١٩٣ - واللفظ كا تقدم من قولنا إنما يصير دالا بمفهومه عندما تحذف بعض أجزائه، أو يزاد فيه أو يستعار ويبدل، ولذلك لا تكون دلالته عند ذلك إلا من جهة القرائن، فإن كانت القرينة غير متبدلة وقاطعة على مفهومه سمي أيضا ههنا نصا، وإن كانت ظنية أكثرية سمي أيضا ظاهرا، وإن كانت ظنية غيرمترجحة سمي مجملا، وطلب دليله من موضع آخر. وقد تقدمت أمثلة ذلك في المستعار والمبدل، والذي بقى علينا القول فيه ها هنا هو ما كان كذلك من أجل الحذف فنقول:
١٩٤ - أما مثال ما كان من ذلك بمنزلة النص فقوله تعالى: (واسأل القرية التى كنا فيها) . فإنه يعلم قطعا أنه أراد أهل القرية، وكذلك قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) . فإن المفهوم ههنا
_________________
(١) نجد في بداية المجتهد رواية أخرى لهذا الحديث تقول: (أد الخائط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على أهله بوم القيامة" ص: ٢٨٨ / ج ا. -
[ ١ / ١١٨ ]
قطعا إنما هو النكاح. ومثال ما هو من هذا الجنس كالظاهر قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام ". فإنه محتمل أن يريد لا صيام كامل ويحتمل أن يريد انتفاء قبول الصيام أصلا وهو الأظهر. ومثال ما يظن به مجملا قوله ﵇: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" فإنه متردد يين إدراك فضيلة الصلاة أو حكمها أو وقتها. ومن أشهر ما يدخل قي هذا الجنس النوع الذي يعرفونه بدليل الخطاب وهو أن يرد الشىء مقيدا بأمر ما، أو مشترطا فيه شرط ما (١)، وقد علق به حكم، فيظن أن ذلك الحكم لازم لذلك الشىء من جهة ما هو مقيد وموصوف، وأن الحكم مرتفع عنه بارتفاع تلك الصفة ولازم نقيضه. وهذا الجنس تحته أصناف. وقد اختلفوا في كونها أدلة شرعية، فبعضهم لم يجز ذلك في جميعها أصلا، وبعض أجاز ذلك في كلها، وبعض أجازه في البعض ونفاه عن البعض، ونحن نقول في ذلك:
١٩٥ - أما أصنافه فمنها أن يرد الشيء مقيدا بصفة كقوله ﵇: "في سائمة الغنم الزكاة". ومنها أن يرد مشترطا فيه شرط ما بأحد حروف الشرط، كقوله: من دخل الدار فاعطه درهما، وهذا عندهم أقوى في المرتبة. ومنها أن يرد الحكم محصورا بأحد؟ حروف الحصر، وهي إنما والألف واللام، في مثل قوله ﵇: ("إنما الولاء لمن أعتق ". وفي مثل قوله: المال لزيد. ومنها في أن يقيد الشىء بصفة غائية، وتلك هي التى يدل عليها بحتى وإلى، وهذا الصنف كأن جميعهم قد أقر بالقول به مثل
_________________
(١) في الأصل: شرطا مما.
[ ١ / ١١٩ ]
قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) و(حتى تنكح زوجا غيره) . وقوله تعالى: (وأتموا الصيام إلى الليل) . فإنه يكاد أن - يعلم أن الليل بخلاف النهار في انتفاء الصوم عنه، وكذلك حال الحائض إذا طهرت بخلافها قبل أن تطهر، وكذلك المطلقة إذا نكحت زوجا. وهذا النوع من الكلام وجميع أصنافه ينبغي أن يعتقد أن فيه ما يشبه النص ويقوى قوته، وذلك حيث يعلم أن ذلك الحكم إنما تعلق بالشىء من جهة ما قيد أو اشترط فيه ذلك الشرط. وفيه ما يشبه الظاهر، وفيه ما يشبه المجمل، وسنشير إلى مراتب القرائن التي يترتب بها هذا الترتيب في الدلالة في كتاب القياس.
١٩٦ - وهنا انتهى الكلام في الأخبار وأجزائها، وبعد ذلك فلننظر فى الأوامر والنواهي