والعلم على ضربين: قديم ومحدث.
فأما القديم: فهو علم الله تعالى، وهو علم واحد يتعلق بجميع المعلومات على ما هي به، لم يزل ولا يزال، ولا يجوز عليه التغيير والبطلان، ولا يوصف بأنه ضروري، ولا بأنه مكتسب، ولا استدلالي؛ لئلا يوهم كونه محتاجًا إلى العلم لما يعلمه لدفع ضرر عنه، أو أنه ملجأ ومكره على العلم بما هو عالم به، ومحال ذلك في صفته.
وأما المحدث٢ فعلى ضربين: ضروري، ومكتسب.
فأما الضروري فحده: كل علم محدث لا يجوز ورود الشك عليه ويلزم نفس المخلوق٣. أو ما لا يمكنه معه الخروج عنه، والانفصال منه، وإنما قلنا: ما لزم نفس المخلوق، ولم نقل: ما لزم نفس العالم؛ لكي يخرج علم القديم سبحانه عن كونه اضطرارًا؛ لأن عمله سبحانه بكل معلوم لازم لذاته على الوجه الذي يلزم ذواتنا علوم الضرورات، وليس لأحد أن يقول: إنه مضطر إلى العلم بمعلوماته.
_________________
(١) ١ راجع في هذا الفصل كتاب: "الواضح" الجزء الأول الورقة "٤/ ب، ٥/ ب" وكتاب "التمهيد" الورقة "٧/ ب، ٨/ ب"، فإن أبا الخطاب ترسم خُطَا شيخه في هذا البحث مع فروق بسيطة، وراجع أيضًا كتاب: "شرخ مختصر الروضة" الجزء الأول، الورقة "٣٣/ ب" و"شرح الكوكب المنير" "ص: ١٩". ٢ لم يذكر القاضي تعريف العلم المحدث كما ترى، غير أن تلميذه أبا الخطاب عرفه بقوله: علم جميع المخلوقين من الملائكة والإنس والجن وغير ذلك. انظر "التمهيد" الورقة "٧/ ب، ٨/ ب". ٣ هكذا عرفه القاضي غير أن أبا الخطاب عرفه بقوله: "هو ما علم الإنسان من غير نظر ولا استدلال". انظر المرجع السابق.
[ ١ / ٨٠ ]
وإنما سمي ضرورة؛ لأنه مما تمس الحاجة إليه، أو مما يقع الإكراه عليه والإلجاء إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ١، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ ٢. وقالوا في المكره على الطلاق والعتاق: إنه مضطر إليه ومحمول عليه ومكره عليه.
وعلم الضرورة على ضربين٣: أحدهما لا يتعلق بسبب سابق، والثاني يتعلق بسبب سابق.
فأما ما لا يتعلق بسبب سابق، فمثل علم الإنسان بأحوال [٤/ أ] نفسه، من قيامه وقعوده، وحركاته وسكناته، وما يعرض في نفسه من خير وشرور، وميل ونفور، ولذة وألم، وصحة وسقم، ومثل ذلك علمه باستحالة اجتماع الضدين، والجسم في مكانين، وأن الواحد أقل من الاثنين، فهذا كله علم مبتدأ في نفسه لا يتعلق بسبب.
وأما ما يتعلق بسبب سابق فعلى ضربين: محسوس، وغير محسوس، فأما المحسوس: فهو العلم الواقع عن الحواس الخمس وهي: البصر
_________________
(١) ١ "١١٩" سورة الأنعام. ٢ "١٧٣" سورة البقرة. ٣ هكذا قسمه المؤلف إلا أن أبا الخطاب قسمه إلى أربعة أقسام هي: "الأول: ما يعلمه الإنسان من حال نفسه مثل الغم والسرور، والصحة والسقم، والقيام والقعود الثاني: ومنه ما يعلم بطريق العقل، وهو مثل علمه باستحالة اجتماع الضدين. الثالث: ومنه ما علمه بالحواس الخمس. الرابع: ومنه ما يعلمه بخبر التواتر، فيقع له به العلم ضرورة، وهو مثل إخباره بالبلاد النائية والقرون الخالية " "التمهيد" الورقة "٨/ أ"، وأنت ترى أن مؤدى التقسيمين واحد.
[ ١ / ٨١ ]
والسمع والذوق والشم واللمس، وذلك أن العلم يحصل عن الإدارك بهذه الحواس.
وأما غير المحسوس فهو: العلم الواقع عن الخبر المتواتر، مثل العلم بالبلدان النائية والسير الماضية، فإذا سمع الخبر المتواتر حصل العلم بمخبره.
وأما المكتسب: فحده كل علم يجوز ورود الشك عليه.
وقد قيل: ما وقع عن نظر واستدلال.
ومعنى الكسب: ما وجد بالموصوف به وله عليه قدرة محدثة.
ومعنى النظر والاستدلال: ما يحصل العلم به عن ابتداء نظر وتفكر.
وعلم الكسب على ضربين: عقلي وشرعي:
فأما العقلي: فهو ما لا يفتقر إلى شرع، مثل العلم بحدوث العالم، وإثبات محدثه وصفاته، وصدق من ظهرت المعجزة على يده، وما أشبه ذلك مما لو نظر العاقل فيه وتدبره؛ لحصل له العلم من غير شرع.
وأما الشرعي: فهو العلم الواقع عن الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والقياس على أحد هذه الأصول الثلاثة.
[ ١ / ٨٢ ]