والعقل ضرب من العلوم الضرورية، وهو مثل العلم باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، ونقصان الواحد عن الاثنين، والعلم
_________________
(١) ١ في الأصل: "الظني". ٢ راجع في هذا الفصل كتاب "المعتمد في أصول الدين" للقاضي أبي يعلى "ص: ١٠١، ١٠٢" في مبحث العقل، وكتاب "الواضح" الجزء الأول، الورقة "٥/ ب، ٦/ ب" و"التمهيد": الورقة "٨"، و"شرح مختصر الروضة" الجزء الأول، الورقة "٣٤"، و"شرح الكوكب المنير" "ص: ٢٣، ٢٤" و"المسودة" "ص: ٥٥٦، ٥٥٩".
[ ١ / ٨٣ ]
بموجب العادات، فإذا أخبره مخبر بأن الفرات تجري دارهم راضية، لا يجوز صدقه. ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه، وحمل [٤/ ب] ثمرة وإدراكها من ساعته، لا ينتظر ذلك ليأكل منها، وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله، لا يهرب فزعًا من ذلك، فإذا حصل له العلم بذلك، كان عاقلا ولزمه التكليف.
وقال أبو الحسن التميمي عبد العزيز بن الحارث١ من أصحابنا في "كتاب العقل": العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر، وإنما هو نور، فهو كالعلم"٢.
وقال أبو محمد البربهاري٣: وليس العقل باكتساب، وإنما هو
_________________
(١) ١ هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي، من أكابر علماء الحنابلة أصولا وفروعًا، متهم بالوضع، فقد وضع حديثًا أو حديثين في مسند الإمام أحمد، نسأل الله السلامة، ولد سنة: ٣١٧هـ، وتوفي سنة:٣٧١هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة "٢/ ١٣٩"، والمغني في الضعفاء للذهبي "٢/ ٣٩٦، ٣٩٧"، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي "ص: ٥١٦"، وميزان الاعتدال للذهبي "٢/ ٦٢٤- ٦٢٦"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٤/ ١٤٠"، وتنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة "١/ ٨٠". ٢ نقل أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" "٨/ أ" تعريف أبي الحسن هذا غير أنه لم يذكر فيه قوله: "ولا صورة" كما أنه لم يذكر قوله: "فهو كالعلم" مع أنه أتى بزيادة على ما ذكره القاضي وهي عبارة "في القلب" بعد قوله: "وإنما هو نور". أما "المسوّدة" فقد نقل فيها تعريف أبي الحسن التميمي كما هنا. ٣ هو الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري، شيخ الحنابلة في وقته، صحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد، منهم المروزي وسهل التُّسْتُرِي. له مصنفات منها: شرح السنة. توفي في بغداد في رجب سنة: ٣٢٩هـ. انظر ترجمته في: شذرات الذهب "٢/ ٣١٩"، وطبقات الحنابلة "٢/ ١٨"، والمنتظم "٦/ ٣٢٣"، والنجوم الزاهرة "٣/ ٢٧٣".
[ ١ / ٨٤ ]
فضل من الله١. ذكره في "شرح السنة" في جزء وقع إليّ
وقال بعضهم: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات.
وقال أبو بكر بن فورك٢: هو العلم الذي يتمنع به من فعل القبيح.
وقال بعضهم: ما حسن معه التكليف.
ومعنى ذلك كله متقارب، ولكن ما ذكرناه أولى٣؛ لأنه مفسر، وهو قول الجمهور من المتكلمين.
وقال أحمد فيما رواه أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل" عن محمد بن أحمد بن مخزوم٤ عن إبراهيم الحربي٥ عن أحمد أنه قال: العقل
_________________
(١) ١ هكذا جاء نص تعريف البربهاري في "المسوّدة" "ص: ٥٥٦" نقلا عن القاضي أبي يعلى، غير أن أبا الخطاب ذكر تعريف البربهاري على النحو التالي: ليس بجوهر ولا عرض وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء "التمهيد"، الورقة "٨/ أ". ٢ هو محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري ثم الأصبهاني، أبو بكر، أصولي فقيه متكلم نحوي، درس بالعراق فنيسابور فغزنة، وفي طريق عودته من غزنة إلى نيسابور سُمَّ فمات، فنقل إلى نيسابور، ودفن بها سنة: ٤٠٦هـ. له ترجمة في: الأعلام "٦/ ٣١٣" وشذرات الذهب "٣/ ١٨١" ووفَيَات الأعيان "٣/ ٤٠٢" والنجوم الزاهرة "٤/ ٢٤٠". ٣ وقد اختاره من الحنابلة أبو الوفاء بن عقيل في كتابه "الواضح"، الجزء الأول، الورقة "٥/ ب"، كما اختاره أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٨/ أ" ونقل عن شيخه القاضي أبي يعلى أن ذلك اختيار الأصحاب. ٤ أبو الحسين المقرئ، روى عن إبراهيم بن الهيثم البلدي وأحمد بن محمد بن مسروق الطوسي، وعنه أبو بكر الأبهري وأبو حفص الكتاني. قال حمزة السهمي: سألت أبا محمد بن علام الزهري عنه فقال: ضعيف. كما سئل أبو الحسن التمار عنه فقال: كان يكذب. ولد سنة: ٢٦٨هـ، ومات بعد سنة: ٣٣٠هـ. له ترجمة في: "تاريخ بغداد" "١/ ٣٦٢"، "وتنزيه الشريعة" لابن عراق "١/ ١٠٠". ٥ هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي، =
[ ١ / ٨٥ ]
غريزة، والحكمة فطنة، والعلم سماع، والرغبة في الدنيا هوى، والزهد فيها عفاف"١.
ومعنى قوله: غريزة، أنه خلق الله تعالى ابتداءً، وليس باكتساب للعبد. خلافًا لما حكي عن بعض الفلاسفة: أنه اكتساب.
وقال قوم: هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض.
وقال قوم: هو مادة وطبيعة.
وقال آخرون: هو جوهر بسيط.
وهذا فاسد؛ لأن الدليل دلَّ على أن الجواهر كلها من جنس واحد، خلافًا للمُلْحِدَةِ في قولهم: هي مختلفة؛ لأن معنى المثلين: ما سد أحدهما
_________________
(١) = والحربي نسبة إلى محلة ببغداد، سميت بحربية، نسبة إلى حرب بن عبد الله صاحب حرس المنصور، وقد كان إبراهيم الحربي عالِمًا بالحديث والفقه، من أصحاب الإمام أحمد وممن نقل عنه كثيرًا من المسائل. ولد سنة: ١٩٨هـ، وتوفي ببغداد يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة سنة: ٢٨٥هـ. انظر ترجمته في: الأعلام "١/ ٢٤"، والأنساب المتفقة لابن القيسراني "ص: ٤١"، البداية والنهاية "١١/ ٧٩"، وتاريخ بغداد "٦/ ٢٧"، وتذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٤"، وشذرات الذهب "٢/ ١٩٠"، وفوات الوفيات "١/ ٥"، ومرآن الجنان "٢/ ٢٠٩"، والنجوم الزاهرة "٣/ ١١٨". ١ كيف تصح نسبة هذا النقل إلى الإمام أحمد، مع أن في سنده -كما ترى- أبا الحسن التميمي، وهو وضَّاع، ومحمد بن أحمد بن مخزوم، وهو كذاب، ومن لا يتورع عن الكذب على رسول الله -ﷺ- لا يتورع عن الكذب على غيره. وقد نُقِل هذا القول منسوبًا إلى الإمام أحمد بالسند المذكور في "المسودة" "ص: ٥٥٦"، كما نقله أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٨/ أ" عن إبراهيم الحربي عن أحمد بلفظ: "العقل غريزة وحكمة وفطنة".
[ ١ / ٨٦ ]
مسد صاحبه، وناب منابه، والجواهر على هذا؛ لأن كل واحد منهما متحرك وساكن وعالم، فلو كان العقل جوهرًا لكان من جنس العاقل، ولاستغنى العاقل بوجود نفسه في كونه عاقلًا عن وجود مثله، وما هو من جنسه، وقد ثبت أنه ليس بعاقل بنفسه، فمحال أن يكون عاقلا بجوهر من جنسه؛ ولأنه لو كان جوهرًا لصحَّ قيامه بذاته ووجوده، لا بعاقل ولصح أن يعقل ويكلف؛ لأن ذلك مما يجوز على الجواهر وفي امتناع ذلك دليل، على أنه ليس بجوهر، فثبت أنه عرض، ومحال أن يكون عرضا غير سائر العلوم؛ لأنه لو كان كذلك لصح وجود العقل مع عدم سائر العلوم، حتى يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه ولا بالمدركات ولا بشيء من الضرورات؛ إذ لا دليل يوجب تضمن أحدهما للآخر. وذلك نهاية الإحالة.
ومحال أن يكون اكتسابًا؛ لأنه يؤدي إلى أن الصبي وممن عدمت منه الحواس الخمس ليسوا بعقلاء؛ لأنهم لا نظر لهم ولا استدلال يكتسبون به العقل، وفي الإجماع على حصول العقل منهم دليل على فساد هذا.
ولا يجوز أن يكون العقل هو الحياة؛ لأن العقل يبطل ويزول [٥/ أ] ولا يخرج الحي عن كونه حيًّا، وقد يكون الحي حيًّا وإن لم يكن عالِمًا بشيء أصلا.
ولا يجوز أن يكون هو جميع العلوم الضرورية١، ولا العلوم التي تقع عقيب الإدراكات الخمسة؛ لأن هذا يؤدي إلى أن الخرس والطرش٢ والأكمه ليسوا بعقلاء؛ لأنهم لا يعلمون المشاهدات والمسموعات والمدركات
_________________
(١) ١ في كتاب "المعتمد في أصول الدين، للمؤلف "ص: ١٠٢": العلوم الضرورية والكسبية. ٢ هكذا في الأصل، والذي في "المعتمد في أصول الدين" "ص: ١٠٢": الأخرس والأطرش.
[ ١ / ٨٧ ]
التي تعلم باضطرار ولا باستدلال١.
ولا يجوز أيضًا أن يكون العلم بِحُسْنِ حَسَنٍ وقُبْحِ قبيح، ووجوب واجب وتحريم محرم من جملة العلوم التي هي عقل؛ لأن هذه الأحكام كلها معلومة من جهة السمع دون قضية العقل، فوجب أن يكون بعض العلوم الضرورية، وهو ما ذكرنا في أول الفصل وما كان في معناه من أن الموجود لا يخلو من أن يكون لوجوده أول، وأن الموجود لا يكون معدومًا موجودًا في حالة واحدة، وأن المتحرك عن المكان لا يجوز أن يكون ساكنًا فيه في حالة واحدة، وأن الذات الواحدة لا تكون حية ميتة، ونحو ذلك من الأوصاف المتضادة٢.
_________________
(١) ١ من قوله: "ولا يجوز أن يكون العقل هو الحياة" إلى هنا موجود بنصه في كتاب "المعتمد في أصول الدين" "ص: ١٠٢". ٢ من هذه التعريفات للعقل يتضح لنا أن كل من عرَّفَه رَاعَى ناحيةً وغفل عن ناحية أخرى، وقد تفطن لذلك الشيخ شهاب الدين عبد الحليم بن عبد السلام في كتاب "المسودة" "ص: ٥٥٨، ٥٥٩" حيث جاء فيه ما ملخصه: العقل لا يمكن إحاطته برسم واحد، ولكن العقل يقع على أربعة معانٍ: ١ ضروري، وهو الذي عناه من قال: إنه بعض العلوم الضرورية. قلت: وهذا العقل ما يتعلق به التكليف. ٢ غريزة تقذف في القلب، وهذا النوع ينمو بنمو الإنسان، وبه يقع الاختلاف بين الناس، فهذا بليد وذاك ذكي. ٣ ما به ينظر صاحبه في عواقب الأمور، فلا يغتر بلذة عاجلة تعقبها ندامة. ٤ ما يستفاد من التجارب في حياة الإنسان. وهذا ما عناه من قال: "إن العقل مكتسب. قلت: وقد سبق حجة الإسلام الغزالي إلى هذا التقسيم، وذلك في كتابه "إحياء علوم الدين" "١/ ١٤٥، ١٤٦".
[ ١ / ٨٨ ]
فصل: [في محل العقل]: ١
ومحل العقل القلب، ذكره أبو الحسن التميمي في "كتاب العقل"، فقال: الذي نقول به: إن العقل في القلب يعلو نوره إلى الدماغ، فيفيض [منه٢] إلى الحواس ما جرى في العقل.
ومن الناس من قال: هو في الدماغ.
وقد نص أحمد -﵀- على مثل هذا القول فيما ذكره أبو حفص بن شاهين٣ في الجزء الثاني من أخبار أحمد بإسناده عن فضل بن زياد٤ وقد سأله رجل عن العقل أين منتهاه من البدن؟ وقال٥ سمعت أحمد بن
_________________
(١) ١ راجع في هذا الفصل: "التمهيد" الورقة "٨/ ب، ٩/ أ"، "المسودة" "ص: ٥٥٩، ٥٦٠"، و"شرح الكوكب المنير" "ص: ٢٤". ٢ ساقطة من الأصل، ولكن المقام يقتضيها، ويبدو أن الناسخ قد أسقطها؛ لأنها ثابتة في "المسودة" "ص: ٥٥٩" عند نقل كلام أبي الحسن التميمي بنصه. ٣ هو عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي أبو حفص ابن شاهين، مفسر ومحدث ومؤرخ، ثقة، من الطبقة الثانية عشرة، عيب عليه لحنه، وعدم بصره بالفقه. له مؤلفات منها: "كتاب الترغيب"، و"كتاب التفسير الكبير"، و"كتاب التاريخ". توفي في ذي الحجة سنة: ٣٨٥هـ. انظر ترجمته في: تاريخ بغداد "١١/ ٢٦٥"، وتذكرة الحفاظ "٣/ ٩٨٧"، وشذرات الذهب "٣/ ١١٧"، وطبقات الحفاظ "ص: ٣٩٢"، وطبقات المفسرين للداودي "٢/ ٢"، وغاية النهاية في طبقات القراء "١ /٥٨٨"، ولسان الميزان "٤ /٣٨٣"، ومرآة الجنان "٢/ ٨٢٦"، والمنتظم "٧/ ١٥٢"، والنجوم الزاهرة "٤/ ١٧٣". ٤ هو الفضل بن زياد أبو العباس القطان البغدادي، من أصحاب الإمام أحمد المقدمين عنده، وممن نقلوا عنه مسائل كثيرة، وكان يصلي الإمام أحمد خلفه، له ترجمه في: طبقات الحنابلة "١/ ٢٥١- ٢٥٣". ٥ كان المناسب أن يقول: "فقال".
[ ١ / ٨٩ ]
حنبل يقول: العقل في الرأس، أما سمعت إلى قولهم: وافر الدماغ والعقل.
واحتج هذا القائل: بأن الرأس إذا ضرب زال العقل؛ ولأن الناس يقولون: "فلان خفيف الرأس، وخفيف الدماغ"، ويريدون به العقل.
وهذا غير صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ١ وأراد به العقل، فدل على أن القلب محله؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورًا له، أو كان بسبب منه.
واحتج أبو الحسن التميمي بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ٣.
واحتج أيضًا بما روي عن النبي -ﷺ- في حديث المدائني٤، أن النبي -ﷺ- قال: "والكبد رحمة، والقلب ملك، والقلب مسكن العقل"٥.
_________________
(١) ١ "٣٧" سورة ق. ٢ "٤٦" سورة الحج. ٣ "١٧٩" سورة الأعراف. ٤ هو علي بن محمد أبو الحسن المدائني الأخباري. قال فيه ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث. وثَّقَه ابن معين فيما نقل أحمد بن أبي خيثمة. روى عن جعفر بن هلال. وعنه الزبير بن بكَّار وأحمد بن زهير وغيرهما. ولد بالبصرة سنة: ١٣٥هـ، ومات ببغداد سنة: ٢٢٨هـ. على الراجح. له ترجمة في: تاريخ بغداد "١٢/ ٥٤"، وميزان الاعتدال "٣/ ١٥٣"، وشيخ الإخباريين أبو الحسن المدائني للدكتور بدري محمد فهد "ص: ١٦" وما بعدها، والكتاب كله دراسة عنه. ٥ هذا الحديث ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة "١/ ٩٥" بأطول مما هنا، غير أنه لم يذكر قوله: "والقلب مسكن العقل"، وهو حديث موضوع؛ لأن فيه عطية ضعيف وكان يدلس عن الكلبي بأبي سعيد، فيظن الخدري، راجع "المجروحين" "٢/ ١٧٦" لابن حبان. ثم عقب عليه السيوطي بعد ذلك، غير أنني لم أجد المدائني في السند.
[ ١ / ٩٠ ]
وروي أن عمر بن الخطاب١ -﵁- كان إذا دخل عليه ابن عباس٢ قال: "جاءكم الفتى الكهول له لسان قئول وقلب عقول"٣. فنسب العقل إلى القلب.
_________________
(١) ١ هو عمر بن الخطاب بن نفيل، القرشي العدوي، أبو حفص. ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة. ولد سنة: "٤٠" قبل الهجرة. ومات شهيدًا سنة: ٢٣هـ. له ترجمة في: الاستيعاب "٣/ ١١٤٤"، وأسد الغابة "٤/ ١٤٥"، والإصابة "٤/ ٢٧٩"، وتذكرة الحفاظ "١/ ٥"، وشذرات الذهب "١/ ٣٣"، والنجوم الزاهرة "١/ ٧٨". ٢ هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي أبو العباس، ابن عم النبي -ﷺ- من علماء الصحابة وفقهائهم الأجلاء، ولد في مكة المكرمة سنة "٣" قبل الهجرة على الأرجح، وتوفي بالطائف "سنة: ٦٨هـ". انظر ترجمته في: الاستيعاب "٣/ ٩٣٣"، وأسد الغابة "٣/ ٢٩٠"، والإصابة "٤/ ٩٠"، وتاريخ بغداد "١/ ١٧٣"، وتذكرة الحفاظ "١/ ٤٠"، وخلاصة تذهيب الكمال "ص: ١٧٢"، وشذرات الذهب "١/ ٧٥"، وطبقات الحفاظ "ص: ١٠"، وطبقات الفقهاء للشيرازي "ص: ٤٨"،وطبقات القراء الكبار للذهبي"١/ ٤١"، وطبقات المفسرين للداودي "١/ ٢٣٢"، وغاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري "١/ ٤٢٥"، والنجوم الزاهرة "١/ ١٨٢" ونكت الهميان "ص: ١٨٠". ٣ هذا الأثر عن عمر -﵁- أورده ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب "٣/ ٩٣٥" في ترجمة ابن عباس ﵁، وقد أورده أبو الخطاب في كتابه التمهيد الورقة "٩/ أ"، بلفظ: "جاءكم الفتى الكهول ذو اللسان السئول والقلب العقول".
[ ١ / ٩١ ]
وروى عياض بن خليفة١ عن علي كرم الله وجهه٢ أنه سمعه يوم صفين٣ يقول: "إن العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في
_________________
(١) ١ أدرك عمر وعليًّا -﵄- وسمع منهما. روى عنه الزهري ويعقوب بن عتبة وغيرهما. له ترجمة في التاريخ الكبير للبخاري "٤/ ٢٠"، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم "٣/ ٤٠٧، ٤٠٨". ٢ هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف الهاشمي أبو الحسن، ابن عم النبي -ﷺ- وزوج ابنته، ورابع الخلفاء الراشدين، صحابي جليل، شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، حيث خلفه الرسول -ﷺ- في المدينة. ولد قبل البعثة بعشر سنين، ومات مقتولا سنة: ٤٠هـ. انظر ترجمته في: الاستيعاب "٣/ ١٠٨٩"، وأسد الغابة "٤/ ٩١"، والإصابة "٤/ ٢٦٩"، وتاريخ بغداد "١/ ١٣٣"، وتذكرة الحفاظ "١/ ١٠"، وخلاصة تهذيب الكمال "ص: ٢٣٢"، وشذرات الذهب "١/ ٤٩" وطبقات الحفاظ "ص: ٤"، وطبقات الفقهاء "ص: ٤١"، وطبقات القراء الكبار "١/ ٣٠"، والعبر "١/ ٤٦"، وغاية النهاية في طبقات القراء "١/ ٥٤٦"، والنجوم الزاهرة "١/ ١١٩". ٣ "يوم صفين" كان في غرة شهر صفر "سنة: ٣٧هـ"، وقد دارت فيه معركة حامية الوطيس بين علي بن أبي طالب -﵁- وبين معاوية بن أبي سفيان -﵁- وقد دارت هذه المعركة في موقع يسمى: "صفين" يقع بالقرب من الرقة بشاطئ الفرات بأرض العراق. ارجع في هذا إلى معجم ما استعجم للبكري "٣/ ٨٣٧"، والقاموس المحيط "٤/ ٢٤٢ " "مادة: صفن".
[ ١ / ٩٢ ]
الطِّحال، وأن النفس في الرئة"١.
وعن أبي هريرة٢ [٥/ ب] وكعب٣ أنهما قالا: العقل في القلب وأيضًا فإن العقل ضرب من العلوم الضرورية، ومحل العلم القلب.
وما ذكروه من زوال العقل بضرب الرأس، فلا يدل على أنه محله،
_________________
(١) ١ الأثر هذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد "٢/ ٣" مطبوع مع شرحه "فضل الله الصمد". وقد ذكره السيوطي في كتابه: "اللآلئ المصنوعة" "١/ ٩٧" عن البيهقي بسنده إلى عياض بن خليفة. وأورده أبو الخطاب في التمهيد الورقة "٩/ أ". ٢ هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أبو هريرة، صحابي جليل، راوية الإسلام. وقع خلاف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، ذكرها الحافظ ابن حجر في كتابه "الإصابة". كما وقع خلاف في سنة وفاته فقيل: "سنة: ٥٧"، وقيل: "٥٨"، وقيل: "٥٩"، وقد توفي بقصره بالعقيق، ثم حمل إلى المدينة. راجع ترجمته في: الاستيعاب "٤/ ١٧٦٨"، وأسد الغابة "٦/ ٣٠٦"، والإصابة "٧/ ١٩٩"، وتذكرة الحفاظ "١/ ٣٢"، وخلاصة تذهيب الكمال "ص: ٣٩٧"، وشذرات الذهب "١/ ٦٣"، وطبقات القراء الكبار للذهبي "١/ ٤٠"، والعبر "١/ ٦٢"، وغاية النهاية"١/ ٣٧٠"، والنجوم الزاهرة "١/ ١٥١"، وقد ألَّف الدكتور محمد عجاج الخطيب كتابًا أسماه" أبو هريرة رَاوِيةُ الإسلام"، وهو مطبوع ضمن سلسلة "أعلام العرب". كما ألف الأستاذ عبد المنعم صالح العلي كتابًا بعنوان: "دفاع عن أبي هريرة". ٣ هكذا في الأصل، وفي التمهيد لأبي الخطاب الورقة "٩/ أ": "أبي بن كعب"، ونحن نترجم له كما ورد في الأصل فنقول: هو كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي، أبو عبد الله، شاعر رسول الله -ﷺ- شهد العقبة الثانية، واختلف في شهوده بدرًا، أحد المخلفين عن غزوة تبوك، وقد عفا الله عنه وعن صاحبيه. توفي سنة: ٥٥هـ، وله من العمر سبع وسبعون سنة. انظر ترجمته في: الاستيعاب "٣/ ١٣٢٣"، والإصابة القسم الخامس "ص: ٦١٠" طبعة دار نهضة مصر، وشذرات الذهب "١/ ٦١".
[ ١ / ٩٣ ]
كما أن عصر الخصية يزيل العقل والحياة، ولا يدل على أنها محلها.
وقول الناس: إنه خفيف الرأس، وخفيف الدماغ، فهو أن يبس الدماغ يؤثر في العقل، وإن كان في غير محله، كما يؤثر في البصر، وإن كان في غير محله.
[ ١ / ٩٤ ]