وحد البيان٢: إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب مفصلا مما يلتبس به
_________________
(١) = كتاب الإيمان باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات "١/ ٨٦"، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه "٢/ ٥٢٢"، وسنن ابن ماجه في كتاب الفتن باب فتنة النساء "٢/ ١٣٢٦"، وسنن الدارمي كتاب الوضوء، باب الحائض تسمع السجدة فلا تسجد "١/ ١٩٠"، والمستدرك باب النساء أكثر أهل جهنم "١/ ١٩٠" ومسند الإمام أحمد "٢/ ٦٧"، ونصب الراية "٤/ ٨٩". والمقاصد الحسنة "ص: ٢٨٥"، وكشف الخفاء "٢/ ٨١". ١ راجع في هذا الفصل كتاب التمهيد الورقة "١٠/ أ"، وشرح الكوكب المنير "ص: ٢٢٧"، والمسودة "ص: ٥٧٢"، وقد ذكر فيها تعريف المؤلف. وراجع أيضًا مبحث البيان في كتاب البرهان لإمام الحرمين، الورقة "٢٠/ ب- ٢٣/ أ". ٢ من أول هذا الفصل إلى قول المؤلف في آخر الفصل: "وذكر أبو بكر في مجموع فيه مسائل "، منقول من كتاب الفصول في أصول الفقه للإمام أبي بكر أحمد بن على الرازي المعروف بالجصاص، الورقة "٧٦" وما بعدها، مخطوطة دار الكتب المصرية، مع ملاحظة أن المؤلف يحذف بعض كلام الجصاص قليلا، ويضيف بعض كلام كبار الحنابلة.
[ ١ / ١٠٠ ]
ويشتبه من أجله. كما يقال: "بانَ الأمرُ إذا ظهرَ".
وأصله في اللغة من القطع والفصل، يقال١: "بان منه إذا انقطع" قال النبي -ﷺ: "ما بان من البهيمة وهي حية، فهو مَيتةٌ" ٢.
"وبان: إذا فارق" قال جرير٣:
_________________
(١) ١ في الأصل: "ويقال". ٢ حديث صحيح أخرجه عن أبي واقد الليثي -﵁- مرفوعًا أبو داود في كتاب الصيد، باب في صيد قطع منه قطعة "٢/ ١٠٠"، وأخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما قطع من الحي فهو ميت "٤/ ٧٤"، وقال فيه: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أسلم، والعمل على هذا عند أهل العلم". وأخرجه الحاكم في مستدركه في كتاب الذبائح "٤/ ٢٣٩"، وأخرجه الدارقطني في باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك "٤/ ٢٩٢"، وأخرجه الدارمي في سننه في كتاب الصيد، باب في الصيد يبين منه العضو "٢/ ٢٠". وقد روى هذا الحديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا. أخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصيد باب ما قطع من البهيمة وهي حية "٢/ ١٠٧٢"، وأخرجه الحاكم في المستدرك "٤/ ١٢٤". ورواه أيضًا أبو سعيد الخدري -﵁- مرفوعًا، أخرجه عنه الحاكم في مستدركه "٤/ ١٣٩" وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. كما رواه تميم الداري -﵁- أخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الصيد باب ما قطع من البهيمة وهي حية "٢/ ١٠٧٣"، وأخرجه أيضًا الطبراني في "معجمه الكبير" كما حكاه الزيلعي في "نصب الراية" "٤/ ٣١٨" والسيوطي في "الجامع الصغير" "٥/ ٤٦١" مطبوع مع شرحه "فيض القدير". ٣ هو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي التميمي أبو حَزْرة، شاعر معروف، وقعت =
[ ١ / ١٠١ ]
بان الخليط ولو طوعت ما بانا وقطعوا من حبال الوصل أقرانا١
وبانت المرأة من زوجها بينونة، إذا فارقت زوجها وانقطع النكاح بينهما، فسمي إظهار المعنى وإيضاحه بيانًا؛ لانفصاله مما يلتبس به من المعاني فيشكل من أجله.
وقد ذكر الشافعي٢ البيان ووصفه٣ فقال: "البيان اسم جامع
_________________
(١) = بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض. فضله جمهور الأدباء على خصمه الفرزدق. له ديوان مطبوع. أخباره كثيرة حفلت بها كتب الأدب. توفي سنة: ١١٠هـ، وقيل سنة: ١١١هـ، باليمامة، وقد نيف على الثمانين. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة "١/ ٤٦٤"، و"طبقات فحول الشعراء" للجمحي "ص: ٤٩"، "٣١٥- ٣٨٦"، و"وفيات الأعيان" "١/ ٢٨٦". ١ هذا البيت جاء في مطلع قصيدة موجودة في ديوان جرير "١/ ١٦٠" بتحقيق الدكتور: نعمان محمد أمين طه. وهو موجود في كتاب "الشعر والشعراء" "١/ ٦٨"، و"الأغاني" "٧/ ٣٥". ٢ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله. أحد الأئمة الأربعة، وأحد أعلام الإسلام. مؤسس علم الأصول. ولد في غزة بفلسطين سنة: ١٥٠هـ، وتوفي بالقاهرة سنة: ٢٠٤هـ. انظر ترجمته في "البداية والنهاية" "١٠/ ٢٥١"، و"تاريخ بغداد" "٢/ ٥٦"، و"تذكرة الحفاظ" "١/ ٣٦١" و"تهذيب التهذيب" "٩/ ٣٥"، و"خلاصة تذهيب الكمال" "ص: ٢٧٧"، و"شذرات الذهب" "٢/ ٩"، و"طبقات الحنابلة" "١/ ٣٨٠"، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي "ص: ٧١"، و"طبقات المفسرين" للداودي "٢/ ٩٨"، و"طبقات الشافعية" للأسنوي "١/ ١١"، و"طبقات النحاة واللغويين" لابن قاضي شهبة "ص: ٦٢"، "وطبقات الشافعية" لابن هداية الله "ص: ١١"، و"غاية النهاية في طبقات القراء" "٢/ ٩٥"، و"مرآة الجنان" "٢/ ١٣"، و"النجوم الزاهرة" "٢/ ١٧٦". ٣ في كتابه: "الرسالة" "ص: ١٥".
[ ١ / ١٠٢ ]
لمعانٍ١ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن تكون بيانًا٢ لمن خوطب ممن نزل القرآن بلسانه٣، وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض". ثم جعله على خمسة أوجه٤.
واعترض عليه أبو بكر بن داود٥، وقال: البيان أبين من التفسير الذي فسره.
واعترض غيره عليه أيضًا وقال: لم يصف البيان؛ لأنه ذكر جملة مجهولة، فكان بمنزلة من قال: البيان اسم يشتمل على أشياء، ثم لم يبين تلك الأشياء ما هي.
واعتذر أصحابه له، وقالوا: لم يقصد به حد البيان وتفسير معناه، وإنما قصد به: أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان، فهي
_________________
(١) ١ في الأصل: "لمعاني". ٢ في الرسالة "ص: ١٥": "أنها بيان". ٣ هنا عبارة ساقطة هي: "متقاربة الاستواء عنده، وإن كان " الرسالة "ص: ١٥". ٤ وقد تكلم عنها الإمام الشافعي في كتابه الرسالة "ص: ١٥- ٢٥". ٥ هو محمد بن داود بن علي الظاهري، أبو بكر. أحد فقهاء الظاهرية، تصدر للفتوى ببغداد بعد موت أبيه. له كتاب الزهرة. توفي سنة: ٢٩٧هـ، وقد نيف على الأربعين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" "٥/ ٢٥٦" و"دول الإسلام" للذهبي "١/ ١٨١". و"شذرات الذهب" "٢/ ٢٢٦"، و"فيات الأعيان" "٣/ ٣٩٠". وقد ترجم له الدكتور: نوري القيسي في كتابه: "أوراق من ديوان أبي بكر محمد بن داود الأصفهاني" "ص: ٧- ١٠".
[ ١ / ١٠٣ ]
متفقة في أن اسم البيان يقع عليها، ومختلفة في مراتبها، فبعضها أجلى وأبين من بعض؛ لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه من صفة ما [٦/ب] يحتاج إلى تفكر وتدبر، ولهذا قال النبي -ﷺ: "إن من البيان لسحرًا" ١ فأخبر أن بعض البيان أبلغ من بعض. ولأن الله تعالى ورسوله -ﷺ- خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه. وجميع ذلك بيان، وإن اختلفت مراتبها فيه.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه ابن عمر -﵄- مرفوعًا، وقد أخرجه عنه البخاري في صحيحه في كتاب الطب، باب من البيان سحر "٧/ ١٧٨". وأخرجه عنه أبو داود في سننه في كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشدق في الكلام "٢/ ٥٩٧". وأخرجه عنه الترمذي في سننه في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في أن من البيان سحرًا "٤/ ٣٧٦" وقال: "حديث حسن صحيح". وأخرج مالك في "الموطأ" في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله "٤/ ٤٠٣" مطبوع مع شرح الزرقاني. وعن عمار بن ياسر -﵁- مرفوعًا أخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة "٢/ ٥٩٤". وأخرجه الدارمي في سننه عنه في كتاب الصلاة، باب في قصر الخطب "١/ ٣٠٣". وعن ابن عباس -﵄- مرفوعًا، أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر "٢/ ٥٩٨"، ولفظه: "إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمًا". وعن بريدة -﵁- مرفوعًا أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر "٢/ ٥٩٨" بلفظ: "إن من البيان سحرًا، وإن من العلم جهلا، وإن من الشعر حكمًا، وإن من القول عيالا"، وقد رمز له السيوطي بالضعف، وراجع في ذلك أيضًا: "كشف الخفاء" "١/ ٢٩٦".
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال أبو بكر الصيرفي: البيان٢: "إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى [حيّز] ٣ التجلي". وهو اختيار أبي بكر٤ من أصحابنا فيما وجدته بخطه في مجموع فيه مسائل.
وفي هذه العبارة خلل؛ لأن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان، وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه.
فأما الخطاب المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول -ﷺ- ومن سائر
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الله الصيرفي البغدادي الشافعي، أبو بكر، أصولي فقيه متكلم. تفقه على ابن سريج. من تصانيفه: "شرح الرسالة"، وكتاب "الإجماع" وكتاب في "الشروط". توفي بمصر سنة: ٣٣٠هـ. له ترجمة في "تاريخ بغداد" "٥/ ٤٤٩" و"شذرات الذهب" "٢/ ٣٢٥" و"طبقات الشافعية" للأسنوي "٢/ ١٢٢" و"طبقات الشافعية" للسبكي "٣/ ١٨٦"، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي "ص: ١١١"، "والعبر" للذهبي "٢/ ٢٢١"، و"الفهرست" "ص: ٢١٣" و"الوافي بالوفيات" "٣/ ٣٤٦". ٢ تعريف الصيرفي في هذا ذكره الغزالي في "المنخول" "ص: ٦٣"، وفي "المستصفى" "١/ ٣٦٥"، ولم يعزه لأحد. وذكره في "المسودة" "ص: ٥٧٢" بأخصر مما هنا، وذكره في "شرح الكوكب المنير" "ص: ٢٢٧" إلا أنه أبدل كلمة: "الشيء" بكلمة: "المعنى"، وذكره أيضًا الشوكاني في "إرشاد الفحول" "ص: ١٦٨". ٣ هذه الكلمة ساقطة من الأصل، وهي مثبتة في جميع المصادر التي ذكرناها آنفًا عدا "المسوَّدة". ٤ هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف، أبو بكر الحنبلي المعروف بغلام الخلال. أصولي فقيه كان ذا دين وورع. علَّامة بمذهب أحمد. له تصانيف منها: "المقنع"، و"تفسير القرآن". توفي سنة: ٣٦٣هـ. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" "١٠/ ٤٥٩"، و"شذرات الذهب" "٣/ ٤٥" و"طبقات الحنابلة" "٢/ ١١٩"، و"المنتظم" "٧/ ٧١".
[ ١ / ١٠٥ ]
المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بَيِّن المراد، فهو بيان صحيح، وإن لم يشتمل عليه هذا الوصف، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٢، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٣ قد حصل به البيان، وإن لم يكن قبل ظهور ذلك إشكال أخرجه إلى التجلي، بل قد علمنا: أن الغسل لم يكن واجبًا، فبين وجوبه بالآية.
وقال قوم من المتكلمين: البيان، هو الدلالة؛ لأن البيان يقع بها، وهو ظاهر كلام أبي الحسن التميمي؛ فإنه قال في جزء وقع إليَّ من كلامه: باب في البيان، ثم قال: البيان عن٤ الشيء يجري مجرى الدلالة٥، وهذا أيضًا فيه خلل؛ لأن من الدلائل ما لا يقع به البيان، كالمجمل ونحوه.
وقال قوم منهم: البيان هو العلم الذي يتبين [به] ٦ المعلوم٧.
_________________
(١) ١ "٦" سورة المائدة. ٢ "٢٣" سورة النساء. ٣ "٣" سورة المائدة. ٤ في الأصل "من" وهو خطأ، والتصويب من "المسودة" "ص: ٥٧٢". ٥ هكذا نقل المؤلف تعريف أبي الحسن التميمي للبيان، غير أن أبا الخطاب نقله عنه بلفظ: "الدليل المظهر للحكم". انظر "التمهيد" الورقة "١٠/ أ". ٦ ساقطة من الأصل. والتصويب من "إرشاد الفحول" "ص: ١٦٨". ٧ نقل هذا التعريف في "المسودة" إلا أنه اقتصر على قوله: "البيان: هو العلم" "ص: ٥٧٢" وقد ذكره الغزالي في كتابه: "المنخول" وعزاه لبعض الشافعية "ص: ٦٤". أما الشوكاني في "إرشاد الفحول" "ص: ١٦٨" فقد نقله معزوًّا إلى أبي بكر الدقاق.
[ ١ / ١٠٦ ]
وإليه ذهب أبو بكر الدقاق١.
والذي ذكرناه أولى؛ لأن أصله في اللغة كذلك.
_________________
(١) ١ هو محمد بن محمد بن جعفر البغدادي، أبو بكر المعروف بالدقاق، ويلقب بـ"خباط" الشافعي المذهب الفقيه الأصولي. تولى القضاء بكرخ بغداد. وكان عالِمًا فاضلا. ولد سنة: ٣٠٦هـ، وتوفي سنة: ٣٩٢هـ. له ترجمة في "تاريخ بغداد" "٣/ ٢٢٩"، و"طبقات الشافعية" للأسنوي "١/ ٥٢٢"، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي "صفحة: ١١٨"، و"المنتظم" "٧/ ٢٢٢"، و"النجوم الزاهرة" "٤/ ٢٠٦"، و"الوافي بالوفيات" "١/ ١١٦".
[ ١ / ١٠٧ ]