فصل: [الكلام وأقسامه]:
والكلام في اللغة: عبارة عن أصوات وحروف. وقد نص أحمد -﵀- على هذا في كلام الله تعالى، وأن الله تعالى تكلم بصوت، في رواية يعقوب بن بختان١ والمروذي٢ وعبد الله٣.
وقال الأشعرية: الكلام معنىً قائم في النفس يعبر عنه بهذه الأصوات المقطعة. والكلام في هذا يأتي في باب الأوامر٤.
_________________
(١) ١ في الأصل: "بجيان" بدون إعجام، والصواب "بختان" كما أثبتنا. وفي المسودة "ص: ٩٠/ ٤٨١": بجيان، وهذا خطأ أيضًا. وهو: يعقوب بن إسحاق بن بختان، أبو يوسف. كان صالِحًا ثقة. من أصحاب الإمام أحمد الذين تفقهوا عليه، ونقلوا عنه، وبخاصة في الورع. له ترجمة في: "طبقات الحنابلة" "١/ ٤١٥". ٢ في الأصل: "المرودي" بدون إعجام، والصواب: المروذي، كما أثبتناه. وهو: أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز، أبو بكر المروذي، أحد أصحاب أحمد الفضلاء، الموصوفين بالورع والزهد. كان مقربًا عند الإمام أحمد. نقل كثيرًا من المسائل عنه. له ترجمة في: "طبقات الحنابلة" "١/ ٥٦". ٣ المراد: عبد الله بن أحمد بن حنبل، وقد سبقت ترجمته "ص: ١٣٤". ٤ وذلك "ص: ٢١٤- ٢٢٣".
[ ١ / ١٨٥ ]
وإذا ثبت هذا فالكلام على ثلاثة أوجه: اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل.
فالاسم: مأخوذ من السمة، وهي العلامة؛ وحقيقته: ما أفاد معنىً غير مقترن بزمان مخصوص، والأسماء على وجوه يأتي شرحها.
والفعل -على ما يذكره النحويون- فإنه عبارة عما دلَّ على زمان محدود.
والحرف: هو عبارة عن شيئين: أحدهما معنىً، والآخر عبارة.
فالمعنى: هو الحرف الذي هو طرف الشيء ونهايته، ومنه: حرف الوادي.
والثاني: ما يقصد به النحْويون، وهو ما أفاد معنىً في غيره.
فهذا تقسيم كلام العرب. وقد ذكر بعضهم تقسيمه على المعاني، فحصره بستة عشر وجهًا، فقال: الأمر وما في معناه، وهو السؤال والطلب والدعاء، ومن ذلك النهي ويدخل فيه الإخبار والجحود والقسم والأمثال والتشبيه وما أشبه ذلك، ومنه الاستخبار، والنهي منه الإخبار والاستفهام١.
_________________
(١) ١ النص في الأصل مشوش، والستة عشر وجهًا التي يشير المؤلف إليها هي: الأمر، والنهي، والخبر والاستخبار، والطلب، والجحود، والتمني، والإغلاظ، والتلهف، والاختبار، والقسم، والتشبيه، والمجازاة، والدعاء، والتعجب، والاستثناء. انظر في تقسيم الكلام عند العرب: "الصاحبي في فقه اللغة" لابن فارس "ص: ١٧٩- ١٨٨" و"الأمالي الشجرية" "١/ ٢٧٧- ٢٨١"، و"الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي "٣/ ٢٥٦" وما بعدها، و"همع الهوامع" للسيوطي أيضًا "١/ ١٢".
[ ١ / ١٨٦ ]
والأسماء على وجوه: منها: أعلام وألقاب وضعت في اللغة للتمييز بين المسمى وغيره، تقوم مقام الإشارة إلى الغير مثل: زيد وعمرو.
ومنها: ما وضع لإفادة صورة وبنية مخصوصة، مثل: إنسان.
ومنها: ما وضع لإفادة جنس مثل: علم وإرادة.
ومنها: ما وضع لإفادة أمر تعلق بالمسمى مثل: والد وأخ، وفوق وتحت.
والاسم المفيد لمعنىً يتعلق بالمسمى، قد يكون على وجه الاشتقاق، مثل قولنا: مقتول ومضروب. ومنه ما هو مشتق مثل قولنا: قاتل وضارب.
وقد يتفق الاسمان في الصورة والدلالة، مثل قولنا: الوطء بالنكاح وبملك اليمين حلال.
وقد يتفق الاسمان في الصورة ويختلفان في المعنى مثل: القرء، يراد به الحيض والطهر.
وقد يختلفان في اللفظ والمعنى مثل قولنا: الخمر محرمة، والخل مباح.
وقد يختلفان في الصورة ويتفقان [١٥/ ب] في المعنى، مثل زكاة وصدقة.
والأسماء على ضربين: منه ما هو عام، ومنه ما هو خاص.
فالعام على ضربين: منه ما هو عام ليس فوقه ما هو أعم منه.
ومنه ما هو عام بالإضافة إلى ما هو أخص منه، وإن كان خاصًّا فبالإضافة إلى ما هو فوقه.
فالعام الذي ليس فوقه أعم منه مثل معلوم ومذكور.
والخاص الذي هو عام في نفسه مثل قولنا: عَرَض، هو عام في
[ ١ / ١٨٧ ]
جميع الأجناس، وهو خاص بالإضافة إلى قولنا: معلوم ومذكور.
والخاص الذي هو في الحقيقة خاص، مثل أسماء الأعيان.
وإذا كان الاسم عبارة عن شيئين متضادين جاز أن يكون حقيقة فيهما، مثل أسماء الأضداد.
وكذلك إن عبَّر عن مسمين مختلفين، مثل قولنا للباري تعالى: عالم، وللمحدث: عالم.
والأسماء المشتقة التي هي مقيدة على ضربين:
منها ما هو مشتق من معاني متماثلة، مثل قولنا: أسود.
ومنها: ما هو مشتق من معنى وصفة لا يجب تماثلها، مثل متلوّن. فالأسماء التي ليست بمشتقة منها: ما يتفق لفظه ومعناه، مثل: سواد وسواد.
ومنها: ما يتفق لفظه ويختلف معناه، مثل جارية للعين المعروفة، وجارية للسفينة.
والمقيد من الأسماء على ضربين: منه ما هو حقيقة في بابه، ومنه ما هو مجاز.
فالحقيقة: هو اللفظ المستعمل في موضعه.
والمجاز: هو اللفظ المعدول عن جهته.
والاسم متى كان مشتركًا في أشياء، مفيدًا في جميعها فائدة واحدة، حمل على جميعها كاللون. فإن كان يفيد في أشياء مختلفة، فقد قيل: لا تحمل على جميعها وشبهه بعضهم به إذا قال: "أوصيت لموالي فلان"، وله مولى أعلى ومولى أسفل، لم يحمل عليهما لتنافي معناهما؛ لأن أحدهما منعِم، والآخرُ منعَمٌ عليه.
[ ١ / ١٨٨ ]
ولا يجوز حمل الاسم على معنيين مختلفين أحدهما حقيقة والآخر مجاز، إذ لا يحمل على الصريح والكناية. وهذا إجماع الصحابة حين لم يحملوا اسم القرء على الأمرين، ولو حمل اللفظ عليهما لم يتمنعوا منه من غير دلالة.
[ ١ / ١٨٩ ]