وأما مفهوم الخطاب فهو التنبيه بالمنطوق به على حكم المسكوت عنه، مثل حذف المضاف كقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٢، ومعناه:
_________________
(١) ١ راجع هذا الفصل في كتاب "المسودة" "ص: ٣٥٠" فإنه نقل أكثر كلام القاضي هنا، كما تراجع "شرح الكوكب المنير" "ص: ٢٣٨" وما بعدها. ٢ "١٩٧" سورة البقرة.
[ ١ / ١٥٢ ]
أفعال الحج في أشهر١. وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ٢، فتقديره: في إحرام الحج٣. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ ٤، ومعناه: فحلق ففدية٥، وكقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ٦، فنبه بذلك على تحريم الضرب والشتم؛ لأنه إنما منع من التأفيف لما فيه من الأذى، وذلك في الضرب أعظم، وجب أن يكون بالمنع أولى، ويسمى هذا القسم: فحوى الخطاب.
وقال بعض أهل اللغة: اشتق ذلك من تسميتهم الأبزار فحافحًا، ويقال: "فح قدرك يا هذا"، فسمي فحوى؛ لأنه يظهر معنى اللفظ كما تظهر الأبزار طعم الطبيخ ورائحته.
ويسمى أيضًا لحن القول؛ لأن لحن القول ما فهم منه بضرب من الفطنة. يقال: لحنت فلانًا إذا كلمته بكلام يعلمه ولا يعلمه غيره. ورجلان تلاحنا، إذا فعلا مثل ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ٧.وقال الشاعر:
_________________
(١) ١ وهناك تقديران آخران هما: أولا: الحج حج أشهر معلومات. ثانيًا: أشهر الحج أشهر معلومات. على أنه يمكن أن تفهم الآية من غير تقدير، وذلك بجعل الأشهر نفس الحج؛ لأن الحج يقع فيها. راجع" التفسير الكبير" للفخر الرازي "٥/ ١٦٠". ٢ "١٩٦" سورة البقرة. ٣ وقدَّرَهُ الفخر الرازي بقوله: فعليه ثلاثة أيام وقت اشتغاله بالحج "٥/ ١٥٥" من تفسيره. ٤ "١٩٦" سورة البقرة. ٥ قدَّر ذلك الفخر الرازي في تفسيره "٥/ ١٥١" بقوله: "فحلق فعليه فدية". ٦ "٢٣" سورة الإسراء. ٧ "٣٠" سورة محمد.
[ ١ / ١٥٣ ]
منطقٌ صائبٌ وتلحَنُ أحيَا نًا وخيرُ الحديثِ ما كان لحنًا١
وقيل: لحن القول ما دل عليه، وحذف استغناء عنه بدليل الكلام عليه نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ ٢. فدل على أنه ضرب، فانفجرت. ونحو قوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ٣، ولم يذكر أنهما ذهبا، اكتفاء بما حكاه من جواب فرعون لهما حتى٤ قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ ٥. [١١/ أ] وأشباه ذلك.
_________________
(١) ١ هذا البيت قاله الشاعر مالك بن أسماء في جارية له ضمن ثلاثة أبيات هي: أمغطي مني على بصري للـ ـحب أم أنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما يشتهي الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا نًا وأحلى الحديث ما كان لحنا ويلاحظ أنه أتى بكلمة: أحلى، بدل كلمة: خير، التي أتى بها المصنف. راجع: "عيون الأخبار" لابن قتيبة، المجلد الثاني، ص: ١٦١، ١٦٢"، و"معجم الشعراء" للمرزباني "ص: ٢٦٦"، و"البيان والتبيين" للجاحظ "١/ ١٤٧" وروايته للبيت المستشهد به كرواية ابن قتيبة، وقد رواه الجاحظ أيضًا في كتابه المذكور "١/ ٢٢٨" وروايته للبيت مثل رواية المؤلف. ٢ "٦٠" سورة البقرة. ٣ "٤٣" سورة طه. ٤ هكذا في الأصل، ولعل الصواب: "حين". ٥ الآيتان "٤٩، ٥٠" سورة طه.
[ ١ / ١٥٤ ]