٢١٠ - وينبغي أن ننظر فيه هل هو دليل شرعى أم لا، وإن كان دليلا شرعيا فهل هو من جنس ما تقدم أم لا، ونجعل سبيلنا قي الفحص عن ذلك مما يدل عليه اسم القياس عندهم في هذه الصناعة فنقول: إنهم يرسمون هذا المعنى بأنه حمل شيئين أحدهما على الاخر في إثبات حكم أو نفيه، إذا كان الإثبات أو النفى في أحدهما أظهر منه في الآخر، وذلك لأمر جامع بينهما من علة أو صفة (١) . والشىء الذي وجود الحكم
_________________
(١) أما في بداية المجتهد فقد ذهب في حد القياس الفقهي مذهبا اخر حيث قال: "وأما القياس الشرعي فهو الحاق الحكم الواجب لشىء ما بالشرع بالشىء المسكوت عنه لشبهه بالشىء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم، أو لعلة جامعة بينهما. ولذلك كان القياس الشرعى صنفين: قياس شبه وقياس علة" ص ٣/ ج ١.
[ ١ / ١٢٤ ]
فيه أظهر يسمونه الأصل، والشىء الذي يوجب له الحكم من أجل وجوده في الأصل يسمونه الفرع. والصفة الجامعة بينهما أو السبب يسمونه العلة.
٢١١ - وينبغى أن لا تأخذ علينا لقولنا حمل شيئين، ولم نقل معلومين على رسمهم، من قبل أن الشىء - زعموا - لا ينطلق على المعدوم، فإن المعدوم يكاد لا يقاس عليه. وأيضا فلو سلمنا لهم هذا لم يكن ممتنعا أن يسمى المعدوم شيئأ إذ كان له وجود قي النفس، لأنا نقول من الأشياء ما هو في النفس كحاله خارج النفس، ومنها ما هو في النفس من غيرأن يكون خارج النفس. وبالجملة فقد كان ينبغى للمتكلمين ألا يشاحوا المعتزلة في مثل هذا. وكذلك أيضا لا يلتفت إلى قولهم: لأمر جامع بينهما من صفة أو سبب أو نفيهما عنهما. فإن النفي من جهة ما هو نفى لا يوجب حكما واحدا لشيئين، اللهم إلا من جهة أن النفي في مواضع قوته قوة العدم، والعدم تابع لصفة ما تقتضي حكما لشيئين. وقد جمح بنا القول عما كنا قصدنا إليه من أول الأمر فلنرجع إلى حيث كنا فنقول:
٢١٢ - إنه إذا تؤمل هذا المعنى الذي يعنونه بالقياس في هذا الموضع ظهر أن ذلك ليس بقياس، وأنه من جنس إبدال الجزئى مكان الكلي (١)
_________________
(١) أما في بداية المجتهد فقد ميز بين القياس وبين دلالة الألفاظ فقال: "والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره، أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ، لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطرق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس وإنما هو من باب دلالة اللفظ. وهذان الصنفان يتقاربان جدا لأنهما إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا" ص ٣ج ا.
[ ١ / ١٢٥ ]
والدليل على ذلك أن الأصل إنما تعلق به الحكم بالنص أو بالإجماع، فإن صرح بالعلة الموجبة للحكم، وكانت أعم من الأصل، فهذا يلتحق بالعام، - مثل قوله - ﷺ - في سؤر الهرة: "إنها ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم أو الطوافات " (١) ولها أيضا مراتب، وقد أجاز مثل هذا كثير ممن نفى القياس. وأما إذا لم يكن صرح بالعلة الموجبة للحكم واقتضاها مفهوم - اللفظ، وكانت أعم من الأصل، كان من باب إبدال الجزئي مكان الكلى (٢) وعند ذلك أيما صح بالاجتهاد أو بالحس أنه داخل تحت ذلك الكلي ألحقنا به ذلك الحكم. ومثاله نهيه - ﷺ - عن الشرب في آنية الفضة، فإن المفهوم منه السرف، فلذلك ألحقنا به آنية الذهب.
٢١٣ - وإذا كان هذا هكذا، وكان ما يعنونه بالقياس في هذه الصناعة في الأكثر راجعا إلى ما تقتضيه الألفاظ بمفهوماتها، وكانت الألفاظ إنما تقتضي ذلك بالقرائن التي تقترن بها، ولكن ليس أي قرينة - اتفقت لكن القرائن التى يشهد الشرع بالالتفات إلى جنسها، فإن الحال في ذلك كالحال في المخاطبة الجمهورية. فكما أن القرائن التى يعول عليها الأعرابي عند مخاطبة غيره تكون معلومة عند المخاطب، وقد عرف التفات المخاطب في حين مخاطبته إليها، كذلك ينبغى أن يكون في الشرع. ونحن نشير إلى واحدة واحدة منها، ونرتبها بحسب مراتبتها في البيان.
٢١٤ - ولأن القرائن كا تقدم من قولنا أحد ما يجعل القول كالنص بمفهومه، وذلك إذا كانت قاطعة في استعارته وإبداله، أو
_________________
(١) وقريب من هذا ورد في بداية المجتهد: "إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات ص ٢١ / ج ١.
(٢) لعل الصحيح أن يقول: إبدال الكلي مكان الجزئي.
[ ١ / ١٢٦ ]
كالظاهر بمفهومه إذا لم تكن قاطعة بل أكثرية، أو كالمجمل إذا كانت مترددة، فقد ينبغي ههنا أن نشير إلى مراتبها وإن كانت عسيرا ما تنضبط فنقول:
٢١٥ - أما المرتبة الأولى وهى في حكم النص فأن يكون المسكوت، عنه أحرى من المنطوق به في تعلق الحكم به كقوله تعالى: (إن الله لا يظم مثقال ذرة)، وقوله ﷿: (ولا تقل لهما أف) . ومثل هذا قوله ﵇: "أدوا الخائط والمخيط "، وما أشبهها، ولهذا عرض في البيان. وهذا يسمونه بفحوى الخطاب، وأكثرهم ليس يسميه قياسا (١) .
٢١٦ - المرتبة الثانية: أن يكون المسكوت عنه في معنى المنطوق به قي الحكم، كقوله ﵇: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي" " (٢)، فان الأمة تلتحق بالعبد وهي في معناه. وهذا يسمونه بالقياس في معنى الأصل. ولهذا ايضا عرض في الظهور وقلة الظهور (٣) .
٢١٧ - المرتبة الثالثة: وهذه المرتبة من جنس الثانية، أعنى أنها ظاهرة، لكنها في أكثر المواضع تضعف عن مرتبتها في البيان، فلذلك جعلناها ثالثة. وهي أن يكون المسكوت عنه يلتحق بالمنطوق به لمصلحة
_________________
(١) انظر على سبيل المثال ص ١٤٣ / ج امن بداية المجتهد حيث يشير إلى أن دليل مفهوم الأحرى والأولى هو الذي يسمى فحوى الخطاب وهو أقوى من دليل الخطاب.
(٢) في بداية المجتهد رواية أخرى لهذا الحديث تقول: "من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العول فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق " انظر ص ٢٧٥ / ج ٢.
(٣) يقول في بداية المجتهد ص ٢٧٣ / ج ١: ". . . وهذا هو الذي يعرفونه بقياس المعنى وهو أرفع مراتب القياس وإنما الذي يوهنه الشذوذ".
[ ١ / ١٢٧ ]
جامعة قد شهد الشرع لجنسها بأنه مصلحة. وهذا يسمونه القياس المخيل والمناسب. ولهذا الجنس مراتب في القرب والبعد، فمتى كان قريبا جدا سموه المناسب الملائم، وهنا انتهى كثير من القائلين بالقياس. ومتى كان متوسطا في القرب والبعد لم يطلقوا عليه اسم الملائم، وسموه المناسب والمخيل. ومتى كان بعيدا جدا وأعم شىء، كقولنا مصلحة، فإن كثيرا من القائلين بالقياس لا يقول به. ومثل هذا يراه بعض الفقهاء في طلاق المريض أنه لا يقطع الميراث.
وحق لهذا الصنف أن يرفض ولا يجعل دليلا شرعيا لأنه كثيرا ما تتشعب المصالح وتختلف، وذلك بحسب وقت وقت وحالة حالة. والقائلون بمثل هذا ليس هم في الحقيقة مستنبطين عن الشرع، بل هم شارعون. ومثل هذا قول بعضهم: يحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا من الفجور، أو قول شبيه بهذا. وقد عذل مالك ﵀ على هذا، لأنه كثيرا ما يلتفت إلى هذا الجنس (١) .
٢١٨ - المرتبة الرابعة: وهى التى يعرفونها بقياس الشبه (٢) وهو أن يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به، لا لأنه أولى، ولا لأنه في معناه، ولا لعلة مناسبة، بل يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به لشبه بينهما يظن به
_________________
(١) يسمى هذا الصنف من القياس في "بداية المجتهد" قياس المصلحة أو قياس مصلحي أر القياس المرسل وهو الذي ليس له أصل معين يستند إليه كما قال. وقد رفضه في البداية كما فعل ههنا ولنفس السبب، إلا أنه مع ذلك رآه كالضروري في بعض الأشياء. انظرالبداية ص٢٠٢-٢٢٠/ ج ٢.
(٢) في الأصل: قياس السنة. يقول في البداية عن هذا الصنف من القياس فضلا عما أثبتناه في هامش سابق: "ومن شأن قياس الشبه على ضعفه أن يكون الذي به تشابه، الفرع والأصل شيئا واحدا لا باللفظ بل بالمعنى وأن يكون الحكم إنما وجد للأصل من جهة الشبه. . . ". ص ١٥/ ٢ ".
[ ١ / ١٢٨ ]
أنه يحتوي على علة جامعة بينهما للحكم من غير أن يوقف عليها. ويشبه أن يكون جل ما يقع في هذا الجنس مجملا، إلا أن يلتحق بالمرتبة الثالثة وهي التى في معنى الأصل ومثل هذا قوله - ﷺ -: "لا تبيعوا البر بالبر الأربعة المعلومة إلا هاء بهاء (١)، فإن قوما قالوا أراد بذلك المقتات، وقوما قالوا المطعوم، وقوما قالوا المكيل. وهذا كله ظن منهم، فإن الاقتيات أو الكيل أو الطعم صفة حاصرة للأمر المناسب الموجب للتحريم، وهى بالجملة فيما يظهر لي أبعد قرينة يصار إليها إلى أن يفهم عن اللفظ الجزئى المعنى الكلى، ولهذا كثير من الناس اقتصر بمثل هذا الحديث على مقتضى اللفظ.
٢١٩ - وينبغي أن تعلم أن أجناس المفروضات تتفاوت في ظهور هذه القرائن فيها، ولهذا لم يجز أبو حنيفة القياس في الحدود والكفارات وهو في الأمور الضرورية أيين كالبيع والنكاح وما شاكلهما. وربما كان اللفظ، كما تقدم من قولنا، أول ما يرد لا يعلم هل هو خاص أبدل بدل، العام، وفي بعضها يعلم ذلك، ولكن لا يعلم أي كلي أبدل بدله. ٢٢٠ - والقائلون بالقياس يستعملون في هذا الموضع من أجناس القياس النوع الذي يعرفونه بالسبر والتقسيم (٢) وربما استعمل بعضهم، ؤ لكن هم الأقل، الطرد والعكس وينبغي أن نبين كيف يستعملون ذلك.
_________________
(١) في الأصل: "لا يييع البر بالبر الأربعة المعلومة إلا هاء بها" وفي بداية المجتهد رواية أخرى تقول: "لا تبيعوا البر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل انظر ص ١٠١/ج ا.
(٢) أشار إلى هذا النوع من القياس في بداية المجتهد مرة واحدة دون أن يعنى يتحديده وذلك حين قال: "وبالجملة فالمعول عندهم في هذه المسألة هو الطريق الذي يعرفه الفقهاء بطريق السبر والتقسيم ". ص ٨٠ /ج ٢.
[ ١ / ١٢٩ ]
٢٢١- أما السبر والتقسيم فيما لم يعلم هل هو لفظ جزئى أخرج مخرج الكلي أم لا، فهو أن نقول: لا يخلو أن يكون هذا اللفظ الجزئي - أخرج مخرج الكلى أم هو على أصله، ثم نبين أنه ليس على أصله، فينبغي بعد ذلك أن نستنبط أي كلى أريد به، وذلك بأن نقسم جميع المعاني الكلية التي يغلب على الظن أنه أريد بذلك اللفظ الجزئي، ونبطل واحدا واحدا منها، حتى نبقى واحدا، فنحكم أن ذلك هو الكلي المراد بذلك الجزئي. وإن كان ظاهرا من أول الأمر أنه لفظ جزئى أبدل بدل الكلى، ولم يكن ظاهرا أي كلى هو، استعملنا السبر والتقسيم في استنباطه.
٢٢٢ - فأما الطرد فهو أن يرد الحكم متعلقا بأمر ما فنحكم بوجوده لأمر آخر للتشابه الذي نجده بينهما. ونطرده فيه، ونحكم لأجل ذلك بأنه لفظ أخرج مخرج الجزئي والمراد به ذلك الكلي الذى تشابها به. وقد يشد هذا الموضع بأن يستعمل فيه الوجود والارتفاع، وذلك أن أي كلى وجد الحكم بوجوده وارتفع بارتفاعه فهو مناط الحكم وهذا هو الذي يسمونه العكس، وأكثر القائلين بالقياس مجمعون على إبطال استنباط مناط الحكم بالطرد والعكس.
٢٢٣ - وبالجملة فإنه مما يظن أن أكثر المواضع التي يستعمل القياس فيها القائلون بالقياس في الشرع ليس يستعملونه في استنباط حكم مجهول عن معلوم، على جهة ما يستنبط عن المقدمات المعقولة مطلب مجهول، لكن في تصحيح إبدال الألفاظ في مكان مكان ونازلة نازلة، فإن الأنواع التى يسمونها بالقياس المخيل والمناسب وقياس الشبه هي قرائن تدل عندهم على إبدال الألفاظ، وليست أقيسة (١)، ولا يوجد لها
_________________
(١) وهذا كما رأينا مخالف لما ذهب إليه قي البداية حيث ميز بين القياس ودلالة الألفاظ مع اعترافه بتقاربهما ولذلك يلتبسان على الفقهاء كثيرا جذا. وقد قدم في البداية مثالين أوضح بهما الفصل بين الطريقين قال: "فمثال القياس إلحاق شارب الخمر بالقاذف قي الحد. . . وأما إلحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم فمن باب الخاص أريد به العام فتأمل هذا فإن فيه غموضا". ص٣ /ج ا.
[ ١ / ١٣٠ ]
فعل القياس، وإن كان لم يتميز للناظرين في هذه الصناعة أمر هذا التميز، وذلك ظاهر من أقاويلهم التي يستعملونها في مناقضة القائلين برد القياس، وهم المسمون عندهم اهل الظاهر، لأن هؤلاء القوم ألزموا القائلين بالقياس أمرا لم يجدوا عنه محيصآ، وهو أن ما سبيل المعرفة به الوحي والأمر من الله فإنه ليس للعقول في إثبات شيء من ذلك وإبطاله مدخل، وأيضا فإن الأحكام ليست صفات ذوات فتدركها العقول. وبالجملة كل ما طريقه التوقيف لا مدخل للقياس فيه، وإنما طريق المعرفة به السمع كاللغات وغير ذلك. وهذا إنما هو لازم لمن يقيس على أصل لم يتضمن باللفظ قط التنبيه على الأصل، مثل قياس حد الخمر على القذف. وأما من يقيس على أصل يتضمن بمفهومه علة الأصل، وإن لم - يتضمن ذلك بصيغة اللفظ، فليس يلزمه هذا الاعتراض. وأكثر مقاييس الشرع هى من هذا الباب، ولذلك لو فهموا هذا المعنى لأمكنهم الانفصال عنهم (١) .
٢٢٤ - وأما أهل الظاهر ومن يجوز الاستدلال بظواهر الألفاظ من جهة صيغها، فقد ينبغى له ألا ينكر القياس الذي في معنى الأصل، لا والمخيل والمناسب الملائم إذا شهد الشرع بالالتفات إلى جنسه القريب. فإن هذه كلها قرائن نظير الألفاظ ظاهرة بمفهوماتها،
_________________
(١) وهذا قريب مما ذهب إليه في "البداية" حيث قال: "والجنس الأول (القياس) هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه وأما الثاني (دلالة اللفظ) فليس ينبغي لها أن تنازع فيه لأنه من باب السمع. والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب " ص ٣-٤/ج١.
[ ١ / ١٣١ ]
وإن لم تكن بصيغها، ولا معنى لقول من لا يرى الظاهر إلا في الصيغة.
٢٢٥ - وقد رام القائلون بالقياس أن يثبتوه من جهة إجماع الصحابة على ذلك، فنقلوا عن كثير منهم أقاويل تدل فيما زعموا على القول بالقياس، فعاندهم أهل الظاهر في موضعين: أحدهما: في نفس الإجماع، وذلك أنه لم ينقل ذلك عن جميعهم، وليس ينسب إلى ساكت قول قائل كما تقدم.
والثاني: أنه لو وقع منهم في ذلك إجماع لما ورد عن التابعين في ذك خلاف. وأيضا فقد تمسك أهل الظاهر بأحاديث نقلت عن الصحابة في دفع القياس. وبالجملة فلم يقدر القائلون بالقياس أن - يصححوا الإجماع الذي ادعوه في ذلك. وأيضا فإن الألفاظ الواردة عن الصحابة قي القياس محتملة، ويشبه إذا تؤملت أن يظهر من أمرها هذا المعنى الذي قلناه في القياس، وإن ذلك إنما كان منهم اجتهادا في مفهوم الألفاظ. والذي يشبه أن يكون لأهل الظاهر فيه مدفع استنباط. الإبدال والاستعارة بطريق السبر والتقسيم أو بغيرها من الطرق، إذا لم تكن هنالك بعض القرائن التى عددناها. وينبغي لمن أجاز ذلك أن يجيزه في جميع الألفاظ المبدلة أو المستعارة والمحذوفة، وبالجملة المغيرة. وكما أن هذه القرائن قد يعمم بها الخاص كذلك قد يخصص بها العام.
٢٢٦ - فقد ظهر من هذا القول ما هو المعنى المدلول عليه باسم القياس في هذه الصناعة، وفي أي جنس دخوله من أجناس الأدلة الشرعية، وفي أي المواضع يستعمل، وفي أيها لا. وقد بقي علينا من طرق الأدلة الشرعية الدليل الذي هو فعله - ﷺ - وإقراره. وهذان الصنفان ليس هما أدلة من جهة صيغ الألفاظ أو مفهوماتها، بل من جهة ما هي قرائن. ونحن نقول في واحد واحد منها، وما قوته.
[ ١ / ١٣٢ ]