٢٨ - وإذا كان حد المتضادين أنهما اللذان لا يجتمعان في شيء واحد بالعدل في وقت واحد من جهة واحدة، فلا يجوز في الشرع تعلق الحظر والإيجاب بشيء واحد من جهة واحدة في وقت واحد. فأما تعلقهما بشيئين أو في وقتين فذلك ما لا خلاف فيه، ولا يرجع النهي عن أحدهما على الثاني بالفساد، سواء كان ذلك في شيئين أو في زمانين. وكذلك يلزم إذا تعلق النهي والإيجاب بشيء واحد من جهتين مثل أن يرد الأمر بشيء مطلقا، ثم يرد النهي عن ذلك الشيء بعينه مقيدا بصفة أو لعلة مصرح بها. إلا أنهم اختلفوا في مثل هذا الجنس هل يعود النهي بالفساد على الأصل الموجب من جهة ما قيد؟ فزعم أبو حامد ﵀ أن هذا ينقسم عندهم إلى ما يرجع إلى غير المنهي لسبب من خارج، وإلى ما يرجع إلى صفة في الشيء. فما يرجع إلى غير المنهي فلا يرجع على الأصل بالفساد، وأما الذي يرجع إلى صفة في المنهي عنه فذهب الشافعي إلى أنه يعود على الأصل بالفساد، وحيث أوقع الطلاق في الحيض صرف إلى الأضرار ألحقه بالقسم الأول. وأبو حنيفة لا يرى في الموضعين النهي يعود بفساد الأصل، سواء ورد المنهي عنه مقيدا
[ ١ / ٤٨ ]
بصفة أو سبب من خارج، وزعم أن كون الحدث مبطلا للصلاة إنما ثبت بدليل الإجماع.
٢٩- وأنا أرى أن النظر في هذه المسألة إنما هو من جهة صيغة لفظ النهي، فإن من يدل عنده لفظة إيجابه مطلقا قرينة تخرج النهي عن الحظر إلى الكراهة (١) وأكثر من ذلك وروده في شيء لأمر ما من خارج بعد إيجاب ذلك الشيء مطلقا، وسنتكلم في هذا فيما بعد. وأما إذا نظر فيها حيث المعنى،فإن ورود النهي عن الشيء مقيدا بأمر ما،سواء كان سببا أو صفة،بعد إيجابه مطلقا فإنه يعود على الأصل بالفساد من جهة ما هو مقيد. والذي فهمت هنا من ورود النهي عن الشيء مقيدا بعد إيجابه مطلقا،هو بعينه ينبغي أن تفهمه في ورود الإيجاب بشيء ما مقيدا بعد النهي عنه مطلقا.
٣٠-والعجب من أبي حامد كيف جعل النظر في هذه المسألة في هذا الجزء من هذا الكتاب.
٣١-وأما من أجاز الصلاة في الوادي والحمام وأعطان الإبل فإنما ينبغي له أن يصرف النهي الوارد فيها عن التحريم إلى الكراهة، على مذهب من يرى أن ورود النهي عن الشيء مقيدا بأمر ما من خارج بعد إباحته،أو الأمر به مطلقا،قرينة يخرج بها لفظ النهي عن التحريم إلى الكراهة،هذا إذا كان ممن يرى أن صيغة النهي تقتضي التحريم، وأما من لا يرى ذلك فالأمر عليه سهل. وأما من أبطل الصلاة في الأرض المغصوبة لكونها حركات وأكوانا منهيا (٢) عنها،فلجهله بحدود
_________________
(١) نقص في العبارة نترك تأمله لاجتهاد القارىء.
(٢) في الأصل: منهية
[ ١ / ٤٩ ]
المتضادة،لأن الإيجاب والنهي تعلق بها من جهتين مختلفتين. ولذلك ما وقع إجماع الصحابة ﵃ على ترك أمر الظلمة بإعادة الصلوات عند التوبة. وتلك الحركات والأكوان هي من جهة مأمور بها،ومن جهة منهي عنها. وكذلك السجود بين يدي الصنم على غير جهة القصد هو من جهة حرام،ومن جهة متقرب به.