فقيل في ذلك: يمكن أن يكون عرف ذلك بالتوقيف والوحي من الله تعالى.
ويحتمل أن يكون عرف ذلك بمواضعة أهل اللغة ومواطأتهم على ذلك.
ويمكن أن يكون بعضها مأخوذًا عن توقيف، وبعضها بالمواضعة. وبعضها مستعملا بقياس على ما تكلم به أهل اللغة.
ويجوز أن يتفق لأهل اللغة أو لبعضهم: أن يتواطئوا على وضع اسم لشيء قد وقف اللهُ عليه بعضَ من أعلمه ذلك، فتكون المواضعة منهم موافقة للتوقيف.
[ ١ / ١٩٠ ]
ويجوز أن يسمُوا الأشياء بغير الأسماء التي وصفها الله تعالى لها، إذا لم يحصل منه حظر لذلك، فإن حظر ذلك لم يَجُزْ مخالفة الاسم، ومتى لم يحظر ذلك كان للشيء اسمان: أحدهما موقف عليه، والآخر متواضع عليه.
وقال قوم: جميع أسماء الأشياء في كل لغة أخذ من جهة توقف الله تعالى لآدم، والتعليم له، إما بتولي خطابه، أو الوحي إليه على لسان من يتولى خطابه وإفهامه.
وقال آخرون: جميع ذلك عرف من جهة مواطأة أهل اللغة.
والذي نختاره: ما ذكرناه أولا، وهو كلام أبي بكر عبد العزيز من أصحابنا؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ١، بما نذكره فيما بعد، ولم يحمل الآية على عمومها.
فالدلالة على فساد قول من قال: إن جميعها توقيف هو: أنهم إذا كانوا أحياء ناطقين، وكان الكلام والنطق منهم صحيحًا، ويعرفون المعلومات، البعض منها ضرورة، والبعض منها نظرًا وبحثًا، ويعرفون لما يعلمونه أمثالا، وربما غاب عنهم الحاضر واحتاجوا إلى طلبه، وجب عند ذلك صحة نطقهم للحاجة لمعرفة ذلك، وجرى مجرى اجتماع الخلق على أكل الطعام عند الجوع، وشرب الماء واتقاء الحر والبرد.
فإن قيل: كيف يعرف مراد النطق بالأصوات، وهو لم يسبق له التوقيف بمعرفة ذلك؟ قيل: يعرف ذلك ضرورة عند قوله: رجل وإنسان، إذا تكرر ذلك وأتبعه [١٦/ ب] بالإشارة إليه والإقبال عليه.
_________________
(١) ١ "٣١" سورة البقرة.
[ ١ / ١٩١ ]
ويبين صحة هذا أنه لا يجوز أن تكون أحوال الناطقين الأصحاء العقلاء أَدْوَنَ من الخرس في تأتي المواضعة منهم على معاني رموزهم وإشاراتهم، وإن لم يتقدم لهم إشارات أُخَرُ وقفوا على معناها؛ ولأن الله تعالى إذا أراد توقيفهم للمواضعة على ذلك جمع عليها هممهم، ووفر دواعيهم، وسهل سبيل ذلك لهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾: فذكر أبو بكر في كتاب التفسير فقال: وأولى بالصواب: أسماء ذريته وأسماء الملائكة، دون أسماء سائر أجناس الخلق، قال: وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ﴾ يعني بذلك: أعيان المسمين؛ إذ لا تكاد العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، فأما إذا كنّت عن أسماء البهائم، وسائر الخلق، سوى من وصفها، فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو بالهاء والنون، فقالت: "عرضهن"، أو "عرضها". وكذلك تفعل إذا كنّت عن أصناف من الخلق والبهائم والطير وسائر أصناف الأمم، وفيها أسماء بني آدم والملائكة، تكني عنها بما وصفنا من الهاء والنون والهاء والألف، لا كل بني آدم نحو قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ١، فكنى عنها بالهاء والميم؛ لأنها أصناف مختلفة، فيها الآدمي.
وقيل في جواب ذلك: أن يدل على أنه علمها آدم ووقفه عليها، وذلك لا يمنع المواضعة عليها مع تعليم آدم إيَّاها، ومع بدل تعليمه لو ترك ذلك.
وقيل: إنه لم يخبر تعالى أنه وقف جميع الخلق على الأسماء، وإنما أخبر أنه وقف آدم على ذلك، وليس فيه ما يمنع أن يكون قد اتفق لأهل كل اللغة تواضعهم بما في مثل ما وقفه الله عليه أو كثير منه.
_________________
(١) ١ "٤٥" سورة النور.
[ ١ / ١٩٢ ]
وقيل: يحتمل أن يكون علّم آدم الأسماء كلها بلغة من اللغات مبتدأة له لم ينطق بها أحد، وأن تكون الملائكة المخلوقة قبله قد كانت تواضعت على أسماء لتلك الأشياء وتخاطب يتفاهمون به غير الأسماء المبتدأة لآدم، فتكون لها أسماء وقف الله آدم عليها، لا تعرفها الملائكة، وأسماء لها قد عرفتها الملائكة بطريق التواضع.
وقيل: يحتمل أن يكون الله تعالى علّمه اسم كل شيء خلقه ذلك الوقت من الملائكة والسموات وما خلقه في الجنة، ولم يعلِّمه أسماء ما يحدثه ويخلقه من بعد، ويكون قوله: ﴿كُلَّهَا﴾ على طريق التأكيد، أو يكون قوله: ﴿كُلَّهَا﴾ في ذلك الوقت.
وقيل: إنه لم يخبر كيف علمه بأن وقفه أو أنطقه أو أقدره على النطق وجميع دواعيه على مواضعة الملائكة على دلالة ما ينطبق به، فإذا أقدره على ذلك، وخلق فيه العلم به وجمع همه عليه كان له الأسماء، وإن لم يعلمه ذلك توقيفًا.
وهكذا الجواب عن قوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، و﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢، معناه سمى بعضه، ودلّ على بعضه.
والذي يدل على أن الملائكة [١٧/ أ] كانوا مخاطبين ومتواضعين على تخاطب أسماء يعرفونها قبل خلق آدم؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ٣، الآية، وقوله لما خلقه وأحياه وعلمه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٤، فلو لم يكونوا عالمين بالخطاب وبأسماء الأشياء، كيف كانوا يفهمون، ويجيبون، ويقولون؟!
_________________
(١) ١ "٨٩" سورة النحل. ٢ "٣٨" سورة الأنعام. ٣ "٣٠" سورة البقرة. ٤ "٣٢" سورة البقرة.
[ ١ / ١٩٣ ]