده بحيث إذا وردت المسألة في أمر ما عالم أين يطلبها.
٢٣٣- وأما ما يكفيه من معرفة السنة، فمعرفة الأحاديث التي تتضمن الأحكام. وقد يخفف عنه في أن لا يحفظها، بل يكفيه أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتضمنة للأحكام يرجع إليه وقت الحاجة إلى الفتوى، والأفضل له أن يحفظها. وأما معرفة صحة أسانيدها، فإن هو عول في صحتها على من يحسن ظنه به كالبخاري ومسلم كان مقلدا، وان هو أيضا احتاج أن يعدل الرواة ويتبع سيرهم وأحوالهم وأوقاتهم طال عليه وتشعب جدا، ولاسيما ما تباعد الزمان. والتخفيف عنه في ذلك أن يكتفي بتعديل الإمام في ذلك إن علم مذهبه في التجريح والتعديل، وكان ذلك موافقا لمذهبه.
[ ١ / ١٣٧ ]
٢٣٤ - وأما الإجماع فأن يعرف جميع المسائل المجمع عليها، وقد يكفيه أن يعلم أن قوله في المسألة التي يفتى فيها ليس هو مخالفا للإجماع بأن يعلم أن قوله يوافق قول قائل. وقبل هذا كله فينبغي أن يكون عنده من علم اللغة واللسان ما يفهم به كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - ولا يلحن.
٢٣٥- وقد اشترطوا مع هذا أن يكون عالمأ بعلم الكلام، وذلك أن تكون عنده الأدلة المعرفة بالله وبصفاته، والموصلة إلى العلم بحدث العالم، وغير ذلك مما يتضمن علم الكلام. وهذا إنما يلزم على رأي من يرى أن أول الواجبات النظر والاستدلال، وأما من لا يرى ذلك فيكفيه الإيمان بمجرد الشرع دون نظر العقل. وأما تفاريع الفقه فلا حاجة به إليها، لأن المجتهد هو الذي يولدها.
٢٣٦ - وهذه الشرائط بالجملة إنما هي في حق المجتهد بإطلاق الذي تمكنه الفتوى في كل نازلة، وأما من لم تكن عنده كل هذه الشرائط، وكان عنده بعضها، وكانت المسألة المنظور فيها يكفي فيها ما عنده من تلك الشرائط، جاز له الاجتهاد فيها، لأن نسبته إلى هذه المسألة نسبة المجتهد بإطلاق إلى جميع المسائل.
٢٣٧-وأما المجتهد فيه فهو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي. وقد ينبغي أن ننظر ههنا في هذا الحكم المطلوب: هل هو متعين في نفسه ومكلف إصابته أم ليس ههنا حكم متعين يتوجه الطلب إليه، وإنما مناط التكليف في طلبه غلبة الظن، فيكون على هذا كل مجتهد مصيبا، وإن تضادت آراؤهم في الشيء الواحد، فنقول:
٢٣٨ - أما من يرى أن الأحكام صفات ذوات، سواء علمت بانضمام الشرع إليها أو قبله، أو كان فيها الصنفان جميعا على ما تراه
[ ١ / ١٣٨ ]
المعتزلة، فليس يمكنه تصويب كل مجتهد. وكذلك يلزم من لا يرى القياس في الشرع، فإن هؤلاء أيضا يرون أن ما لم يرد فيه خطاب الشرعي فهو على البراءة الأصلية من الإباحة، وما كان بهذه الصفة، أعني ما - ورد فيه خطاب شرعي، ففيه حكم متعين.
٢٣٩ - وأما نحن فقد سلف من قولنا أن مدارك أحكام الشرع الخطاب، وأن الخطاب منه ما يوجب الحكم بصيغته، ومنه بمفهومه. وإن الذي يعنون بالقياس داخل في هذا الجنس، وأن كلا هذين الصنفين - ينقسمان في وجوب العمل بهما إلى نص وإلى ظاهر. وإذا كان هذا هكذا لم يتصور أن يقال كل مجتهد مصيب، إذ كانت سبيل تلقي الأحكام الخطاب الوارد، وذلك في جميع أصنافه التي عددت من لفظ أو قرينة. وما كان سبيل المعرفة به الخطاب فثم لا شك حكم متعين، وهو الذي تعلق به الخطاب. وما لم يتضمنه الخطاب الوارد، ولا دلت عليه قرينة، فهو على البراءة الأصلية معفو عنه، وهو أحد أصناف المباح المنسوب إلى الشرع. وهذا معنى قوله ﷿: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) كان فيه حكم إلا وضمناه إياه وما لم يتضمنه بأحد الأدلة الشرعية فهو مصفوح عنه (١) . ٢٤٠ - وأبو حامد يرى هنا أن كل مجتهد مصيب، وقد عدد الأمور التي نوقض بها أن كل مجتهد مصيب وزيفها، إلا أنه لم يعدد في ذلك هذا الذي قلناه. وقد سلك هو في تثبيت أن كل مجتهد مصيب طريقين، ونحن نوقف على أن ما ألزم من ذلك غير لازم:
_________________
(١) لا يقول في "بداية المجتهد" بتصويب كل مجتهد ولكنه مع ذلك ذكر في مواضع متفرفة الأحوال التى يسوغ فيها أن يقال كل مجتهد مصيب. انظر ٤٢-١٠٨-٣٤٧/ج ا.١٤٢ / ج٢.
[ ١ / ١٣٩ ]
إحداهما أنه قال: لو كان ههنا حكم متعين فيما طريقه الاجتهاد لكان التكليف متعلقا بإصابته، ولو كان ذلك لكان عليه دليل قطعي. يفضي إليه، وإلا كان من باب تكليف ما لا يطاق، وقد تقدم امتناعه. ثم أخذ يبين أن الدلائل المستعملة قي الاجتهاد ظنية يحصل عنها النقيضان بالسواء، وإن الترجح فيها إنما هو بحسب ما طبع عليه شخص شخص من الميل في حكم حكم، ونازلة نازلة.
٢٤١ - والقول بمثل هذا كبيرة ومصير إلى التحكم في الشرع - بالأهواء والإرادات، نعوذ بالله من ذلك (١) . بل الأدلة الشرعية، كما تقدم من قولنا، إما قطعية، وإما ظنية أكثرية وجب العمل بها بالأصل المقطوع به. وما كان هكذا فالحكم لا شك يحصل عنها بذاتها، لا بحسب ما طبع عليه إنسان إنسان، بل بحسب دلالتها، ولذلك ما كان من الأدلة مترددا بين النقيضين على السواء سمي في هذه الصناعة مجملآ، ولم يجعل دليلا شرعيا أصلا. وبالجملة القول بأن ليس هنا أدلة يحصل عنها بذاتها الطلب، سواء كانت الأدلة عقلية أو شرعية، هو قول سوفسطائي (٢) جدا، وينبغي أن يتجنب، فإنه عيم الضرر في الشريعة.
_________________
(١) يتسم موقفه في البداية بكثير من اللين والمرونة. ولعل أكثر المواضع تعبيرا عن ذلك هو ما ورد في الجزء الثاني ص ١٢٤ حيت قال: "واختلف قول مالك في إجازة السلف والشركة فمرة أجاز ذلك ومرة منعه. وهذه كلها اختلف العلماء فيها لاختلافها بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها، فمن قويت عنده علل المنع في مسألة منها منعها ومن لم تقو عنده أجازها، وذلك راجع إلى ذوق المجتهد لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابأ. ولهذا ذهب بعض العلماء قي أمثال هذه المسأله إلى التخيير".
(٢) في الأصل: سوء فسطاني. . .
[ ١ / ١٤٠ ]
وإذا كان هذا هكذا، وكان ههنا أدلة تفضي إلى المطلوب، لم يكن تكليف إصابته من باب ما لا يطاق.
٢٤٢ - وأما الطريقة الأخرى التي احتج بها فأخذها من الواجب، وذلك أنه كما قيل فيه هو ما في تركه عقاب قال: فلو كان الواجب في الشيء حكما متعينا لكان في ترك إصابته إثم، والإجماع قد انعقد على سقوط التأثيم عن المجتهدين، فلذلك يلزم عن انتفاء التأثيم انتفاء الخطأ.
٢٤٣ - ونحن نقول إنه ليس يلزم عن سقوط التأثيم انتفاء الخطأ، إذ الخطأ غير المتعمد مصفوح عنه في الشرع، وهو يقع به النسيان والغفلة والسهو. وقد قلنا غير ما مرة إن الأدلة الشرعية إما قطعيه، وإما أكثرية. أما القطعية فالطريق إليها مهيع، ووقوع السهو فيها والغلط يقل، فلذلك يشبه أن يلزم التأثيم فيها بلزوم الخطأ. وأما الظنية فالغلط كثيرا ما يقع فيها والسهو، فلذلك لم يلزم من الخطأ فيها التأثيم. والذي أخذ في حد الواجب بأنه الذي في تركه عقاب، إنما معنى ذلك أن العقاب يتعلق بتركه بعد المعرفة بوجوبه، فيما كان إلى المعرفة بوجوبه دليل قطعي. وأما من غلط أو سها فيما الغلط فيه معرض فلم يكن له سبيل إلى معرفة وجوبه، فكيف يلحق بمثل هذا تأثيم. وقد قال ﵇: " (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ".
٢٤٤ - فإن قيل فسيلزم على هذا أن ما كان عليه دليل قطعي فأخطأه المجتهد على غير عمد أنه لا يأثم. قيل في هذا نظر. والفرق بينهما بين. فإن الدليل القطعي قلما يخفى على أحد ممن بلغ رتبة الاجتهاد، وإنما - يتصور خفاؤه (١) لهوى أو هوادة أو لشيء على خلافه أو غير ذلك من
_________________
(١) في الأصل: جفاؤه.
[ ١ / ١٤١ ]
العوارض النفسية. ولهذا مراتب بحسب مراتب الأدلة، ولذلك يكفر في بعضها، ويؤثم في بعض، ومدرك هذا التفاوت الشرع.
٢٤٥ - فقد تبين من قولنا أن ليس كل مجتهد مصيبا، وإنه إن أخطأ فعلى أي جهة لا يأثم، وإن المجتهد كلف إصابة ما هو في نفسه. ممكن الإصابة، وعفي عنه عند الخطأ رحمة له وصفحا عنه.
٢٤٦ - وقد بقى علينا من هذا الباب كيف حالة المجتهد، إذا تعارضت عنده الأدلة في مسألة ما، وإلى أي شيء يصير فنقول: إن الذي حكى في ذلك أبو حامد ثلاثة أراء: أحدها رأي من يرى التوقف والثاني الأخذ بالأحوط والثالث رأي القاضى وهو أن يتخير المجتهد، وهذا رأي ضعيف (١) لأن التخير إباحة، والأدلة المتناقضة في الأمر بالشيء الواحد هى أولى أن توقع الشك والحيرة من أن يظن بها أنها تنتجه. وكذلك التوقف لا معنى له، فإن في ذلك تعطيلا للأحكام. وأيضا فإنه غير ممكن في الأشياء التي ليس يمكن الإنسان فيها إلا أن يأتي، أحد الضدين، كالأحاديث الواردة مثلا قي الغسل من الماء، والغسل من التقاء الختانين، فإن مثل هذه الأحاديث إذا تعارضت لم يمكن فيها - التوقف، فإنه لا بد من المصير إلى أحدهما. وفي مثل هذا يخيل المصير إلى الأخذ بالأحوط. وهو وإن كان يخيل فيه أنه أولى لمكان النجاة من الذم، فكذلك يخاف لحوق الذم بزيادة ما ليس من الشرع في الشرع.
٢٤٧ - وللظاهرية في هذا قول رابع، وهو أن يرجع المجتهد عند تكافؤ الأدلة إلى البراءة الأصلية، لأن التكليف بالأدلة المتناقضة تكليف
_________________
(١) نقلنا في آخر الهامش السابق ما يفيد أنه لا يضف في البداية قول من ذهب إلى التخيير.
[ ١ / ١٤٢ ]
ما لا يطاق، وهو في ذلك بمنزلة التكليف بما ليس عليه دليل. فكما أن ما ليس عليه دليل تستصحب فيه البراءة الأصلية، أو ما كان عليه دليل إلا أنه لم يمكن بلوغه، كذلك من تعارضت عنده الأدلة في شىء ما ساقطة في حقه. وإنما يقع هذان الصنفان في حق قوم وأهل زمان ما ممن لم يصلهم الدليل الشرعي، أو ممن لم يتميز لهم الناسخ في ذلك والمنسوخ وغير ذلك مما يوجب التعارض، إذ كان ليس يجوز وقوع - دلائل متضادة في الشرع.
٢٤٨ - وإذ قد فرغنا من القول في الاجتهاد والمجتهد فيه، فلنقل قي التقليد والمقلد.