وأما الأمارة فهي: الدليل المظنون، كخبر الواحد والقياس، وليس بدليل مقطوع عليه. وهذه عبارة وضعها أهل النظر للفرق بين ما يفضي إلى العلم وبين ما يؤدي إلى غلبة الظن.
والأمارات على ضربين:
أحدهما: ما له أصل يرجع إليه في الشريعة مثل: القياس ووجوه الاستدلال التي نذكرها في الفقه.
والثاني: ما لا أصل له في الشريعة وهذا على وجوه.
منها: ما أمرنا فيه بالرجوع إلى العادة الجارية١ مثل تقويم
_________________
(١) ١ العادة في اللغة: تطلق على تكرار الشيء مرة بعد أخرى. انظر: اللسان "٤/ ٣١١"، = والقاموس "١/ ٣١٩"، ومعجم مقاييس اللغة "٤/ ١٨١- ١٨٢". وأما لدى الأصوليين فهي -كما عرفها ابن أمير الحاج- في كتابه التقرير والتحبير "١/ ٢٨٢" بقوله: "الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية". ولمزيد من الفائدة راجع: العرف وأثره في الشريعة والقانون -رسالتنا للماجستير- "ص: ٢١- ٢٣".
[ ١ / ١٣٥ ]
المستهلكات يعتبر به أمثاله مما تجري فيه المبتاعات، وكأروش الجنايات التي ليس فيها أَرَش مقدر، يرجع في تقويمه إلى أقرب الشجاج إليه، فصار ما يقرب إليه ويعتبر به كأصول الشريعة الموضوعة في الشرع، وهذا أظهر في الشجاج؛ لأن ما يعتبر به من الشجاج المقدورة أصول [٩/ أ] في الشريعة، مثل أصول الحوادث.
وكذلك الاجتهاد في القبلة والاستدلال مما أجرى الله تعالى به العادة كهب الرياح ومطالع النجوم.
ومن ذلك الفرق بين القليل والكثير مما قامت عليه الدلالة، من ذلك: أن الجمعة لا تجب على من هو خارج المصر على بعد، وتجب على من هو قريب منه، فجعلنا الحد الفاصل سماع النداء.
وكذلك الفاصل بين العمل القليل والكثير مما يفسد الصلاة من المشيء وغيره، وما يرفع هيئة الصلاة.
وكذلك الحد الفاصل بين يسير النوم وكثيره ما يلقى معه عن الجهة التي هو عليها١.
_________________
(١) ١ صرح المؤلف -رحمه الله تعالى- بأن العادة أمارة لا أصل لها في الشريعة، وفي رأيي أن الأمر ليس كذلك، بل العادة لها أصل تعتمد عليه من السنة التقريرية، والإجماع العملي، والمصلحة المرسلة، والأدلة المطلقة التي أحالت عليها. وقد استوفينا الكلام في ذلك في رسالتنا العرف وأثره في الشريعة والقانون "ص: ٦٤- ٨٢".
[ ١ / ١٣٦ ]