لكل مؤلف منهج، صرح به في كتابه، أو أدركه القارئ بطريق الاستقراء والتتبع، والسواد الأعظم من العلماء الأقدمين، لا يصرح بمنهجه ومن هؤلاء القاضي أبو يعلى، لذلك سوف نتلمس منهجه من خلال كتابه، موجزين ذلك فيما يلي:
أولا: نهج المؤلف في كتابه نهج المقارنة بين الآراء الأصولية في
[ ١ / ٣٤ ]
كتابه، ولم يقتصر على إيراد المذهب الحنبلي.
ثانيا: حرص المؤلف كل الحرص على بيان المذهب الحنبلي، وبسطه في كل مسألة تعرض لها.
ثالثا: الدقة في عزو الآراء إلى الإمام أحمد، هل ذلك بطريق النص أو بطريق الإشارة، أو بطريق الإيماء.
رابعا: كان يحاول إشراك القارئ في كيفية استخراج نسبة القول إلى الإمام أحمد، حيث كان يورد اللفظ المنقول عنه، ثم يبين من أين أخذ رأي الإمام أحمد، وكيف أخذه.
خامسا: كان المؤلف لا يأخذ الروايات عن الإمام أحمد عشوائية، بل كان يربط كل رواية بمن نقلها عنه من أصحابه فيقول مثلا: روى صالح، روى عبد الله ، حتى يعطي القارئ الثقة فيما ينقل.
سادسا: لم يقتصر المؤلف على نقل روايات واحدة في المسألة، بل كان ينقل كثيرا من الروايات، وإن اختلفت، ثم يشرع بعد ذلك في ترجيح الروايات على بعض، مع بيان أن الأخذ بهذه هو الأليق بمذهب الإمام أحمد، وهكذا
سابعا: كان من منهج المؤلف مناقشة الآراء، واختيار واحد منها مدعوما بالحجة والبرهان.
ثامنا: عند عرضه لمسألة من المسائل، فإنه يرتب عرضها على الشكل الآتي، ماهية المسألة، الرأي المختار، الآراء الأخرى، أدلة الرأي المختار، ذكر الاعتراضات الواردة على أدلة الرأي المختار والرد عليها، وأدلة الآراء الأخرى والرد عليها.
تاسعا: إذا كانت المسألة متشعبة، فصل القول فيها، وحرر محل
[ ١ / ٣٥ ]
النزاع وبيَّنه، حتى يكون الكلام واضحًا في المسألة.
عاشرًا: إن لم يكن في الخلاف ثمرة، بل كان خلافًا لفظيًّا، بيَّن ذلك المؤلف ووضحه.
حادي عشر: كان استدلال المؤلف في المسائل التي تكلم عنها بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وآثار الصحابة، وما ورد عن العرب شعرًا ونثرًا، وما نقل عن أئمة اللغة من أقوال.
ثاني عشر: عني المؤلف بإيراد -بالإضافة لأقوال الحنابلة- أقوال الشافعية، والحنفية، والأشعرية والمعتزلة في معظم المباحث التي تكلم فيها، على عكس ما فعل مع المالكية، والظاهرية، فقد كان ورودهما قليلا.
ثالث عشر: يحرص المؤلف على عدم التكرار إلا في النادر، فإذا ما وجد أن الكلام يتماثل في موضعين، أحال الكلام في الأخير على الكلام في الأول، كما فعل في صيغة كل من الأمر، والنهي، والإخبار، وكما صنع في الفورية في النهي، والتكرار فيه، حيث أحال الكلام هنا إلى الكلام في الأمر.
رابع عشر: قد بيَّن المؤلف منشأ الخلاف في مسألة أو أكثر.
خامس عشر: ربما أعاد المؤلف الكلام في بعض المسائل إلى أصل من الأصول، ثم يأخذ يفصل القول بناءً على ذلك الأصل.
سادس عشر: وأولا وأخيرًا كان من منهج القاضي في هذا الكتاب وغيره المناقشة الهادئة، بعيدة عن كل ما يخل بآداب البحث والمناظرة.
[ ١ / ٣٦ ]