وأما العبادة فكل ما كان طاعة لله تعالى، أو قربة إليه، أو امتثالا لأمره، ولا فرق بين [١٢/ ب] أن يكون فعلا أو تركًا.
فأما الفعل فمثل الوضوء، والغسل من الجنابة، والصلاة، والزكاة، والحج، والعمرة، وقضاء الدين، وما أشبه ذلك.
وأما الترك فمثل: ترك الزنا، وترك أكل المحرم وشربه، وترك القتل
_________________
(١) ١ راجع في هذا الفصل: "الواضح في أصول الفقه" الجزء الأول، الورقة "٢٩/ ب"، و"المسودة" "ص: ٤٣، ٤٤".
[ ١ / ١٦٣ ]
المحرم، وترك الربا١. وإزالة النجاسة طريقها الترك، فلا تفتقر إلى نية٢، وتكون بمنزلة رد المغصوب وإطلاق المحرم الصيد، وغسله الطيب عن بدنه أو ثوبه؛ لأن ذلك كله طريقه الترك، فإن العبادة في تجنبه، فإذا أصابه ولم يمكنه تركه إلا بالفعل كان طريقه الترك، ويخالف الوضوء؛ لأنه فعل مجرد ليس فيه ترك.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الوضوء ليس بعبادة؛ لأنه ليس من شرطها النية٣.
والدليل على أنها عبادة قول النبي -ﷺ: "الوضوء شطر الإيمان" ٤.
_________________
(١) ١ في الأصل: "وترك الزنا" بزاي بعدها نون، والصواب ما أثبتناه؛ لأمرين: أولهما: أن ترك الزنا، قد تقدم ذكره قريبًا. ثانيهما: أنه قد جاء هكذا "الربا" بالراء المهملة في المسودة "ص: ٤٣" عندما نقل كلام القاضي بنصه. ٢ هكذا في الأصل، وفي "المسودة" "ص: ٤٣": "فأما الترك فلا يفتقر إلى النية". ٣ من أول الفصل إلى هنا منقول بنصه في "المسودة" "ص: ٤٣، ٤٤"، ثم بعد ذلك قفز، فنقل رد القاضي على دليل الحنفية. ٤ هذا الحديث رواه أبو مالك الأشعري -﵁- مرفوعًا، أخرجه عنه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء بلفظ: "الطهور شطر الإيمان" "١/ ٢٠٣". وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الدعوات، باب"٥/ ٥٣٥، ٥٣٦"، وقال حديث صحيح، ولفظه مثل لفظ المؤلف. وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء شطر الإيمان "١/ ١٠٢، ١٠٣" بلفظ: "إسباغ الوضوء شطر الإيمان". وأخرجه عنه ابن ماجه بمثل لفظ أبي داود وذلك في كتاب الطهارة، باب الوضوء شطر الإيمان "١/ ١٠٢". وأخرجه عنه النسائي بمثل لفظ أبي داود وذلك في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة "٥/ ٥". وراجع في هذا الحديث أيضًا: "ذخائر المواريث" "٣/ ٢١٤"، و"فيض القدير شرح الجامع الصغير" "٦/ ٣٧٦".
[ ١ / ١٦٤ ]
والإيمان١ عبادة، فوجب أن يكون شطره عبادة؛ ولأنه طاعة أو قربة فوجب أن يكون عبادة قياسًا على ما شرط فيه النية.
ولأن هذا يؤدي إلى أن يكون ترك الزنا والقتل وشرب الخمر عبادة؛ لأن ذلك يصح من غير النية، ويؤدي إلى أن تكون إقامة الحدود عبادة، والكفارة عبادة؛ لأنها تفتقر إلى القصد والنية، ولا تكون الطهارات عبادة، وهذا ظاهر الفساد.
وأما سقوط النية في صحة الفعل المأمور به، لا٢ يدل على أنه ليس بطاعة وقربة.
_________________
(١) ١ في الأصل: "والوضوء"، والصواب ما أثبتناه؛ لأن الوضوء شطر الإيمان، وليس العكس. ٢ كان الأولى الإتيان بالفاء في جواب: "أما".
[ ١ / ١٦٥ ]