بعد حياة حافلة بالعمل والنشاط والانجازت العلمية العظيمة، يسلم القاضي أبو يعلى الروح، وترجع النفس إلى بارئها، في ليلة الاثنين تاسع عشر من شهر رمضان الكريم من عام ثمان وخمسين وأربعمائة هجرية، بمدينة بغداد، وصلى عليه ابنه أبو القاسم يوم الاثنين في جامع المنصور١، ودفن بمقبرة باب حرب٢.
وقد عطلت الأسواق، وتبع جنازته جماعة الفقهاء والقضاة والشهود، وخلق لا يحصون، على رأسهم القاضي أبو عبد الله الدامغاني، ونقيب الهاشميين، وأبو الفوارس، ومنصور بن يوسف، وأبو عبد الله بن جردة٣.
وكان قد أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر، وأن يكفن في ثلاثة أثواب، وأن لا يدفن معه في القبر غير ما غزله لنفسه من الأكفان، ولا يخرق عليه ثوب، ولا يقعد لعزاء٤.
ولا شك أن وفاته أحدثت ضجة عظيمة، وفراغًا كبيرًا لدى طلاب العلم والمعرفة، وبخاصة طلابه، وقد عبر تلميذه علي بن أخي نصر عمَّا يجيش في نفسه ونفوس زملائه من لوعة الحزن وألم الفراق، فاسمعه وهو يقول:
أسف دائم وحزن مقيم لمصاب به الهدى مهدوم
_________________
(١) ١ "طبقات الحنابلة" "٢/ ٢١٦"، والمراجع التي ذكرناها في ترجمته من قبل فلا داعي لسردها هنا. ٢ "تاريخ بغداد" "٢/ ٢٥٦"، و"المنتظم" "٨/ ٢٤٤". ٣ "المنتظم" "٨/ ٢٤٤". ٤ المرجع السابق.
[ ١ / ٢٧ ]
مات نجل الفراء أم رجت الأر ض أم البدر كاسف والنجومُ؟
لهف نفسي على إمام حوى الفضـ ـل وهو بالمشكلات عليمُ
خلق طاهر ووجه منير وطريق إلى الهدى مستقيم
كان للدين عدة ولأهل الد ين في النائبات خل حميم
من يكن للدرس بعدك أم من لجدال المخالفين يقوم؟
من لفهم الحديث والطرق يستو ضح منه صحيحه والسقيم
من لفصل القضاء إن أشكل الحكـ ـم وضجت بالنازلات الخصوم
درست بعده المدارس فالعلـ ـم طريد وحبله مصروم
هكذا يذهب الزمن ويفنى العلـ ـم فيه ويجهل المعلوم
إن قبرًا حواك يا أيها الطو د عجيب رحب الفناء عظيم
إن يكن شخصه محته يد الدهـ ر فذكراه في الدهور مقيم
فتُحيا بذكره كل وقت ومحياه في الترب رميم
آمري بالسلو مهلا ففي القلـ ـب غرام مبرح ما يريم
كلما رمت سلوة هيج الحز ن صنيع له وفعل كريم
غير أن القضاء جار على الخلـ ـق قضاء من ربهم محتوم
فعلى الشامتين خزي مقيم وعليه الصلاة والتسليم١
وقد رثاه أيضًا محمد بن المسبح بهذه الأبيات:
مات السدى والندى والمجد المكرم والعالم اليقظ المستبصر العلم
مات الإمام أبو يعلى الذي ندبت لفقده الكعبة الغراء والحرم
يا أيها العالم الحبر الذي كسفت شمس الهدى بعده بل عادها الظلم
لولاك ما كان للدنيا وساكنها معنىً ولا عرفت طرق الهدى الأمم
ولا روى عن سول الله مأثرة ولا قضى بصحيح غير فِيكَ فم
لم يبلغ الحنبلي الحبر مرتبة إلا على رأسها من جسمك القدم
_________________
(١) ١ "طبقات الحنابلة" "٢/ ٢١٧، ٢١٨".
[ ١ / ٢٨ ]
أوضحت سبل الهدى من بعد ما درست عن الورى فقدتك العرب والعجم
مادت بنا الأرض وارتجت بساكنها لما قبرت وكاد الدين ينهدم١
_________________
(١) ١ "المرجع السابق" "٢/ ٢٢١، ٢٢٢"، ويلاحظ أن في القصيدة مبالغة غير جائزة شرعًا.
[ ١ / ٢٩ ]