الحقيقة أنه يصعب على الباحث أن يُقَوِّم أعمال الآخرين، وبخاصة إذا كان صاحب العمل من الفحول في ذلك. وبعد تردد أَقْدَمْت على ذلك حرصًا على الإنصاف، وبيانًا لما توصلت إليه، وسوف أتكلم بإيجاز، بادئًا بالحديث عما للكتاب من محاسن ألخصها فيما يلي:
أولا: إن الكتاب -في نظري- يعد أول كتاب وصل إلينا، جمع شتات أصول الحنابلة ونظمها في أبواب ومسائل وفصول.
ثانيًا: والكتاب يعد أيضًا مصدرًا أصيلا في أصول الحنابلة، لما لِمُؤَلِّفه من الدراية الكافية بالمذهب الحنبلي، أصولا وفروعًا.
ثالثًا: ويمتاز الكتاب بأن مصادره أصيلة، وبخاصة ما ينقله المؤلف عن الإمام أحمد من الروايات، وما ينقله عن أصحابه من الآراء.
رابعًا: ولم يقتصر المؤلف على إيراد رواية واحدة عن الإمام أحمد، بل كان يسوق كثيرًا من الروايات، وبخاصة إذا كانت مختلفة.
خامسًا: ولم يترك تلك الروايات على ما هي، بل أخد يرجح بعضها على بعض، ويبين أن الأخذ بهذه الرواية -مثلا- هو الأليق بمذهب أحمد، وهكذا ولعمر الحق إنها لمهمة صعبة قام بها المؤلف خير قيام.
[ ١ / ٤٨ ]
سادسًا: ومما يُسجَّل للمؤلف هنا دقة فهمه لما نقل عن الإمام أحمد، واستخراجه للحكم من تلك الروايات، ودرجة الأخذ، هل كان بطريق النص، أو بطريق الإيماء أو الإشارة أو الاحتمال؟ وهذه المهمة لا تقل عن سابقتها.
سابعًا: والكتاب أصول فقه مقارن، عُني مؤلفه بنقل المذاهب الأخرى في كل مسألة تعرض لها، مع إيراد أدلتهم، ومناقشتها والرد عليها إذا خالفت ما اختاره المؤلف.
ثامنًا: كانت شخصية المؤلف ظاهرة من أول الكتاب إلى آخره، فقد كان يناقش الأدلة، ويرجج بين الروايات المنقولة عن الإمام أحمد، ويخرج باختيار له في كل مسألة، وهذه ميزة لا تستكثر على عالم فذٍّ كالقاضي أبي يعلى.
تاسعًا: كان المؤلف موفقًا في الاستدلال على إثبات حكم أو نفيه بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وما روي عن الصحابة والتابعين من الآثار، حتى صار ذلك سمة بارزة في الكتاب، على أنه لم يَخْلُ من المماحكات العقلية، ولكنها كانت بقدر.
عاشرًا: كان المؤلف يربط المسائل بالمدلول اللُّغوي للنص الذي يستدل به، سواء كان النص المستدل به من الكتاب، أو السنة أو الآثار عن بعض الصحابة، أو أبيات شعرية، أو قطع نثرية، أو أقوال أئمة اللغة، وهذه مَيزَة أخرى تستحق الثناء.
حادي عشر: إذا كانت المسألة التي تعرض ذات شعب، حرر المؤلف محل النزاع وبيَّنَه، حتى يكون الكلام على جزئية معينة، لا لبس فيها، ولا غموض.
[ ١ / ٤٩ ]
ثاني عشر: إذا كان الخلاف في المسألة لفظيًّا، لا ثمرة منه، بين ذلك.
ثالث عشر: إذا تماثلت في مسألتين، فإنه لا يكرر الأدلة في المسألة الثانية، بل يحيل إليها، فمثلا لما جاء على باب: النهي، أحال الكلام في مسألة الفورية، ومسألة التكرار في النهي إلى الكلام في مسألة الفورية والتكرار في الأمر.
رابع عشر: كان المؤلف موفقًا إلى حد كبير في ترتيب الأبواب.
خامس عشر: أحسن المؤلف صنعًا؛ إذ جعل بابًا في أول الكتاب، عرف فيه كثيرًا من المصطلحات التي يحتاج الأصولي إلى معرفتها.
[ ١ / ٥٠ ]