ولأن ههنا طائفة تشبه العوام من جهة، والمجتهدين من جهة، وهم، - المسمون في زماننا هذا أكثر ذلك بالفقهاء، فينبغى أن ننظر في أي. الصنفين أولى أن نلحقهم. وهو ظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة، العوام، وأنهم مقلدون (١) . والفرق بين هؤلاء وبين العوام، أنهم يحفظون الآراء التي للمجتهدين فيخبرون عنها العوام، من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد، فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين. ولو وقفوا في هذا لكان الأمر أشبه، لكن يتعدون فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلديهم حكم على ما نقل عنه في ذلك حكم
_________________
(١) وهذا ما ذهب إليه قي "بداية المجتهد". بل لعله أحد الأسباب التى حركته الى تأليف البداية. . .
[ ١ / ١٤٤ ]
فيجعلون أصلا ما ليس بأصل، ويصيرون أقاويل المجتهدين أصولأ لاجتهادهم، وكفى بهذا ضلالا وبدعة (١).
٢٥٣ - فأما هل يجوز لهم الحال الأولى، وهي أن يكونوا في ذلك ناقلين عن مجتهد غلب على ظنهم إصابته ويتحرى ذلك خلفهم عن سلفهم في النقل حتى يكون القائمون بفرض الاجتهاد غير موجودين في زماننا هذا مثلا، إلا ما قد سلف ويكفي في ذلك مثلا أن كان في الصدر الأول من قام بهذا الفرض ولو رجل واحد أو أكثر من واحد، على مثال ما أدركنا عليه هذه الطوائف، أعني المالكية والشافعية والحنفية، فيدل لعمري على امتناع ذلك انعقاد الإجماع على أن جميع فروض الكفايات ينبغي أن يكون في زمان زمان من يقوم بها، وحينئذ تسقط عن الغير. وأيضا فإن النوازل الواقعة غير متناهية، وليس يمكن نقل قول قول عن من سلف من المجتهدين في نازلة نازلة، فإن ذلك ممتنع.
٢٥٤ - وإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا واحد من ثلاثة: إما أن نجعل أقاويل من سلف من المجتهدين فيما أفتوا فيه أصولا يستنبط عنها. وإما أن يتعطل كثير من الأحكام. وكلا الوجهين ممتنع، فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو ألا يخلو زمان من مجتهد (٢). وأنت تعلم أن الزمان الذي سلف هكذا كانت حاله، أعني أنه لم يكن فيه مجتهد. وإن كان لا
_________________
(١) على الرغم من أنه لم يذهب إلى هذا الحد في البداية فإن من الممكن القول بأن هناك تقاربا بين ما ذهب إليه ههنا وما انتهى إليه في بداية المجتهد. أنظر:١٠٥ - ١٣٦ - ١٣٨ - ١٤٠ - ٣١١/ج ١ - ٤٥ - ٥٥ - ٧٥ - ٩٦ - ١٠٤ - ١١١ - ١١٦ - ١٣١ - ١٤٧ - ١٥٢ - ١٦٥ - ١٧٣ - ١٨٩ - ٢٥٥ - ٢٧٤ - ٢٨٩ - ٢٩٠ - ٢٩١ - ٣٣٢/ج ٢.
(٢) وهذه أكبر الغايات التي أراد تحتيتها من تأليف "بداية المجتهدا.
[ ١ / ١٤٥ ]
يدفع أنه قد كان فيه من بلغ رتبة الاجتهاد. لكن مع هذا فإنما كان مقلدأ.
٢٥٥ - فقد تبين من هذا القول من المقلد، وما التقليد، وفي أي المواضع يصح وفي أيها لا.