وحدُّ العلم: معرفة المعلوم على ما هو به١.
_________________
(١) ١ هذا التعريف ذكره إمام الحرمين في كتابه: "البرهان" الجزء الأول الورقة "١٠/ ب"، ونسبه للقاضي أبي بكر الباقلاني، كما نسبه الغزالي إلى الباقلاني في كتابه: "المنخول" "ص: ٣٨". وقد ساق ابن عقيل في كتابه "الواضح" الجزء الأول الورقة "٢/ ب، ٣/ ب" كثيرًا من الحدود وناقشها، واختار التعريف القائل: "العلم هو وجدان النفس الناطقة للأمور بحقائقها". ولمزيد من الاطلاع راجع "التمهيد" لأبي الخطاب، الورقة "٦/ ب، ٧/ ب" فإنه اختار تعريفًا قريبًا من تعريف شيخه أبي يعلى، وانتصر له. وراجع أيضا: "شرح مختصر الروضة" الجزء الأول، الورقة "٣٢/ ب، ٣٣/ ب" و"المسودة" "ص: ٥٧٥" و"شرح الكوكب المنير" "ص: ١٧- ١٩".
[ ١ / ٧٦ ]
وقيل: تبين المعلوم على ما هو به١.
وقيل: إثبات المعلوم على ما هو به.
وقيل: إدراك المعلوم على ما هو به٢؛ لأن جميعه محيط بجميع جملة المحدود، فلا يدخل ما ليس منه، ولا يخرج ما هو منه.
والحد الأول أصح٣؛ لأن من حده: "بالتبين"٤، يبطل بعلم الله تعالى؛ لأنه لا يوصف بأنه مبين؛ لأن ذلك يستعمل في العلم الذي يحصل عقيب الشك ولا يجوز ذلك عليه، ومع هذا فهو عالم.
ومن يحده "بالإثبات" لا يصح؛ لأن الإثبات هو الإيجاد٥، ولهذا يقال: أثبت السهم في القرطاس.
ومن حده "بالإدراك"، لا يصح؛ لأنه يستعمل في أشياء مختلفة على طريق الحقيقة بالإدراكات الخمسة: الرؤية والسمع والشم والذوق والبلوغ، فثبت أنه يستعمل في غير العلم.
ولو قيل: "معرفة المعلوم"، ولم يقل "على ما هو به" كفى، ويكون ذلك تأكيدًا؛ لأن العلم لا يصح أن يتعلق بالمعلوم ويكون معرفة إلا على ما هو به، ولو تعلق به على ما ليس به لكان جهلا، وخرج عن كونه
_________________
(١) ١ هذا التعريف نسبه أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٦/ ب" إلى بعض الأشعرية. ٢ هذا التعريف نسبه أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٦/ ب" إلى بعض الأشعرية. ٣ هكذا اختار القاضي هذا التعريف هنا، مع أنه اختار تعريفًا آخر، هو بمعنى حد المعتزلة، ذكر ذلك عبد الحليم بن عبد السلام في "المسودة" "ص: ٥٧٥". ٤ في الأصل: "التبيين"، والصواب ما أثبتناه، ٥ يعني: أن "الإثبات" لفظ مشترك فهو مجمل في التعريف؛ ولذلك فالتعريف باطل. انظر "التمهيد" الورقة "٧/ أ".
[ ١ / ٧٧ ]
علمًا، فلهذا صح أن نقتصر على قوله: "معرفة المعلوم".
وإنما عدلنا عن القول بأنه: معرفة الشيء، إلى القول بأنه معرفة المعلوم؛ لأن: القول معلوم، أعم من: القول شيء؛ لأن الشيء لا يكون إلا موجودًا، والمعلوم يكون معدومًا وموجودًا، وقد ثبت أن المعدوم ليس بشيء
فإذا قيل: حده أنه: معرفة الشيء، خرج العلم بالمعدوم الذي ليس بشيء عن أن يكون علمًا وانتقض الحد؛ لأنه علم بما ليس بشيء، فوجبت الرغبة لما ذكرنا عن ذكر "الشيء" إلى ذكر "المعلوم".
والدلالة على أن حده ما ذكرنا أن كل من عرف العلم فقد علم أنه معرفة، وأنه هو الذي لأجله كان العالم عالِمًا، وكل من عرف المعرفة التي صار العالم عالِمًا بها فقد عرف العلم علمًا، فكان حدًّا صحيحًا [٣/ ب] كما أن حد المحدث لما كان هو الموجود عن عدم، كان كل من عرفه موجودًا عن عدم، فقد علم أنه محدث.
وقالت المعتزلة١ [حَدُّ] ٢ العلم: "اعتقاد الشيء على ما هو به فقط".
_________________
(١) ١ المعتزلة إحدى الفرق الْمُبَدَّعة التي خالفت أهل السنة في كثير من أصول العقيدة وفروعها، وقد تعددت فرقها حتى بلغت عشرين فرقة، سميت بهذا الاسم؛ لأن رئيسها "واصل بن عطاء الغزال" كان يرى أن الفاسق بين منزلتين لا كافر ولا مؤمن، ولما سمع منه الحسن البصري هذا طرده من مجلسه، فاعتزل عند سارية من سواري المسجد، وانضم إليه عمرو بن عبيد، فلما اعتزلا قيل لهما ولمن تبعهما معتزلة. راجع: "الفرق بين الفرق" "ص: ٢٤، ١١٤، ٢٠١"، و"الْمِلَلَ والنِّحَل" للشهرستاني "١/ ٤٣- ٨٥". ٢ غير واضحة في الأصل، ولكن السياق يدل عليها.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال بعضهم: اعتقاد الشيء على ما هو به على غير [وجه] ١ الظن والتقليد.
وقال آخرون منهم: حَدُّه اعتقاد الشيء على ما هو به، إذا وقع عن ضرورة أو دليل.
وقال آخرون منهم: اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إلى معتقده.
وكل هذه الحدود باطلة؛ لأن من قال: اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، يوجب أن يكون المخمن والظّان -إذا اعتقد الشيء على ما هو به- عالِمًا باعتقاد ذلك الشيء، وهذا باطل؛ للاتفاق على أن العالم٢ لا يجوز كونه على غير ما علمه، والظان بكون الشيء يجد من نفسه تجويز كونه على خلاف من ظنه وتوهمه؛ ولأنه يبطل قوله وقول من قال: إذا وقع عن ضرورة أو دليل، وقول من قال: "مع سكون النفس" بعلم الله تعالى؛ لأنه عالم وليس بمعتقد، ولا علمه عن ضرورة ولا عن سكون النفس.
وعلى أن النفس عندهم هي الجملة المحسوسة، وسكون الجملة هو سكون مكان، وذلك يقتضي أن الإنسان إذا كان ساكن الجملة كان عالِمًا، وإذا لم يكن متحركًا فلا يكون عالِمًا، وذلك باطل.
وعلى أن السكون يستعمل في زوال الغم وحصول الأنس، وهذا يقتضي أن يكون الإنسان إذا زال غمه وأنس فهو عالم، وذلك باطل.
_________________
(١) ١ غير واضح في الأصل، ولكن السباق واللحاق يدلان عليها. ٢ هكذا في الأصل، ولعل الصواب: "العلم".
[ ١ / ٧٩ ]