وأما ما يقع به البيان فهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والبيان يقع من الله تعالى بالقول وبالكتاب، فالقول نحو: سائر الفروض المعقول معانيها من ظاهر الخطاب. ويقع بالكتاب أيضًا؛ لأن القرآن كلام الله تعالى. وكتابه في اللوح
[ ١ / ١١٠ ]
المحفوظ وفي غيره، فيقع منه البيان بهذين الوجهين، فيكون منه تخصيص العموم، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١، خص منه المحرمات بالآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ٢، ونحو بيان الجملة كقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ٣، ثم بينه بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٤.
ويكون منه أيضًا: بيان مدة الفرض، وهو نسخ [نحو] قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ٥، ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦، ونحو قوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ٧، ثم نسخ منه ما عدا أربعة الأشهر والعشر، بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ٨.
وكان حد الزانيين الحبس والأذى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ ٩، إلى آخره، ثم قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١٠، فنسخ به الحبس
_________________
(١) ١ " ٣" سورة النساء. ٢ " ٢٣" سورة النساء. ٣ " ٧" سورة النساء. ٤ "١١ " سورة النساء. ٥ "١٤٤ " سورة البقرة. ٦ "١٤٩ " سورة البقرة. ٧ "٢٤٠ " سورة البقرة. ٨ "٢٣٤ " سورة البقرة. ٩ "١٥ " سورة النساء. ١٠ "٢ " سورة النور.
[ ١ / ١١١ ]
والأذى المذكورين في الآية الأخرى من غير المحصن.
ويكون البيان من الرسول بالقول. نحو سائر السنن المبتدأة، ونحو تخصيصه لعموم القرآن، عن بيع ما ليس عنده١، وبيع ما لم يقبض٢.
_________________
(١) ١ حديث النهي عن بيع ما ليس عنده، صحيح، رواه حكيم بن حزام -﵁- أخرجه عنه أبو داود في كتاب التجارة، باب الرجل يبيع ما ليس عنده "٢/ ٢٥٤". وأخرجه عنه الترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك "٣/ ٥٢٥"، وقال: "حديث حسن". وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب النهي عن بيع ما ليس عندك "٢/ ٧٣٧". وأخرجه الطيالسي في "مسنده" عنه في كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الولاء والمحاقلة والمزابنة وبيع ما ليس عنده "١/ ٢٦٤". وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الطعام قبل قبضه "٢/ ١٥٦". ورواه أيضًا عبد الله بن عمرو -﵁- أخرجه عنه أبو داود في الكتاب والباب المذكورين آنفًا. وأخرجه عنه الترمذي في الكتاب والباب المذكورين "٣/ ٥٢٦"، وقال "حديث حسن صحيح". وأخرجه عنه النسائي في الموضع السابق "٧/ ٢٥٩". وأخرجه ابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "٢/ ٧٣٧". راجع في ذلك أيضًا: "تلخيص الحبير" "٣/ ٥"، و"تيسير الوصول إلى جامع الأصول" "٢/ ٥٤" و"ذخائر المواريث" "١/ ١٩٨"، و"نصب الراية" "٤/ ١٨"، ومجمع الزوائد" "٤/ ٨٥". ٢ حديث النهي عن بيع ما لم يقبض في الطعام وغيره، أخرجه الدارقطني في "سننه" في كتاب البيوع "٣/ ٨" عن حكيم بن حزام -﵁- بلفظ: "أنه -أي حكيم- قال: يا رسول الله -ﷺ- إني رجل أشتري هذه البيوع فما تحل لي منها، وما تحرم عليّ؟ قال: "يابن أخي إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه". =
[ ١ / ١١٢ ]
وأحلَّت لنا ميتتان١.
_________________
(١) = وأخرجه عنه الطيالسي في "مسنده" في كتابه البيوع، باب النهي عن بيع الولاء والمحاقلة والمزابنة وبيع ما ليس عنده "١/ ٢٦٤". وأخرجه عنه البيهقي في "سننه" باب النهي عن بيع ما لم يقبض، وإن كان غير طعام "٥/ ٣١٣"، وراجع في هذا أيضًا: نصب الراية" "٤/ ٣٢"، و"تلخيص الحبير" "٣/ ٢٥". ومما يلاحظ هنا: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه قد جاء في أحاديث صحيحة، منها المتفق عليها، غير أن النهي عن بيع ما لم يقبض وإن كان غير طعام، هو الذي يوحي به كلام المؤلف هنا، وهو الذي لاحظناه عند العزو، والله أعلم. ١ حديث: "أحلت لنا ميتتان" رواه ابن عمر -﵄- مرفوعًا أخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب الكبد والطِّحال "٢/ ١١٠٢" بلفظ: قال رسول الله -ﷺ: "أحلت لكم ميتتان ودمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال". وأخرجه عنه الشافعي، انظر: كتاب الأطعمة، باب ما جاء في السمك والجراد "٢/ ٤٢٥". وأخرجه عنه الدارقطني في سننه، في باب الصيد والذبائح والأطعمة "٤/ ٢٧٠". وأخرجه عنه أيضًا أحمد والبيهقي وعبد بن حميد، كما نقل ذلك الزيلعي في "نصب الراية" "٤/ ٢٧٠". ورفع هذا الحديث مداره على ثلاثة رواة هم: عبد الرحمن وعبد الله وأسامة أبناء زيد بن أسلم، وهؤلاء الثلاثة ضعفهم ابن معين غير أن الإمام أحمد وثق عبد الله. وقد تابعهم شخص رابع هو أبو هاشم كثير بن عبد الله الأيلي، كما أخرج ذلك عنه ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام، وهو ضعيف أيضًا. وقد رواه أبو سعيد الخدري -﵁- مرفوعًا، أخرجه عنه الخطيب بسنده. وفيه المسور بن الصلت، وهو كذاب. وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر -﵄- موقوفًا، فقد روي من =
[ ١ / ١١٣ ]
ويكون البيان بالكتابة أيضًا: كنحو كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم١ في الصدقات والديات وسائر الأحكام٢، وكتابه الذي كتبه لأبي بكر
_________________
(١) = رواية سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفًا، قال الدارقطني: هو الصواب، وصحح الوقف أبو زُرعة وأبو حاتم. والموقوف هنا له حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا، أو حرم علينا بمنزلة قوله: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا. راجع: "نصب الراية" "٤/ ٢٠٢"، و"تلخيص الحبير" "١/ ٢٥"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٧٦٨". ١ هو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي الأنصاري، أبو الضحاك، صحابي، شهد الخندق وما بعدها. روى عن النبي -ﷺ- كتابًا كتبه له، فيه كثير من الأحكام، كان عاملا للنبي -ﷺ- على نجران. مات بالمدنية سنة: ٥١هـ. له ترجمة في "الاستيعاب" "٣/ ١١٧٢"، و"الإصابة" "٤/ ٢٩٣". و"شذرات الذهب" "١/ ٥٩". ٢ حديث عمرو بن حزم -﵁- الذي أشار المؤلف إليه أخرجه عنه النسائي في "سننه" في كتاب الديات، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له "٨/ ٥١"، وقد ذكر أن يونس -أحد رواة الحديث- قد رواه عن الزهري مرسلا. وأخرجه عنه الدارقطني في "سننه" في كتاب الحدود والديات "٣/ ٢٠٩". وأخرجه الحاكم في "مستدركه" "١/ ٣٩٥"، كما أخرجه الإمام مالك في أول كتاب العقول "٤/ ١٧٥". وأخرجه الدارمي في "سننه" في كتاب الديات، باب كم الدية من الإبل "٢/ ١١٣". وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الديات، باب جامع دية النفس وأعضائها "٢/ ٢٦٠". وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه وابن حبان في صحيحه والبيهقي في سننه نقل ذلك الزيلعي في نصب الراية "٢/ ٣٣٩- ٣٤٢"، كما نقل عن ابن الجوزي عن الإمام أحمد قوله: "كتاب عمرو بن حزم صحيح". =
[ ١ / ١١٤ ]
الصديق١ في الصدقات٢. وقال عبد الله بن عَكيم٣: ورد علينا
_________________
(١) = وقال يعقوب الفسوي: "لا أعلم في الكتب المنقولة أصح منه". ونقل الزيلعي عن بعض المتأخرين قولهم: "حديث ابن حزم تلقاه الإئمة الأربعة بالقبول". والذين صححوا الحديث بنوا ذلك على أن: سليمان، أحد رواته هو ابن داود الدمشقي، الثقة، ولكن كثيرًا من المحققين خالفوهم، وقالوا: إنه سليمان بن أرقم، الضعيف. راجع تفصيل ذلك في "الجوهر النقي" "٤/ ٨٦، ٨٧". ١ هو الصحابي الجليل عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي، شهد بدرًا. رفيق النبي -ﷺ- في الغار، وصاحبه الوحيد في الهجرة، أحد المبشرين بالجنة، خليفة رسول الله -﵊- من بعده، مات بالمدنية في شهر جمادى الآخرة سنة: ١٣هـ، ودفن بجوار قبر النبي -ﷺ. له ترجمة في "الاستيعاب" "٣/ ٩٦٣"، و"الإصابة" "٤/ ١٠١"، "والأعلام" للزركلي " "٤/ ٢٣٧"، و"دول الإسلام" "١/ ١٢"، و"شذرات الذهب" "١/ ٢٤". ٢ حديث أبي بكر -﵁- في الصدقات طويل، ونستغني عن إيراد نصه بذكر من أخرجه، فقد أخرجه البخاري في "صحيحه" في كتاب الزكاة، باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده "٢/ ١٣٨"، وفي باب زكاة الغنم "٢/ ١٣٩"، وفي باب لا يؤخذ في الصدقة هرمة"٢/ ١٤٠" وأخرجه أبو داود في "سننه" في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة "١/ ٣٥٨" وأخرجه النسائي في كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل "٥/ ١٣". وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزكاة، باب إذا أخذ المصدق سنًّا دون سن أو فوق سن "١/ ٥٧٥". وأخرجه الدارقطني في كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم "٢/ ١١٣". وراجع في هذا الحديث أيضًا: "تلخيص الحبير" "٢/ ١٥٠"، و"تيسير الوصول" "٢/ ٥٨"، و"ذخائر المواريث" "٣/ ١٤٤"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٣١١"، و"نصب الراية" "٢/ ٣٣٥- ٣٣٧". ٣ هو عبد الله بن عكيم الجهني أبو معبد. اختلف في سماعه من النبي -ﷺ، يعد في الكوفيين. له ترجمة في: الاستيعاب" "٣/ ٩٤٩"، و"طبقات خليفة بن خياط" "ص: ١٢١".
[ ١ / ١١٥ ]
كتاب رسول الله -ﷺ- قبل موته بشهر: "أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" ١. وقال الضحاك بن سفيان الكلاب٢: كتب إلي رسول الله -ﷺ- أن أورث امرأة أشيم الضبي من دية زوجها٣، فثبت أن الكتابة
_________________
(١) ١ هذا الحديث أخرجه الترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت "٤/ ٢٢٢" وقال: هذا حديث حسن. وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وأخرجه أبو داود في كتاب اللباس من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة "٢/ ٣٨٧". وأخرجه النسائي في "سننه" في كتاب الفرع، باب ما يدبغ به جلود الميتة "٧/ ١٥٥". وأخرجه ابن ماجه في كتاب اللباس، باب من قال: "لا يتنفع من الميتة بإهاب ولا عصب" "٢/ ١١٩٤". وأخرجه الرامهرمزي في كتابه: "المحدث الفاصل" "ص: ٤٥٣". ورواه القاضي عياض في كتابه "الإلماع" "ص: ٨٨". وراجع بالإضافة إلى ما سبق "تيسير الوصول" "٢/ ٢٩٦"، و"تلخيص الحبير" "١/ ٤٦- ٤٨"، و"ذخائر المواريث" "٢/ ٧٦"، و"نصب الراية" "١/ ١٢٠- ١٢٢". وهذا الحديث مضطرب سندًا ومتنًا، مع الاختلاف في صحبة راويه: عبد الله بن عكيم، فقد قال البيهقي: "إنه غير صحابي". ٢ هو الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلبي، أبو سعيد، كان واليًا للنبي -ﷺ- على من آمن من قومه، وجابيًا للصدقات منهم، مات سنة: ١١هـ. له ترجمة في "الاستيعاب" "٢/ ٧٤٢"، و"الإصابة" "٣/ ٢٦٧"، و"الأعلام" "٣/ ٣٠٨". ٣ هذا الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة =
[ ١ / ١١٦ ]
يقع بها البيان كوقوعه بالقول.
ويكون من النبي -ﷺ- بيان المجمل في الكتاب بهذين الوجهين، نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ١ وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ
_________________
(١) = من دية زوجها "٤/ ٤٢٥"، وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو داود في كتاب الفرائض، باب المرأة ترث من دية زوجها "٢/ ١١٧". وأخرجه ابن ماجه في كتاب الديات، باب الميراث من الدية "٢/ ٨٨٣". وأخرجه مالك في الموطأ مع شرح الزرقاني. وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها "٢/ ٢٢٩". وأخرجه الدارقطني في كتاب الفرائض "٤/ ٧٧". وراجع أيضًا: "تيسير الوصول" "٣/ ١٤٦"، و"ذخائر المواريث" "١/ ٢٧٢"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٥٢٣"، و"تحفة الأحوذي" "٤/ ٦٧٤"، و"عون المعبود" "٨/ ١٤٤". ١ "١٠٣" سورة التوبة. وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهان: الاتجاه الأول: أن المراد بها أخذ الصدقة من الذين تابوا؛ لأنهم بذلوا أموالهم صدقة لله تعالى، وليس المراد بها الزكاة الواجبة، وهو قول الحسن. الاتجاه الثاني: أن المراد بالصدقة في الآية الزكاة، والقائلون بهذا على فريقين: الفريق الأول: أن المراد أخذ الزكاة من التائبين المذكورين في الآية السابقة. الفريق الثاني: أنه كلام متبدأ، والمراد الزكاة الواجبة. والذي يهمنا هو معرفة البيان في الآية، هل هو سابق أو لاحق، والذي يشعر به كلام الفخر الرازي أن البيان سابق، بمعنى أن الآية نزلت بوجوب الزكاة التي كانت معروفة لديهم. راجع "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي "٨/ ٢٤٤- ٢٥٠"، و"مفاتيح الغيب" للفخر الرازي "١٦/ ١٧٧- ١٨٠.
[ ١ / ١١٧ ]
يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٢.
ويكون منه البيان بالفعل، نحو فعله لأعداد الركعات في الصلوات المفروضات وأوصافها، وقع به البيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٣. ونحو فعله في المناسك بيان لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ٤.
وقد أكد ذلك بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٥ وقوله: "خذوا
_________________
(١) ١ "١٤١"سورة الأنعام. ٢ "٢٦٧" سورة البقرة. ما المراد بالآية؟ هل المراد الزكاة المفروضة، أو صدقة التطوع، أو كلاهما؟ ثلاثة آراء، والأمر في الآية على الأول للوجوب، وفي الثاني للندب، وفي الثالث لترجيح جانب الفعل على الترك، فعلى القول الأول والثالث، الآية تحتاج إلى بيان، وقد بيَّنها الرسول -ﷺ- بالقول والفعل والكتابة مثل كتاب أبي بكر وعمرو بن حزم ﵄. راجع في هذا "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي "٣/ ٣٢٠، ٣٢١"، و"مفاتيح الغيب" للرازي "٧/ ٦٤- ٦٧". ٣ "٤٣" سورة البقرة. ٤ "٩٧" سورة آل عمران. ٥ هذا جزء من حديث مالك بن الحويرث -﵁- مرفوعًا، أخرجه عنه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة "١/ ١٥٣" كما أخرجه عنه في كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم "٨/ ١١" وأخرجه عنه في باب ما جاء في إجازة خبر الواحد "٩/ ١٠٧". وأخرجه عنه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة "١/ ٤٦٥". وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة "١/ ١٣٩". =
[ ١ / ١١٨ ]
عني مناسككم"١. وليس كل فعله في الصلاة أو الصدقة بيانًا للجملة التي في الكتاب؛ لأنه لو صلى لنفسه، لم يدل ذلك على أنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢، ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مرادة بقوله:
_________________
(١) = وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة، باب الأذان في السفر "١/ ٣٩٩"، وأخرجه عنه النسائي في كتاب الإمامة، باب تقديم ذوي السن "٢/ ٦٠". وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من أحق بالإمامة "١/ ٣١٣". وأخرجه عنه الإمام الشافعي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإمامة ومن أحق بها "١/ ١٢٨" بدائع المنن. وأخرجه عنه الدارمي في "سننه" في كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة "١/ ٢٢٩". والحديث قد روي مطولا ومختصرًا، مع ملاحظة أن كل من أخرجه ممن سبق ذكرهم عدا البخاري والشافعي والدارمي، لم يذكروا قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي". راجع في هذا الحديث أيضًا: "المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٢٢٥" و"ذخائر المواريث" "٣/ ٨٩"، و"نصب الراية" "١/ ٢٩٠"، "٢/ ٢٦"، و"تلخيص الحبير" "٢/ ١٢٢". ١ هذا جزء من حديث رواه جابر بن عبد الله -﵁- مرفوعًا، أخرجه عنه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا "٢/ ٩٤٣". وأخرجه عنه أبو داود في كتاب المناسك، باب في رمي الجمار "١/ ٤٥٦". وأخرجه عنه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم "٥/ ٢١٩". وراجع في هذا الحديث أيضًا: "تيسير الوصول" "١/ ٢٧٦"، و"ذخائر المواريث" "١/ ١٦٢"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٤٠٧". ٢ "٤٣" سورة البقرة.
[ ١ / ١١٩ ]
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ١. وإنما وجه [٧/ ب] البيان: ما يجمع الناس على أنه من المكتوبات؛ لأنه٢ ما يفعله في نفسه [و] لم يثبت٣ أنه فعله فرضًا، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعلها بيانًا.
ويكون منه أيضًا بيان مدة الفرض المنصوص عليه في الكتاب، كقوله ﵊: "لا وصية لوارث" ٤ قد قيل: إنه نسخ به الوصية
_________________
(١) ١ "٤٣" سورة البقرة. ٢ في الأصل: "لأنه". ٣ في الأصل: "لم يثبت"، وقد صوب ذلك الناسخ في الهامش بما أثبتناه. ٤ هذا جزء من حديث صحيح بل مشهور أخرجه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي -﵁- في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث "٢/ ١٠٣"، وأخرجه عنه في كتاب البيوع، باب في تضمين العارية"٢/ ٢٦٦"، وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، كما أخرجه عن عمرو بن خارجة -﵁- وعلى كلا الحديثين يعقب بقوله: حديث حسن صحيح، "٤/ ٤٣٣، ٤٣٤". وأخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث وأخرجه أيضًا عن عمرو بن خارجة -﵁- كما أخرجه عن أنس بن مالك -﵁- "٢/ ٩٠٥، ٩٠٦". وأخرجه النسائي عن عمرو بن خارجة في كتاب الوصايا، باب إيصال الوصية للوارث "٦/ ٢٠٧". وأخرجه عنه الدارمي في "سننه" في كتاب الوصايا، باب الوصية للوارث "٢/ ٣٠١" وأخرجه أيضًا عن ابن عباس في الموضع السابق كما أخرجه عنه في كتاب الفرائض "٤/ ٩٨" وأخرجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وعن علي بن أبي طالب وعن جابر -﵃- وذلك في كتاب الفرائض "٤/ ٩٧، ٩٨". وقد أخرجه عن جعفر بن محمد عن أبيه مرفوعًا بلفظ: "لا وصية لوارث ولا إقرار =
[ ١ / ١٢٠ ]
للوالدين والأقربين١. وقوله في الرجم٢ نسخ به الحبس والأذى عن
_________________
(١) = بدين"، وفي سنده "نوح بن دراج"، وهو متهم بالوضع. انظر كتاب الوصايا "٤/ ١٥٢". وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة وعمرو بن خارجة -﵄ "٤/ ١٨٦، ١٨٧"، "٥/ ٢٦٧". وأخرجه الإمام الشافعي عن مجاهد مرسلا، انظر كتاب الوقف والوصايا، باب ما جاء في الوصية "٢/ ٢٢١" من "بدائع المنن". ومن حديث عمرو بن خارجة، أخرجه البزار وأبو يعلى الموصلي، والحارث بن أسامة في مسانيدهم، والطبراني في "معجمه" مقلوبًا عن خارجة بن عمرو، والصواب: عمرو بن خارجة كما نبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر في "التلخيص"، ومن حديث ابن عمر -﵄- أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، كما أخرجه ابن عدي من حديث جابر وزيد والبراء وعلي -﵃. راجع في هذا الحديث بالإضافة إلى ما سبق: "نصب الراية" "٤/ ٤٠٣- ٤٠٥" و"تلخيص الحبير" "٣/ ٩٢"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٥٠٩"، و"تيسير الوصول" "٣/ ١٦٨"، و"ذخائر المواريث "٣/ ٦٤، ١٣٥"، و"فيض القدير شرح الجامع الصغير" "٢/ ٢٤٤، ٢٤٥"، و"كشف الخفاء" للعجلوني "٢/ ٥١٤". ١ هذا إشارة للآية الكريمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ "١٨٠ سورة البقرة". والذي ذكره المؤلف في الناسخ أحد الأقوال، وهناك أقوال أخرى في المسألة راجعها إن شئت في "تفسير الفخر الرازي" "٥/ ٦٢، ٦٣". ٢ هذا إشارة إلى حديث عبادة بن الصامت -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. انظر "المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٦٣٩"، وسيأتي تخريجه بالتفصيل "ص: ٧٩٨".
[ ١ / ١٢١ ]
المحصن١.
[و] في السنة: نحو قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها٢".
_________________
(١) ١ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآيتان "١٥"، "١٦" من سورة النساء. وما ذهب إليه المؤلف من أن حديث عبادة بن الصامت ناسخ لآيتي النساء، هو أحد الأقوال، غير أن الظاهر أنه لا يوجد نسخ في المسألة؛ لأن الحكم المنسوخ لابد أن يكون مؤبدًا في أذهان المخاطبين عند تشريع الحكم، وهذا غير موجود في الآية، إذ إن الآية تشعر بأن العقوبة التي نصت عليه عقوبة مؤقتة، ستبدل بغيرها، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ . على أن هناك آراء أخرى في المسألة بيَّنها الفخر الرازي في "تفسيره" "٩/ ٢١٩- ٢٢٥". ٢ هذا جزء من حديث رواه بريدة -﵁- أخرجه عنه مسلم في كتاب الجنائز، باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة قبر أمه "٢/ ٦٧٢". وفي كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه."٣/ ١٥٦٤". وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور "٢/ ١٩٥"، كما أخرجه عنه في كتاب الأشربة، باب في الأوعية "٢/ ٢٩٨". وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الجنائز، باب الرخصة في زيارة القبور، وقال: حديث حسن صحيح، "٣/ ٣٦١". وأخرجه عنه النسائي في كتاب الجنائز، باب في زيارة القبور "٤/ ٧٣"، وأخرجه عنه في كتاب الأضاحي، باب الإذن في ذلك، أي: الإذن في الأكل من لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وفي ادخاره "٧/ ٢٠٧"، كما أخرجه عنه في كتاب الأشربة، باب الإذن في شيء منها "٨/ ٢٧٨". وأخرجه عنه ابن ماجه في كتاب الأشربة، باب ما رخص فيه من ذلك، أي: من نبيذ الأوعية "٢/ ١١٢٧"، وقد أخرجه مختصرًا بلفظ: "كنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيه، واجتنبوا كل مسكر". كما أخرجه عن ابن مسعود -رضي =
[ ١ / ١٢٢ ]
"وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، فكلوا وادخروا" ١.
_________________
(١) = الله عنه- في كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور "١/ ٥٠١" بلفظ مثل اللفظ الذي ساقه القاضي أبو يعلى غير أنه زاد فيه: "فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة". وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" عن أبي سعيد الخدري -﵁- وفي آخره: "ولا تقولوا هجرًا"، وذلك في كتاب الضحايا، باب ادخار لحوم الضحايا "٣/ ٧٦، ٧٧" مطبوع مع شرح الزرقاني، وأخرجه الإمام الشافعي عن أبي سعيد الخدري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر وزيارة القبور "١/ ٢٢٠" "بدائع المنن". وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن بريدة -﵁- بلفظ: رخص رسول الله -ﷺ- في زيارة القبور. وذلك في كتاب الجنائز، باب كراهة نقل الميت بعد دفنه وما جاء في زيارة القبور "١/ ١٧٠". راجع في هذا الحديث أيضًا: "تلخيص الحبير" "٢/ ١٣٧"، و"ذخائر المواريث" "١/ ١١٢"، و"كشف الخفاء" للعجلوني "٢/ ١٨٨، ١٩٨"، و"فيض القدير شرح الجامع الصغير" "٥/ ٥٥، ٥٦" و"الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير" وضع الشيخ النبهاني "٢/ ٣٣٤". و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٣٠٧، ٣٠٨". ١ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم الرخصة في ذلك قد جاء جزءًا من حديث بريدة السابق تخريجه، غير أنه قد جاء من رواية غير بريدة. فقد أخرجه مسلم عن عائشة وجابر وأبي سعيد الخدري -﵃- وذلك في كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه "٣/ ١٥٦١، ١٥٦٢". وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" من حديث أبي سعيد الخدري، وقد مر الإشارة إلى ذلك في حديث بريدة. وأخرجه ابن ماجه عن عائشة ونبيشة الباهلي -﵄- في كتاب الأضاحي، باب ادخار لحوم الأضاحي "٢/ ١٠٥٥". وأخرجه الدارمي عن عائشة ونبيشة الباهلي -﵄- في كتاب الأضاحي، باب في لحوم الأضاحي "٢/ ٦". =
[ ١ / ١٢٣ ]
ويكون عنه البيان بالإشارة أيضًا كقوله: "الشهر هكذا وهكذا [وهكذا] ١ وأشار بأصابعه العشر" ٢ فأفاد أنه ثلاثون يومًا ثم قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس الإبهام في الثالثة" ٣ فأفاد أنه تسعة وعشرون يومًا.
_________________
(١) = وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن جابر بن عبد الله وعائشة -﵄- في كتاب الهدايا والضحايا، باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ونسخه "١/ ٢٣٠، ٢٣١". وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الهدايا والضحايا، باب النهي عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ونسخ ذلك عن جابر بن عبد الله ونبيشة -﵄ "٢/ ٨٨". وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الأضاحي عن أبي سعيد الخدري "٤/ ٢٣٢". وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" في كتاب الصيد والذبائح والأضاحي عن أبي سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وبريدة وجابر ونبيشة وعائشة -﵃ "٤/ ١٨٥، ١٨٦". راجع في هذا الحديث علاوة على ما سبق ذكره: "نصب الراية" "٤/ ٢١٨"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٤٢٩، ٤٣٠"، "وتلخيص الحبير" "٤/ ١٤٤"، و"الفتح الكبير" وضع الشيخ النبهاني "٢/ ٣٣٤"، و"فيض القدير "٥/ ٥٥". ١ ساقطة من الأصل، والصواب إثباتها كما هو ظاهر. ٢ في الأصل: "العشرة" بإثبات التاء، وهو خطأ؛ لأن مثل هذه التاء تحذف في التأنيث وتثبت في التذكير. ٣ هذا الحديث رواه ابن عمر -﵄- أخرجه عنه البخاري في كتاب الصيام، باب قول النبي -ﷺ- لا نكتب ولا نحسب "٣/ ٣٤". وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال "٢/ ٧٦١". =
[ ١ / ١٢٤ ]
وقال تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ١، ثم قال: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٢ يعني: أشار إليهم، فقامت إشارته مقام القول في بلوغ المراد.
وحكى الله تعالى عن مريم ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ٣ فبينت لهم مرادها بالإشارة.
ويكون منه البيان أيضًا بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص، نحو قوله لفاطمة بنت أبي حبيش٤ في دم الاستحاضة: "إنها دم عرق، وليس بالحيضة" ٥. فدلَّ على وجوب اعتبار خروج دم العرق في نقض الطهارة.
_________________
(١) = وأخرجه عنه النسائي في كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة فيه "٤/ ١١٣". وأخرجه أبو داود عنه في كتاب الصيام، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين "١/ ٥٤٢". وأخرجه أبو داود الطيالسي عنه في كتاب الصيام، باب ما جاء في نقص الشهر ووقت نية الصوم "١/ ١٨٣". ١ "٤١" سورة آل عمران. ٢ "١١" سورة مريم. ٣ "٢٩" سورة مريم. ٤ في الأصل: "فاطمة بنت أبي جحش"، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، ولعل الخطأ من الناسخ. وهي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشية، الأسدية، صحابية جليلة، ثبتت صحبتها في الصحيحين وغيرهما. لهما ترجمة في: "الاستيعاب" "٤/ ١٨٩٢"، و"الإصابة" "٨/ ١٦١". ٥ هذا الحديث رَوَتْهُ عائشة -﵂- مرفوعًا، أخرجه عنها البخاري في كتاب =
[ ١ / ١٢٥ ]
وقوله حين سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فأريقوه" ١، فدل بتفريقه بين المائع
_________________
(١) = الوضوء، باب غسل الدم "١/ ٦٤"، وفي كتاب الحيض، باب الاستحاضة "١/ ٨٠، ٨١"، وفي باب إقبال المحيض وإدباره "١/ ٨٣، ٨٤". وأخرجه عنها مسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها "١/ ٢٦٢". وأخرجه عنها أبو داود في كتاب الطهارة، باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة "١/ ٦٥". وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة "١/ ٢١٧"، وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه عنها ابن ماجه في كتاب الطهارة باب ما جاء في المستحاضة "١/ ٢٠٣، ٢٠٤". وأخرجه عنها النسائي في كتاب الطهارة باب ذكر الأقراء "١/ ١٠٠، ١٠١"، وباب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة "١٠٢، ١٠٣". وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٦/ ٣٠٤، ٣٢٣". وأخرجه الدارمي في كتاب الطهارة باب في غسل المستحاضة "١/ ١٦٣". وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" في باب في المستحاضة "١/ ١٢١". وأخرجه الدارقطني في "سننه" في كتاب الحيض "١/ ٢١٤". وأخرجه الإمام الشافعي في كتاب الحيض والاستحاضة، باب في المستحاضة تنبي على عادتها "١/ ٣٩" "بدائع المنن". وأخرجه الطحاوي في كتابه: "شرح معاني الآثار" في كتاب الطهارة باب المستحاضة كيف تتطهر "١/ ١٠٢". راجع في هذا الحديث أيضًا: "نصب الراية" "١/ ١٩٩"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "٧٨". و"تلخيص الحبير" "١/ ١٦٧". ١ هذا الحديث روته أم المؤمنين ميمونة -﵂- أخرجه عنها البخاري في كتاب الوضوء، باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء "١/ ٦٦"، وفي كتاب =
[ ١ / ١٢٦ ]
والجامد: على أن سائر المائعات تنجس بمجاورة أجزاء النجاسة إياها. وغير ذلك من الوجوه المستنبطة.
وقد يقع من النبي -ﷺ- بيان الحكم بالإقرار على فعل شاهده من فاعل يفعله على وجه من الوجوه، فترك النكير عليه، فيكون ذلك بيانًا في جواز فعل ذلك الشيء على الوجه الذي أقره عليه، أو وجوبه إن كان شاهده يفعله على وجهه [و] لم ينكره، وذلك نحو علمنا أن عقود الشرك والمضاربات والقروض، وما جرى مجرى ذلك، قد كانت في زمن النبي -ﷺ- وبحضرته مع علمه بوقوع ذلك منهم واستفاضتها فيما بينهم، ولم ينكرها على فاعلها، فدل على إباحة ذلك من إقراره؛ لأنه لا يجوز على النبي -ﷺ- أن يرى منكرًا فلا ينكره؛ إذ كان ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وله الحظ الأوفر في ذلك.
وليس لأحد أن يقول: إن ترك النكير لا يدل على الإباحة، لأنه ترك النكير اكتفاء بما تقدم من النهي عنه من جهة النص أو الدلالة، كما أقر اليهود والنصارى على الكفر، ولم يدل ذلك على جوازه عنده، وذلك أن قتاله لهم حتى يعطوا الجزية أشد نكيرًا، فجعل أخذ الجزية عقوبة لهم على إقرارهم على الكفر.
_________________
(١) = الذبائح، باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب "٧/ ١٢٦". وأخرجه أبو داود عنها في كتاب الأطعمة، باب الفأرة تقع في السمن "٢/ ٣٢٧". وأخرجه عنها الترمذي في كتاب الأطعمة باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن "٤/ ٢٥٦" وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي عنها في كتاب الفرع، باب الفأرة تقع في السمن "٧/ ١٥٧". وأخرجه عنها الإمام مالك في "الموطأ" في كتاب الجامع باب الفأرة تقع في السمن "٤/ ٣٧٨" مطبوع مع شرح الزرقاني. وأخرجه عنها الدارمي في "سننه" في كتاب الأطعمة باب الفأرة تقع في السمن فتموت "٢/ ٣٥".
[ ١ / ١٢٧ ]
ولأنه لا يجوز أن يقول أحد: إنه كان في حق النبي -ﷺ- جائز أن يرى رجلًا يزني أو يقتل النفس، فلا ينكر عليه اكتفاءً بنهي الله تعالى [٨/ أ] عن ذلك؛ ولأن ترك ذلك يؤدي إلى إسقاط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال -ﷺ: "من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ١.
وقد يقع بيان المجمل بالإجماع، نحو إجماعهم على أن دية الخطأ على العاقلة، والذي في كتاب الله: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ٢، ولم يذكر وجوبها على العاقلة٣.
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري -﵁- مرفوعًا، أخرجه عنه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص "١/ ٦٩". وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الخطبة يوم العيد "١/ ٢٦٠". كما أخرجه عنه في كتاب الفتن، باب الأمر والنهي "٢/ ٤٣٧". وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في تغيير المنكر باليد أو باللسان أو بالقلب "٤/ ٤٦٩" وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان "٨/ ٩٨". وراجع في هذا الحديث أيضًا: "المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٢٦٥"، و"ذخائر المواريث" "٣/ ١٨٠"، و"فيض القدير" "٦/ ١٣٠". ٢ "٩٢" سورة النساء. ٣ هذه الآية ليست مجملة -كما ذهب إليه المؤلف- وإنما هي عامة، تفيد هي وغيرها من النصوص أن الدية على القاتل، جزاءً لما فعل، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ، ولكن الخطأ خص بالنص، حيث قد ثبت أن النبي -ﷺ- قضى بدية الخطأ على العاقلة كما في قصة حمل بن مالك، ثم وقع الإجماع على ذلك، كما حكاه القرطبي في تفسيره، وإن كان أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج أوجبوا الدية على القاتل في كلا الحالتين. راجع "تفسير القرطبي" "٥/ ٣١١- ٣٢٨"، و"تفسير الفخر الرازي" "١٠/ ١١٥- ١٢٤".
[ ١ / ١٢٨ ]
وكإجماعهم على أن للجدة مع الولد الذكر السدس إذا لم يكن أب، وأن للجدتين إذا اجتمعتا السدس، وهو ما وقع به بيان قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١، كما بين تعالى بعضه بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢ الآية. وكما بينت السنة بعضه فأعطى النبي -ﷺ- للجدة السدس٣.
وقد٤ يكون بيان الإجماع لحكم مبتدأ، كما يكون بيان حكم الكتاب والسنة، نحو إجماع السلف على أن حد الخمر ثمانون على ما بيناه في
_________________
(١) ١ "٧" سورة النساء. وقد نص القرطبي في "تفسيره" "٥/ ٤٧"، والفخر الرازي في "تفسيره" "٩/ ١٨٦" على أن هذه الآية مجملة. يدل على ذلك ما جاء عن النبي -ﷺ- أنه أرسل إلى سويد وعرفجة أن لا يفرقا من مال أوس شيئًا، فإن الله جعل لبناته نصيبًا، ولم يبين كم هو، حتى أنظر ما ينزل ربنا الحديث. ٢ "١١" سورة النساء. ٣ حديث توريث النبي -ﷺ- الجدة السدس رواه المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة -﵄- مرفوعًا. أخرجه الترمذي في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة "٤/ ٤١٩، ٤٢٠". وأخرجه أبو داود في كتاب الفرائض، باب في الجدة "٢/ ١٠٩". وأخرجه ابن ماجة في كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة "٢/ ٩٠٩- ٩١٠". وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" في كتاب المواريث، باب ميراث الجدة "٣/ ١١٠- ١١٢". وأخرجه الدارمي في كتاب الفرائض، باب قول أبي بكر الصديق في الجدات "٢/ ٢٥٩". وراجع في هذا الحديث أيضًا: "تلخيص الحبير" "٣/ ٨٢"، و"المنتقى من أحاديث الأحكام" "ص: ٥١٧" و"ذخائر المواريث" "٣/ ٩٤". ٤ في الأصل "أوقد"، والصواب: حذف الهمزة، كما أثبتناه.
[ ١ / ١٢٩ ]
غير هذا الكتاب، وإجماعهم على تأجيل امرأة العنين.
وقد يكون بيان خصوص العموم بالإجماع، نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ١، وأجمعت على أن العبد يجلد خمسين.
والإجماع وإن لم يخل من أن يكون عن توقيف أو رأي، فإنه أصل برأسه يجب اعتباره فيما يقع البيان به.
وقد يتعلق بهذا التفصيل: الكلام في جواز تأخير البيان، وذكر الاختلاف فيه، ويأتي الكلام في ذلك٢.
وذكر أبو بكر في مجموع فيه مسائل بخطه: البيان على خمسة أوجه:
الأول: هو المؤكد، وهو أعلى ما يفهم به الخطاب وأشده وضوحًا.
والثاني: القائم بنفسه، وإن كان التأكيد لم يقع به.
الثالث: الخطاب الذي يحتاج أن يقرر بدليل معه.
الرابع: هو ما انفرد النبي بإيجاب حكمه، أو يزيد بقوله دون أن يكون له أصل في الكتاب.
الخامس: من علم الاستخراج من النصوص٣.
_________________
(١) ١ "٢" سورة النور. ٢ انظر: "ص: ٧٢٤". ٣ قد سبق الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى هذا التقسيم، وقد نبَّه على ذلك في "المسودة" "ص: ٥٧٣" وبمراجعة كتاب الرسالة للإمام الشافعي "ص: ١٥- ٢٦" تجد ذلك واضحًا.
[ ١ / ١٣٠ ]