وذكر أصحابنا أنه يصح أن يكون عقل أكمل من عقل وأرجح.
فقال أبو محمد البربهاري في "شرح السنة": العقل مولود أعطي كل إنسان من العقل ما أراده الله تعالى، يتفاوتون في العقول مثل الذرة في السموات، ويطالب كل إنسان على قدر ما أعطاه الله تعالى من العقل.
وذكره أبو الحسن التميمي في كتاب "العقل" خلافًا للمتكلمين من المعتزلة والأشعرية٢ في قولهم: لا يصح أن يكون عقل أكمل من عقل وأرجح.
والدلالة على صحة ذلك: ما روى أبو الحسن في كتاب "العقل" بإسناده عن طاوس٣، قال: قال رسول الله -ﷺ- حين قضى بين
_________________
(١) ١ راجع في هذا الفصل الواضح الجزء الأول الورقة "٦/ ب"، والتمهيد الورقة "٩/ أ- ب" والمسودة "ص: ٥٦٠"، وشرح الكوكب المنير "ص: ٢٥". ٢ الأشعرية: سميت بذلك، نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، الذي ينتسب إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ﵁. انظر: الملل والنِّحل للشهرستاني "١/ ٩٤". ٣ هو طاوس بن كيسان الخولاني، الفارسي الأصل، الهمداني بالولاء، اليمني الولادة والمنشأ، أبو عبد الرحمن، تابعي جليل، فقيه ومحدث، أدرك نحوًا من خمسين صحابيًّا، ولد سنة: ٣٣هـ، وتوفي حاجًّا بمنى سنة: ١٠١هـ، وقيل سنة: ١٠٤ =
[ ١ / ٩٤ ]
المهاجرين والأنصار: "تبارك الذي قسم العقل بين عباده واستأثر، إن الرجلين تستوي أعمالهما وبرهما وصلاتهما وصومهما، ويفترقان في العقل حتى يكون بينهما كالذرة في جنب أحد"١.
وروى أبو الحسن بإسناده عن أنس٢ قال: جاء ابن سلام٣ إلى
_________________
(١) = انظر ترجمته في: التاريخ الصغير للبخاري "ص: ١١٥"، تذكرة الحفاظ "١/ ٩٠"، وتعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس الورقة "٥/ ب"، وتهذيب التهذيب "٥/ ٨"، والثقات لابن حبان "ص: ١٢١"، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم "ج:١، ق١، ص: ٥٠٠"، وخلاصة تذهيب الكمال "ص: ١٥٣"، وشذرات الذهب "١/ ١٣٣"، وطبقات ابن سعد "٥/ ٣٩١"، وطبقات الفقهاء للشيرازي "ص: ٧٣"، وغاية النهاية "١/ ٣٤١"، واللباب "١/ ٢٤١"، والنجوم الزاهرة "١/ ٢٦٠"، ووفَيَات الأعيان "٢/ ١٩٤". ١ هذا الحديث أخرجه الحكيم الترمذي في كتابه "نوادر الأصول" "ص: ٢٤٢"، عن طاوس عن ابن عباس -﵄- وتمامه عنده: "وما قسم الله تعالى لخلقه حظًّا هو أفضل من العقل واليقين". وقد أورده القاضي أبو يعلى عن أبي الحسن التميمي بسنده إلى طاوس مرسلا، وأبو الحسن التميمي وضَّاع، كما سبق بيان ذلك. ٢ هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، أبو حمزة، خادم رسول الله -ﷺ- قدم النبي -ﷺ- المدينة وعمره عشر سنين على الراجح، ومات بالبصرة "سنة: ٩١هـ" أو "٩٢هـ" أو "٩٣هـ". له ترجمة في: الاستيعاب "١/ ١٠٩"، وأسد الغابة "١/ ١٥١"، والإصابة "١/ ٧١"، وتذكرة الحفاظ "١/ ٤٤"، وخلاصة تذهيب الكمال "ص: ٣٥"، وشذرات الذهب "١/ ١٠٠"، وكتاب الطبقات لخليفة بن خياط "ص: ٩١"، وطبقات الحفاظ "ص: ١١"، وطبقات الفقهاء "ص: ٥١"، وغاية النهاية في طبقات القراء "١/ ١٧٢". ٣ هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، أبو يوسف، أحد الأحبار، أسلم عند قدوم النبي -﵊- المدينة. توفي بالمدينة في خلافة معاوية -﵁- سنة: ٤٣هـ. انظر ترجمته في: الاستيعاب "٣/ ٩٢١"، وأسد الغابة "٣/ ٢٦٤" والإصابة "٤/ ٨٠". وتذكرة الحفاظ "١/ ٢٦"، وخلاصة تذهيب الكمال "ص: ١٧٠"، وشذرات الذهب "١/ ٥٣" والنجوم الزاهرة "١/ ١٢٥".
[ ١ / ٩٥ ]
النبي -ﷺ- فذكر الخبر إلى أن [قال]: قال النبي -ﷺ: "قال الله تعالى: إني خلقت العقل أصنافًا شتى كعدد الرمل، فمن الناس من أعطي من ذلك حبة واحدة، وبعضهم الحبتين، والثلاث، والأربع، وبعضهم من أعطي فرقًا١، وبعضهم أعطي وسقًا٢، وبعضهم وسقين، وبعضهم أكثر من ذلك ما شاء الله من التضعيف"٣.
وروى٤ عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إنا معشر الأنبياء أمرنا أن
_________________
(١) ١ الفرَْق: مكيال بالمدينة يسع ثلاثة أصع وهو بسكون الراء ويحرك وهو أفصح من إسكان الراء - أو يسع ستة عشر رطلا أو أربعة أرباع جمع فرقان كبَطْنان. القاموس: "مادة: فرق". ٢ الوَسْق ستون صاعًا، أو حمل بعير. القاموس: "مادة: وسق". ٣ هذا الحديث أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" "ص: ٢٤٢" مع اختلاف يسير في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان. وقد ذكره حجة الإسلام الغزالي في كتابه: "إحياء علوم الدين" "١/ ٤٦٩" مطبوع مع شرحه إتحاف السادة المتقين، ذكره مستدلا به على تفاوت العقل، وقد علق عليه الزبيدي في شرحه المذكور بقوله: "قال العراقي: رواه داود بن المحبر في كتاب العقل بسنده عن أنس بن مالك، مع اختلاف يسير في النص". قلت: وداود بن المحبر هالك، وسيأتي الكلام عنه "ص: ٩٨". وقد ذكره ابن عراق في كتابه: تنزيه الشريعة "١/ ٢١٩" ضمن الأحاديث الموضوعة في "العقل". ٤ الضمير في "روى" يعود إلى أبي الحسن التميمي كما صرح بذلك أبو الخطاب في كتابه "التمهيد" الورقة "٩/ ب" وكذلك الشأن في ضمير "روى" الآتية.
[ ١ / ٩٦ ]
نكلم١ الناس على قدر عقولهم"٢. وروى يزيد عن أبي زياد٣ عن ابن عباس قال: "العقل عشرة أجزاء، تسعة في الأنبياء وواحد في سائر الناس"٤.
_________________
(١) ١ في الأصل: "نكل" بحذف الميم. وهو خطأ. ٢ بعد البحث الطويل لم أجد حديثًا بلفظ: "إنا معشر الأنيباء أمرنا أن نكل الناس على قدر عقولهم" ولكن الذي وجدته هو: "أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم"، فبان أن في النسخة المخطوطة غلطًا، وذلك بحذف حرف الميم من كلمة "نكلم"، فأصبحت: "نكل". وهذا الحديث: "أمرنا أن نكلم " ذكره الغزالي في كتابه: "إحياء علوم الدين" "١/ ٩٦"، وفي الحاشية: قال العراقي: حديثُ "نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم. ونكلمهم على قدر عقولهم" رويناه في جزء من حديث أبي بكر الشخير من حديث عمر أخصر منه. وعند أبي داود من حديث عائشة "أنزلوا الناس منازلهم". وبهذا اللفظ الذي ذكره العراقي عن أبي دواد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب باب في تنزيل الناس منازلهم "٢/ ٥٦٠"، وقد أخرجه عن يحيى بن إسماعيل بسنده إلى ميمون بن أبي شبيب عن عائشة مرفوعًا. ثم عقب عليه أبو داود بقوله: "وحديث يحيى مختصر. وميمون لم يدرك عائشة". وقد أورد هذا الحديث أبو الخطاب في التمهيد الورقة "٩/ ب" نقلا عن أبي الحسن التميمي بسنده إلى ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب الناس على قدر عقولهم". ولا يصح شيء من هذا في المرفوع، وإنما هو من قول علي -﵁- كما في صحيح البخاري برقم: ١٢٧. "الفتح". ٣ هو يزيد بن أبي زياد الكوفي، قال فيه ابن حبان: "صدوق إلا أنه كبر وساء حفظه، وكان يتلقن". وقال فيه الذهبي: "أحد علماء الكوفة المشاهير على سوء حفظه". وقد أخرج له مسلم مقرونًا بآخر. وقال فيه يحيى: "لا يحتج به". وقال ابن المبارك: "ارم به". توفي سنة: ١٣٦هـ، وله تسعون سنة تقريبًا. انظر ترجمته في: خلاصة تذهيب الكمال "ص: ٣٧١"، وشذرات الذهب "١/ ٢٠٦"، وطبقات الحفاظ "ص: ٦١"، وطبقات ابن سعد "٦/ ٢٣٧"، والعبر "١/ ١٨٧"، والمغني في الضعفاء "٢/ ٧٤٩"، وميزان الاعتدال "٤/ ٤٢٣". ٤ أورد هذا الأثر أبو الخطاب في التمهيد الورقة "٩/ ب"، ولم أجده في غيره.
[ ١ / ٩٧ ]
وهذه الأخبار كلها تدل على التفاضل في العقول١.
ولأنه إجماع الناس؛ فإنه مستفيض فيهم القول بأن أحد العاقلين أكمل عقلا وأوفر وأرجح من الآخر. قال بعضهم:
_________________
(١) ١ هذه الأحاديث لا تدل على شيء؛ لأنه لم يثبت منها شيء، وكونها حجة فرع ثبوتها. وأحاديث العقل حكم عليها المحدِّثون بالوضع، وأنه لم يصح منها شيء، ولذلك قال ابن الجوزي في كتابه الموضوعات "١/ ١٧٧": "وقد رويت في العقول أحاديث كثيرة، ليس فيها شيء يثبت"، كما قال الحافظ ابن حجر فيما نقله عنه ابن عراق في كتابه تنزيه الشريعة "١/ ٢١٣": "أحاديث في العقل أخرجها داود بن المحبر في كتاب العقل، ومن طريقه الحارث بن أسامة، وكلها موضوعة، كما قال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية". ويصرح الدارقطني بأن كتاب العقل وضعه أربعة. أولهم: ميسرة بن عبد ربه، ثم سرقه منه: داود بن المحبر، فركبه بأسانيد أخرى غير مسانيد ميسرة. وكذلك فعل: عبد العزيز بن أبي رجاء وسليمان بن عيسى السجزي. راجع الموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٧٦". كل واحد من هؤلاء الأربعة مشهور بالوضع والكذب، ولمزيد من الفائدة راجع في ترجمة: ١ مسيرة بن عبد ربه الفارس، تنزيه الشريعة لابن عراق "١/ ١٢١"، وكتاب المغني في الضعفاء للذهبي "٢/ ٦٨٩"، والموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٧٣"، وميزان الاعتدال "٤/ ٢٣٠". ٢ داود بن المحبر، راجع في ترجمته: تنزيه الشريعة "١/ ٥٩"، والمغني في الضعفاء "١/ ٢٢٠"، والموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٧٦"، وميزان الاعتدال "٢/ ٢٠". ٣ عبد العزيز بن أبي رجاء، راجع في ترجمته: تنزيه الشريعة لابن عراق "١/ ٨٠"، والموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٧٦"، وميزان الاعتدال "٢/ ٦٢٨". ٤ أما سليمان بن عيسى السجزي فراجع في ترجمته: تنزيه الشريعة "١/ ٦٥"، والمغني في الضعفاء "١/ ٢٨٢"، والموضوعات لابن الجوزي "١/ ١٧٣"، وميزان الاعتدال "٢/ ٢١٨".
[ ١ / ٩٨ ]
يزين الفتى في الناس كثرة عقله وإن لم يكن في أهله بحسيب١
فإن قيل: إنما يقال ذلك على معنى أنه أكثر استعمالا لعقله وتيقظًا وتحذرًا.
قلنا: إنما كان أكثر استعمالا؛ لوفور عقله على غيره، ولقلة عقل غيره، أنه لم يكثر استعماله لعقله.
ويدل على ذلك ما روى أبو هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "ما وجد من ناقصات العقول والأديان أغلب للرجال ٢ ذوي [٦/ أ] الرأي ٣ على أمورهم من النساء، قالوا: يا رسول الله، ما نقصان عقلها ودينها؟ قال: أما نقصان عقلها فجعل الله تعالى شهادة امرأتين برجل، وأما نقصان دينها فإنها تمكث الثلاث والأربع لا تصلي لله تعالى فيها سجدة ٤ ". وهذا يدل على
_________________
(١) ١ ذكر الناسخ بالحاشية البيت الذي يلي هذا البيت، وهو: إذا حلً أرضًا عاش فيها بعقله وما عاقل في بلدة بغريب هذان البيتان ذكرهما ابن أبي الدنيا في كتابه "العقل وفضله" "ص: ٢٣" ولم ينسبهما إلى أحد. وقد أوردهما على النحو التالي: يعد عظيم القدر من كان عاقلا وإن لم يكن في فعله بحسيب وإن حلّ أرضًا عاش فيها بعقله وما عاقل في بلدة بغريب وبعد طول البحث لم أقف على قائل هذين البيتين ٢ في الأصل: "للرجل". ٣ هكذا في الأصل، ولكن أغلب روايات الحديث جاءت بلفظ: "أغلب لذي لب منكن"، وفي سنن الدارمي في كتاب الوضوء باب الحائض تسمع السجدة فلا تسجد "١/ ١٩٠" جاء الحديث بلفظ: "أغلب للرجال ذوي الأمر على أمرهم من النساء". ٤ هذا الحديث روي بألفاظ متعددة، بل مختلفة أحيانًا، قلة وكثرة، تقديمًا وتأخيرًا، انظر صحيح البخاري في كتاب الحيض، باب ترك الحائضِ الصومَ "١/ ٧٩"، وكتاب الصوم، باب الحائض تترك الصوم والصلاة "٣/ ٤٣" وصحيح مسلم في =
[ ١ / ٩٩ ]
نقصان عقل النساء عن عقول الرجال مع وصفهن بالعقل.
واحتج من منع ذلك:
بأن العقل من العلوم الضرورية، وتلك لا تختلف في حق عاقل.
والجواب: أن تلك العلوم لم يختلف ما يدرك به من النظر والشم والذوق، فلهذا لم تختلف هي في أنفسها، وليس كذلك العقل؛ لأنه يختلف ما يدرك به وهو التمييز والفكر، فيقل في حق بعضهم ويكثر؛ فلهذا اختلف.
واحتج بأنه لو كان أحدهما أكمل من الآخر لم يحصل لغير الكامل الغرض، وهو تأمل الأشياء ومعرفتها؛ لأجل النقصان الذي منه.
والجواب: أنه إنما لا يحصل له الغرض الكامل؛ لأنا نجد أن من لم يكمل عقله لا تكمل أحواله، ولا يبلغ جميع أغراضه، ومن الكامل عقله بلغ أكثر أغراضه وأكمل أكثر أحواله.
[ ١ / ١٠٠ ]