هناك بعض الملاحظات على المؤلف، يمكن إجمالها في الآتي:
أولا: أفاد المؤلف من بعض الكتب، بل نقل منها بالنص، ولم يُشِرْ إليها، وكان الأولى أن يشير إليها، وأشهر هذه الكتب ثلاثة:
١- أفاد المؤلف من كتاب "الفصول في أصول الفقه" أو "أصول الجصاص" -مخطوط- تأليف أبي بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص، المتوفى سنة: ٣٧٠هـ، في كتابه "العدة"، بل نقل عنه بالنص عند كلامه على البيان من "ص: ١٠٠- ١٣٠".
٢- وأفاد المؤلف أيضًا من كتاب: تأويل مشكل القرآن -مطبوع- لابن قتيبة المتوفى سنة: ٢٧٦هـ، وذلك عندما تكلم المؤلف عن نيابة بعض الحروف عن بعض "ص: ٢٠٨"، بل نقل منه بالنص ولم يشر إليه.
٣- كما أفاد من كتاب: المعتمد في أصول الفقه -مطبوع- لأبي الحسين البصري المعتزلي المتوفى سنة: ٤٣٦هـ، وذلك في المنهج العام، وفي بعض الأدلة، وفي نقل آراء المعتزلة وأدلتهم.
ثانيًا: استدل المؤلف بالأحاديث الموضوعة كحديث: "تبارك الذي قسم العقل بين عباده واستأثر، إن الرجلين تستوي أعمالهما وبرهما وصلاتهما وصومهما، ويفترقان في العقل، حتى يكون بينهما كالذرة في جنب أحد " "ص: ٩٥".
[ ١ / ٥١ ]
وكحديث: "إني خلقت العقل أصنافًا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي من ذلك حبة واحدة، وبعضهم الحبتين" "ص: ٩٦".
وكحديث: "خطابي للواحد خطاب للجماعة، وحكمي على الواحد حكم على الجماعة" "ص: ٣٣١".
وكحديث: "كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا" "ص: ٧٩٣، ٧٩٤".
ثالثًا: نقله عن بعض رواة اتهموا بالوضع والكذب، كأبي الحسن التميمي وأحمد بن محمد بن مخزوم، وقد أشرت إلى ذلك في موضعه "ص: ٨٤، ٩٤، ٩٥، ٩٦".
رابعًا: استدلاله بالمرسل الضعيف كحديث: "ذهب حقك" "ص: ١٤١- ١٠٣٥".
خامسًا: حصل من المؤلف تناقض في حكمه على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حيث قال: إنها مبينة، وذلك عند كلامه عن البيان "ص: ١٠٦"، ولما جاء إلى الكلام عن المجمل "ص: ١٤٥" قال: إنها مجملة.
كما ذكر آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ "ص: ٥١٣، ٥١٨"، وصرح في هذين الموضعين أنها عامة، وهذا ينافي كونها مجملة، كما ذكر آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ "ص: ٥١٨" وصرح بأنها عامة، وهذا ينافي كونها مجملة أيضًا.
سادسًا: يتسم أسلوب المؤلف بالسهولة، وعدم التكلف، ولكن وجد مع هذا عبارات ركيكة، وتركيبات غير مترابطة، وقد أشرنا إلى ذلك في حينه.
أما لغة الكتاب: ففصيحة بشكل عام، يعتورها في بعض الأحيان
[ ١ / ٥٢ ]
هنات لغوية، لا تتمشى وفصيح اللغة العربية، وأضرب على ذلك بعض الأمثلة:
١- مجيء "أم" بعد "هل" في مثل قوله: أسماء الأشياء هل حصلت عن توقيف أم مواضعة؟ "ص: ١٩٠"، و"أم" لا تأتي بعد هل في مثل هذه الصورة على الراجح عند العلماء.
٢- دخول "أل" على "بعض" كما في "ص: ١٤١، ١٩١" وذلك مجافٍ لفصيح اللغة العربية.
٣- عدم ذكر الفاء في جواب "أما" كما في "ص: ١٦٥، ١٦٦"، وإن كان قد ورد بعض الشواهد العربية حذفت فيها الفاء في جواب "أما"، ولكن حكم على تلك الشواهد بالشذوذ.
٤- عدم إظهار الحركة على الحرف الأخير، والالتجاء إلى التسكين لآخر الكلمة كما في "ص: ٧٠٠" في قوله: "بأن هناك مضمر محذوف" وقد صَوَّبْنَاها هكذا: "بأن هناك مضمرًا محذوفًا" وكما في "ص: ٩٣٨" في نقله للحديث: "كل الناس أكْفَاء إلا حائك أو حجام" وقد صوبناه هكذا: "كل الناس أكفاء إلا حائكًا أو حجامًا" ولعل ذلك من صنع الناسخ.
٥- دخول "أل" على "غير" كما في "ص: ٣٤١"، وذلك لم يرد في لغة العرب، وإنما هو تعبير أحدثه الفلاسفة والمتكلمون.
سابعًا: من المعلوم أن الكتاب أصول فقه مقارن، عني مؤلفه بنقل الآراء الأصولية، إلا أن هناك آراءً عزاها المؤلف، ولم يكن ذلك العزو محررًا، والحقيقة أنها كثيرة، لذلك سأقتصر على الإشارة إلى بعضها بذكر الصفحة، فيما يلي: صفحة: "١٥١، ٢٥٧، ٢٧٨، ٢٨٢، ٣٥٢، ٥٣٨، ٥٣٩، ٥٧٠، ٥٧٥، ٦٣٨". وقد حررت العزو في كل مسألة بإعادتها إلى مصادر أصحابها الأصيلة، ولم أَرَ حاجة في إعادة الكلام هنا.
[ ١ / ٥٣ ]
ثامنًا: يقدم في بعض الأحيان التعريف في الاصطلاح على التعريف في اللغة، كما في تعريف الواجب "ص: ١٥٩، ١٦٠" وتعريف الفرض "ص: ١٦٠، ١٦١" وتعريف المندوب "ص: ١٦٢" وهذا خلاف المألوف.
تاسعًا: هذا فيما يتعلق بالمنهج العام، ولكن هناك تعقبات تتعلق بمادة الكتاب نفسه، نذكر أهمها فيما يلي:
١- استدلال المؤلف بكلام الإمام أحمد "ص: ١٤٧، ١٤٨" على أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ مجمل وهو استدلال خطأ، لأمور ثلاثة ذكرتها في الموضع المشار إليه.
٢ - من معاني "اللام" التمليك، وقد مثل لها المصنف "ص: ٢٠٤" بقوله: "دار لزيد" وهذا المثال إنما هو للتملك، أما مثال التمليك فهو: "وهبت المال لزيد".
٣- مثل المؤلف "ص: ٢٥٦" في مسألة ورود الأمر بعد الحظر، بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ وقد تعقبه الْمَجْدُ في: "المسودة" "ص: ١٧" بأن هذه الآية ليست مما نحن فيه، ولم يعلل، قلت: لأن الأمر بالانتشار لم يأت بعد حظره. والله أعلم.
٤- ساق المؤلف "ص: ٢٥٦" في مسألة ورود الأمر بعد الحظر، كلامًا للإمام أحمد؛ ليبين أن رأي الإمام في هذه المسألة هو الإباحة، وقد تعقبه المجد في "المسودة" "ص: ١٧" بأن كلام الإمام أحمد لا يدل على ذلك.
٥- قال المؤلف "ص: ٢٦٠": قيل لا نسلم أن وجوب قتل المشركين استفيد بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، بل استفدناه بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وغيرها من الآيات التي لم يتقدمها حظر".
وقد تعقبه المجد في "المسودة" "ص: ١٩" بقوله: وهذا ضعيف،
[ ١ / ٥٤ ]
بل الأمر بعد الحظر يرفع الحظر، ويكون كما كان قبل الحظر، والأمر في هذه الآية كذلك.
٦- حكى المؤلف "ص: ٢٦٦" الإجماع على أن النهي يقتضي التكرار، وحكاية الإجماع هذه غير صحيحة، وقد بينت ذلك في الموضع المشار إليه.
٧- عقد المؤلف فصلا "ص: ٣٣١" في الدلالة على أن الحكم إذا توجه إلى واحد من الصحابة دخل فيه غيره، وفي أثناء ذلك ذكر أن النبي -ﷺ- إذا خص واحدًا بحكم بيَّن وجه التخصيص، ثم مثَّل لذلك بأمثلة منها: تخصيص الزبير بلبس الحرير، وقد لاحظت عليه في هذا أربع ملاحظات:
الأولى: أنه عبر بـ "تخصيص" وهو مشعر بأن ذلك الحكم خاص بالزبير -﵁- لا يتعداه إلى غيره، وليس الأمر كذلك، بل هو ترخيص له ولكل من أصيب بمرضه.
الثانية: أن الترخيص الوارد في الحديث لاثنين هما: الزبير، وعبد الرحمن بن عوف -﵄- وليس للزبير وحده، كما ذهب إليه المؤلف.
الثالثة: أن الواجب أن يذكر المؤلف علة الترخيص وهي الحكة، حتى يدخل في الحكم من توفرت فيه العلة.
الرابعة: أن الحديث لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف؛ لأنه ترخيص، وليس بتخصيص.
٨- أورد المؤلف "ص: ٣٣٩- ٣٤١" كلامًا للإمام أحمد؛ ليبين أنه يرى دخول النبي -ﷺ- في الأمر الذي يأمر به أمته، بينا كلام الإمام أحمد لا يدل على ذلك، كما أفاده أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٣٦/ ب".
[ ١ / ٥٥ ]
٩- ساق المؤلف "ص: ٤١١" كلامًا عن الإمام أحمد؛ ليدلل على أن الإمام أحمد يرى أن المكلف إذا زاد على ما يتناوله الاسم كالركوع مثلا أن ذلك واجب، وهو استدلال خطأ، كما قيل في "المسودة": إنه مأخذ غير صحيح، وقال ابن عقيل: إنه مأخذ فاسد، وقال أبو الخطاب: "إنه غلط"، وقد فصلت القول في ذلك في الموضع المشار إليه.
١٠- في "ص: ٤٨٢" خلط المؤلف في كلامه بين مسألتين، الأولى: هل مفهوم الموافقة حجة؟ والثانية: الذين يقولون بمفهوم الموافقة اختلفوا في الدلالة هل هي لفظية أو قياسية؟
١١- استدل المؤلف "ص: ٥٦٠" بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ على جواز تخصيص العموم بالقياس، وقد تُعُقِّب في ذلك بما بينته في موضعه.
١٢- نقل المؤلف "ص: ٩٥٢" عن الإمام أحمد أنه لا يروي الحديث عن أصحاب الرأي، ثم بين المؤلف مراد الإمام أحمد بقوله: وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين، كالقدرية ونحوهم، وليس الأمر كذلك، كما بين في الموضع المشار إليه.
١٣- حكم المؤلف في "ص: ٩٥٤" بأن التدليس مكروه، ولا يمنع من قبول الخبر، وهذا الكلام ليس على إطلاقه، وقد بسطت الكلام على ذلك في موضعه.
١٤- لم يحرر المؤلف محل النزاع "ص: ٩٥٩" في مسألة: إذا روى العدل عن العدل خبرًا، ثم نسي المروي عنه الخبر فأنكره وقد حررته في موضعه.
١٥- وهم المؤلف "ص: ١٠٣٣" حيث ذكر اسم الصحابي: قيس بن طلق، والصواب:طلق بن علي؛ لأنه هو الصحابي الراوي لحديث عدم النقض من مس الذكر، كما سبق أن ذكره المؤلف "ص: ٨٣٢" موافقًا لما قلناه، وقد جرى التنبيه على ذلك في موضعه. وبالله التوفيق.
[ ١ / ٥٦ ]