في رقائق لطيفة مناسبة:
في ذكر شيء من الرقائق المستظرفات والأشعار الرائقة والحكايات:
نختم بها الكتاب على عادة الأئمة والحفاظ، كما قال شيخ الإسلام النووي، واقتداء به في بعض مؤلفاته
أسند مولانا شيخ الإسلام صاحب الأصل فسح الله في أجله، وبلغه غاية أمله، عن شيخه الشيخ زين الدين زكريا الأنصاري١ بسنده المتصل إلى الشيخ أبي بكر الآجري٢ قال: كان ابن المبارك٣ كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات "من الخفيف":
اغتنم ركعتين زلفى إلى اللـ ـه إذا كنت فارغا مستريحا٤
_________________
(١) ١ هو أبو يحيى، زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري السبكي، المصري الشافعي: شيخ الإسلام، قاض، مفسر، من حفاظ الحديث، تعلم في القاهرة، وكف بصره، نشأ فقيرا معدما، ولما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا، بحيث جمع نفائس الكتب، وأفاد القارئين عليه علما ومالا، وتولى قضاء القضاة، ثم عزل منه، فعاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفي في سنة ٩٢٦هـ، وله تصانيف كثيرة جيدة ومفيدة. الكواكب السائرة ١/ ١٩٦، والأعلام ٣/ ٤٦. ٢ هو محمد بن الحسين بن عبد الله: فقيه شافعي محدث، نسبته إلى آجر، من قرى بغداد، ولد فيها، وحدث ببغداد، ثم انتقل إلى مكة، فتنسك، وتوفي فيها سنة ٣٦٠هـ، له تصانيف كثيرة. تاريخ بغداد ٢/ ٢٤١، والوافي ٣/ ٥. ٣ هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي بالولاء، التميمي، المروزي: الحافظ، شيخ الإسلام، المجاهد، التاجر، صاحب التصانيف والرحلات، أفنى عمره في الأسفار، حاجا ومجاهدا وتاجرا، وجمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس، والشجاعة والسخاء، كان من سكان خراسان، ومات بهيت، منصرفا من غزو الروم سنة ١٨١هـ. تاريخ بغداد ١٠/ ١٥٢، ووفيات الأعيان ٣/ ٣٢، والسير ٨/ ٣٣٦. ٤ البيتان في ديوانه ٤٥ "فيما نسب له ولغيره" مع بيت ثالث، وهو: إن بعض السكوت خير من النطـ ـق وإن كنت بالكلام فصيحا
[ ٢٦٩ ]
وإذا ما هممتَ بالنطق بالبا طل فاجعل مكانه تسبيحا
وبالسند الذي ذكره إلى الطائي١ بسند الطائي إلى المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، ولسوء أفعالي ملاقيا، وبكأس المنية شاربا، فوالله ما أدري أروحي إلى الجنة تصير فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟ ٢ وأنشد "من الطويل":
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي نحو عفوك سلما٣
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منه وتكرما
وبالسند المشار إليه إلى ابن السبكي بسنده إلى القاضي أبي الطيب الطبري قال: أنشدني بعضهم للشافعي ﵁ "من البسيط":
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين٤
_________________
(١) ١ هو أبو جعفر الطائي الحمصي، محمد بن عوف بن سفيان: محدث حمص، الإمام الحافظ المجود، ووصف بالحفظ والعلم والتبحر، قيل، هو عالم بحديث الشام صحيحا وضعيفا، وقال أحمد بن حنبل: ما كان بالشام منذ أربعين سنة مثل محمد بن عوف، توفي سنة ٢٧٢هـ. السير ١٢/ ٦١٣، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٨٣. ٢ انظر السير ١٠/ ٧٥-٧٦. ٣ الأبيات في ديوان الشافعي ٥٩، وهي من قصيدة طويلة، وترتيبها فيها: ٣، ٤، ٦. ٤ ديوان الشافعي ٦٨-٦٩.
[ ٢٧٠ ]
العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
وروي أن الشافعي -﵁- كان بمكة يقول١: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله، فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وحدثنا سفيان بن عيينة بن عبد الملك بن عمير٢ عن ربعي بن حراش٣ عن حذيفة بن اليمان٤ -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ٥، وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر بن كدام٦ عن
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي ١٨/ ١٧، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ٢١٢، وإجمال الصحابة ١/ ٦٨، وأبجد العلوم ٢/ ١٩٠. ٢ هو أبو عمرو الكوفي، عبد الملك بن عمير بن سويد القرشي: تابعي، محدث، حافظ، ثقة، قال أبو حاتم: صالح الحديث، تغير حفظه قبل موته، توفي في سنة ١٣٦هـ أو نحوها. السير ٦/ ٨، وطبقات الحفاظ ٦٩. ٣ هو أبو مريم، ربعي بن حراش بن جحش العبسي: تابعي مشهور، من أهل الكوفة، ثقة في الحديث، كان أعور، يقال: إنه لم يكذب قط، توفي في سنة ١٠١هـ. تاريخ بغداد ٨/ ٤٣٣، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٦. ٤ هو أبو عبد الله، حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، واليمان لقب حسل: صحابي، من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر النبي -ﷺ- في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره، ولاه عمر على المدائن بفارس، واستقبله الدهاقين، وأقام بينهم فأصلح بلادهم، مكتفيا بالقليل من القوت، وهاجم نهاوند، وغزا الدينور، وماه سندان، فافتتحهما عَنْوَةً، ثم غزا همذان والري، فافتتحهما عنوة أيضا، توفي في المدائن سنة ٣٦هـ. تهذيب التهذيب ٢/ ٢١٩، والأعلام ٢/ ١٧١. ٥ انظر عون المعبود ١٢/ ٢٣٥، ومجمع الزوائد ٩/ ٥٣، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ٢١٢ و٨/ ١٥٣، والمعجم الأوسط ١/ ٤٤٣، والمستدرك على الصحيحين ٣/ ٧٩-٨٠، وتفسير القرطبي ١٨/ ١٨. ٦ هو أبو سلمة، مسعر بن كدام بن ظهير الهلالي العامري الرواسي: من ثقات أهل الحديث، كوفي، كان يقال له "المصحف" لعظم الثقة بما يرويه، وكان مرجئا، توفي بمكة سنة ١٥٢. السير ٧/ ١٦٣.
[ ٢٧١ ]
قيس بن مسلم١ عن طارق بن شهاب٢ عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه أمر بقتل المحرم الزنبور٣.
من هذا ما روي عن ابن مسعود -﵁- أنه لعن الواصلة والمستوصلة٤ وقال: ما لي لا ألعن من لعنه الله؟ فقالت امرأة: قرأت كتاب الله فلم أجد فيه ما تقول، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥ [الحشر: ٧]، وإن النبي -ﷺ- لعن الواصلة والمستوصلة، ذكره البخاري وغيره٦، وفي هذا زيادة في الاستدلال، وهو أن من لعنه رسول الله فقد لعنه الله لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
وروى البيهقي في المدخل٧ بسنده إلى الفريابي٨ قال: قال المزني أو الربيع الشك منه: كنا يوما عند الشافعي بين الظهر والعصر إذ جاء شيخ عليه جبة صوف وعمامة صوف وإزار صوف وفي يده عكازه قال: فقام الشافعي وسوى ثيابه واستوى جالسا، قال: وسلم الشيخ وجلس، وأخذ الشافعي ينظر
_________________
(١) ١ هو أبو عمرو الكوفي، قيس بن مسلم الجدلي العدواني: تابعي، محدث ثقة، من كبار الحفاظ، كان مرجئا، قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا، وكانوا يقولون: ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيما لله، توفي في سنة ١٢٠هـ. تهذيب التهذيب ٣/ ٤٥٢-٤٥٣. ٢ هو أبو عبد الله، طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي: شجاع من الغزاة، أدرك النبي -ﷺ- وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثا وثلاثين غزوة، وسكن الكوفة، توفي في سنة ٨٣هـ. الإصابة ترجمة ٤٢١٩. ٣ تفسير القرطبي ٦/ ٣٠٤، والمجموع ٧/ ٣٠٢، وسنن البيهقي الكبرى ٥/ ١٢، والأم ٧/ ٢١٣. ٤ البخاري ٥/ ٢٢١٩، وسنن الترمذي ٤/ ٢٣٦، ونيل الأوطار ٦/ ٣٤٠، والتمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٤٠٤، والسنن الكبرى ٥/ ٤٢١، وسنن النسائي ٨/ ١٤٦، وتحفة الأحوذي ٨/ ٥٥. ٥ تفسير القرطبي ١٨/ ١٨. ٦ صحيح البخاري ٥/ ٢٢١٦-٢٢١٩. ٧ طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٤٣ والنقل منه حرفيا، انظر ٢/ ٢٤٣-٢٤٥. ٨ هو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن واقد الضبي بالولاء، التركي الأصل، الفريابي: عالم بالحديث، من الحفاظ، أخذ بالكوفة عن سفيان، وقرئ عليه بمكة، ونزل قيسارية بفلسطين، وتوفي بها سنة ٢١٢هـ. السير ١٠/ ١١٤، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٣٥.
[ ٢٧٢ ]
إلى الشيخ هيبة له، إذ قال له الشيخ: أسأل؟ قال الشافعي: سل، قال: إيش الحجة في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله، قال: وماذا؟ قال: وسنة رسول الله ﷺ، وقال: وماذا؟ قال: واتفاق الأمة، قال: من أين قلت اتفاق الأمة؟ قال: من كتاب الله، قال: من أين في كتاب الله؟ فتدبر الشافعي ساعة، فقال الشيخ: قد أجلتك ثلاثة أيام ولياليها، فإن جئت بحجة من كتاب الله ﷿ في الاتفاق وإلا تب١ إلى الله ﷿، قال: فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب فلم يخرج ثلاثة أيام ولياليهن قال: فخرج في اليوم الثالث في ذلك الوقت يعني بين الظهر والعصر وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام، فجلس فلم يكن بأسرع من أن جاء الشيخ فسلم وجلس فقال: حاجتي، فقال الشافعي: نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، لا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض فقال: صدقت، فقام وذهب، فقال الشافعي لما ذهب الرجل: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه، قال ابن السبكي: يجوز أن يكون هذا الشيخ الخضر ﵇، وقد فهمه الشافعي حين أجله واستمع له، وأصغى لإغلاظه في القوم واعتمد على إشارته٢.
وبالسند المشار إليه إلى ابن السبكي٣ بسنده إلى الشيخ أحمد بن محمد بن أبي الفراتي٤ سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي٥ يقول: قلت مرة
_________________
(١) ١ أحكام القرآن للشافعي ١/ ٣٩، ومفتاح الجنة ١/ ٤١، وطبقات السبكي ٢/ ٢٤٣-٢٤٥. ٢ طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٢٤٣-٢٤٥. ٣ طبقات الشافعية الكبرى ٣/ ١٧١. ٤ هو أبو الفضل، أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي الفراتي الخوباني: الأمير أخو الأمير سعيد، من أهل خوجان نيسابور، من أولاد العلماء، وكان فاضلا، ولي القضاء بقصبة خوجان وحمدوا سيرته، ومات بقرية زاذيك من نواحي أُسْتُوَا سنة ٥٤٤هـ. التحبير في المعجم الكبير ٢/ ٤٤٧، ومعجم البلدان ٢/ ٣٩٩. ٥ هو محمد بن الحسين بن محمد الأزدي السلمي النيسابوري: من علماء المتصوفة، قال الذهبي: "شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم، قيل: كان يضع الأحاديث للصوفية"، بلغت تصانيفه مائة أو أكثر، مولد ووفاته في نيسابور سنة ٤١٢هـ. تاريخ بغداد ٢/ ٢٤٨، والسير ١٧/ ٢٤٧.
[ ٢٧٣ ]
للأستاذ أبي سهل الصعلوكي١ في كلام يجري بيننا: لِمَ؟ فقال لي: أما علمتَ أن من قال لأستاذه: لم لا يفلح أبدا؟ وقال الأستاذ المذكور لأبي عبد الرحمن المذكور: عقوق الوالدين يمحوه الاستغفار، وعقوق الأستاذ لا يمحوه شيء.
وبالسند المذكور إلى ابن السبكي بسنده إلى أبي أحمد منصور بن محمد الأزدي٢ أنشد لنفسه "من البسيط":
عليك نفسك فانظر كيف تصلحها وخل عن عثرات الناس للناس٣
فالذم للناس للمحصي معايبهم والحمد عندهم للغافل الناسي
ومن شعر منصور المذكور "مجزوء الكامل":
إن شئت أن تدعى أخا الـ كرم السليم من العيوب٤
فاصبر على خمس بها يبدو النقي من المشوب
_________________
(١) ١ هو محمد بن سليمان بن محمد، من بني حنيفة: فقيه شافعي، من العلماء بالأدب والتفسير، مولده بأصبهان، وسكنه ووفاته بنيسابور، درس بالبصرة بضعة أعوام، وفي نيسابور ٣٢ سنة، ورويت عنه فوائد، وأورد الثعالبي أبياتا من نظمه، وقال: له شعر كثير، توفي في سنة ٣٦٩هـ. الوافي بالوفيات ٣/ ١٢٤، والأعلام ٦/ ١٤٩. ٢ هو منصور بن محمد بن محمد الأزدي الهروي الشافعي: قاض، كان أديبا شاعرا، له رقائق، تفقه ببغداد، وقال الباخرزي: أفضل من بخراسان على الإطلاق، يبلغ "ديوان شعره" أربعين ألف بيت، أوتي حظا وافرا من حياته، وبلغ أرذل العمر من وفاته، وكان مغرما بالشراب، له خمريات وغزليات فائقة، توفي في سنة ٤٤٠هـ. الأعلام ٧/ ٣٠٣. ٣ طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٣٤٧. ٤ طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٣٤٧-٣٤٨.
[ ٢٧٤ ]
كف الأذى واخفض جنا حك واجتنب فخم الذنوب
واغرس أصول العرف واجـ ـن بها مودات القلوب
واعجل إلى الإنصاف طلـ ـق الوجه مأمون القطوب
وبهذا السند إلى القاسم السقطي١ يقول: سمعت أبا الحسين الآجري٢ يقول "من السريع":
يمنعني عن عيب غيري الذي أعرفه فِيَّ من العيب٣
عيوبهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريب
إن يك عيبي غاب عنهم فقد أحصى عيوبي عالم الغيب
ففيم شغلي بسوى مهجتي أم كيف لا أنظر في حيي
لو أنني أسمع من واعظ إذن كفاني واعظ الشيب
_________________
(١) ١ هو الإمام المحدث الثقة عبيد الله بن محمد بن أحمد بن جعفر البغدادي السقطي لمجاور، محدث من أهل بغداد، مات سنة ٤٠٦هـ. ٢ لم أجده ولعله أبو الحسين الآبري، محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم، مصنف كتاب مناقب الشافعي، وآبر من قرى سجستان. ٣ الأبيات لأبي البختري العنبري الحنبلي الكوفي كما في طبقات الحنابلة ١/ ٢٧٢، والمنهج الأحمد ١/ ٤١٢-٤١٣، وتاريخ بغداد ١٠/ ٨٣، والمنتظم ١٢/ ٢٣٩.
[ ٢٧٥ ]
قلت: ومما ينسب للإمام الشافعي ﵁ "من الطويل":
عجبت لمن يبكي على عيب غيره دموعا ولا يبكي على عيبه دما١
وأعجب من هذا يرى عيب غيره صغيرا وفي عينيه من عيبه عمى
وبالسند المذكور إلى ابن السبكي بسنده إلى شهدة بنت أحمد بن الفرج الإبري٢ سماعا قالت: سمعت القاضي الإمام عزيزي يعني المعروف بشَيْذَلة٣ من لفظه سنة ٤٩٠ يقول: اللهم يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، افعل بي ما أنت أهله، إلهي أذنبت في بعض الأوقات، وآمنت بك في كل الأوقات، فكيف يغلب بعض عمري مذنبا جميع عمري مؤمنا؟ إلهي لو سألتني حسناتي لجعلتها لك مع شدة حاجتي إليها وأنا عبد، فكيف لا أرجو أن تهب لي سيئاتي مع غناك عنها وأنت رب، فيا من أعطى خير ما في خزائنه وهو الإيمان به قبل السؤال، ولا تمنعنا أوسع ما في خزائنك وهو العفو مع السؤال، إلهي حجتي حاجتي وعدتي فاقتي فارحمني، إلهي كيف أمتنع بالذنب من الدعاء، ولا أراك تمتنع مع الذنب من العطاء، فإن غفرت فخير راحم أنت، وإن عذبت فغير ظالم أنت، إلهي أسألك تذللا فأعطني تفضلا٤.
_________________
(١) ١ البيتان ليسا في ديوانه، ولا في الشعر المنسوب للشافعي فيه. ٢ هي شهدة بنت أحمد بن الفرج بن عمر الإبري: فقيهة من العلماء في عصرها، أصلها من الدينور، روت الحديث، وسمع عليها خلق كثير، وطار صيتها، وعرفت بالكاتبة لجودة خطها، مولدها ووفاتها في بغداد سنة ٥٧٤هـ. الأعلام ٣/ ١٧٨. ٣ هو أبو المعالي، عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجبلي، المعروف بشيذلة: واعظ، من فقهاء الشافعية، له اشتغال بالأدب، من أهل جَبْلان، له مصنفات كثيرة، ولي القضاء في بغداد، ومات بها سنة ٤٩٤هـ. الأعلام ٤/ ٢٣٢. ٤ طبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٢٣٧.
[ ٢٧٦ ]
ومن شعر مولانا المرحوم شيخنا شيخ الإسلام الرضي، والد المصنف مولانا شيخ الإسلام البدر١ "من الوافر":
إلهي سيدي ربي أغثني وخذ بيدي ومن بعد أجرني
إلهي قد جنيت وأي عبد ضعيف الخلق مثلي ليس يجني
إلهي ليس أجدر بالخطايا وبالتقصير والزلات مني
إلهي لو أتيت بكل ذنب فلا أولى بعفو منك عني
إلهي أنت ذو صفح جميل وجود واسع وعظيم من
إلهي ما عصيت بغير علم ولا أبدا أطعت بغير إذن
إلهي أن أطع فبمحض فضل وإن أعصي فمن نقصي ووهني
إلهي ما لعبد حجة في تحمله الجناية والتجني
إلهي إن حجتك التي قد علا برهانها من غير طعن
_________________
(١) ١ هو رضي الدين الغزي، محمد بن محمد بن أحمد العامري، المتوفى سنة ٩٣٥هـ، وهو والد مؤلف كتاب: "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد" الذي اختصره العلموي، وهو كتابنا هذا.
[ ٢٧٧ ]
إلهي ليتني لو كنت عبدا بلا خطأ وهل يجدي التمني
إلهي ليتني لا كنت إذ لم أطعك وليت أمي لم تلدني
إلهي إن خوفي زاد لولا رجائي مت من هم وحزن
إلهي من يناقش في حساب يعذب منه يا ربي أقلني
إلهي أنت قهار رحيم بحقك منك يا ذخري أعذني
إلهي ليس إلا أنت ربي فلا أبدا بغيرك تمتحني
إلهي إن أسأت بغير علم فإني فيك قد أحسنت ظني
إلهي أنت قد حققت فقري إليك وليس شيء عنك يغني
إلهي إنني أخشى وأرجو أمانا منك فامنن لي بأمن
إلهي غير بابك في أموري إذا ما ضقت ذرعا لم يسعني
إلهي قد رجعت إليك عما سواك فلا إلى غير تكلني
[ ٢٧٨ ]
إلهي مثلما أحسنت بدءا ففي العقبى بحقك لا تسؤني
إلهي من يعين على وصولي إلى ما ترتضي إن لم تعني
إلهي من سواك يزيل همي ومن أدعوه مضطرا يجبني
إلهي أغن يا رب افتقاري فإنك أنت من يغني ويقني
إلهي أنت قد أوليت فضلا عظيما قط لم يخطر بذهن
إلهي لست أحصي ما به قد منحت من العطاء بلا تعن
إلهي إنني عبد رضي فمن صفو الرضا ربي أذقني
إلهي مع رضاك السقم برء ونار جهنم جنات عدن
إلهي زد بعلم الشرع فقهي ومن علم الحقيقة رب زدني
وبسند مولانا شيخ الإسلام المصنف من شيخه شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا إلى أنس بن مالك -﵁- أن رجلا قال: يا رسول الله، الرجل يحب قوما ولما يلحق بهم؟ ١ فقال النبي ﷺ: "المرء مع من أحب" ٢، وهذا الحديث
_________________
(١) ١ أي: ماذا يصير في أمره؟ ٢ رواه الترمذي رقم ٢٣٨٨ ورقم ٩٦ في الطهارة و٣٥٢٩ و٣٥٣٠ في الدعوات، والنسائي ١/ ٨٣ و٨٤، وانظر جامع الأصول ٦/ ٨٥٥، ٧/ ٢٤٥-٢٤٦.
[ ٢٧٩ ]
ورد من طرق كثيرة في وقائع كثيرة في غالبها التصريح بحب الله ورسوله، ولفظ بعضها: $"أنت مع من أحببت"١، وللعلامة شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر "من السريع":
وقائل هل عمل صالح أعددته يدفع عنك الكرب٢
فقلت حسبي خدمة المصطفى وحبه فالمرء مع من أحب
قال مولانا شيخ الإسلام البدر المصنف "من السريع":
من رام يبلغ أقصى المنى في الحشر مع تقصيره في القرب٣
فليخلص الحب لمولى الورى والمصطفى فالمرء مع من أحب
ولشيخ الإسلام الرضي والده "من الخفيف":
إن تكن عن حال الذين اجتباهم ربهم عاجزا وتطلب قربا٤
حب مولانا والذين اصطفاهم تبق معهم فالمرء مع من أحبا
وبسند مولانا المصنف المشار إليه من شيخه العلامة قاضي القضاة برهان
_________________
(١) ١ رواه أبو داود رقم ٥١٢٦ في الأدب، باب إخبار الرجل الرجل بحبه إليه، وإسناده صحيح. ٢ ريحانة الألبا ١/ ١٤٣. ٣ الكواكب السائرة ٣/ ٧، وريحانة الألبا ١/ ١٣٩. ٤ ريحانة الألبا ١/ ١٤٣.
[ ٢٨٠ ]
الدين بن أبي شريف المقدسي١ إجازة عن الزين القبابي٢ إجازة "ح"، وعن شيخ الإسلام والده عن شيخه الحافظ البرهان البقاعي٣ بسند البقاعي إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة الرازي٤ يقول: حضرت مع أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي٥ عند أبي زرعة الرازي٦ وهو في النزع، فقلت لأبي حاتم: تعالَ حتى نلقنه الشهادة، فقال أبو حاتم: إني لأستحيي من أبي زرعة أن ألقنه الشهادة؛ ولكن تعالَ نتذاكر الحديث، فلعله إذا سمعه يقول، فبدأت فقلت:
_________________
(١) ١ هو أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن علي المري المقدسي ثم القاهري، برهان الدين المعروف بابن أبي شريف: فقيه من أعيان الشافعية، ولد ونشأ بالقدس، وأكمل دروسه بالقاهرة، وأصبح المعول عليه في الفتوى بالديار المصرية، وولي قضاء مصر سنة ٩٠٦هـ، ولم يكمل السنة، وكان يعيش من مصبنة له بالقدس، وتوفي بالقاهرة في أيام الخليفة المتوكل على الله العباسي فصلى عليه سنة ٩٢٣هـ. القبس الحاوي ١/ ٨٣، والكواكب السائرة ١/ ١٠٢، والأعلام ١/ ٦٦. ٢ هو أبو زكريا القبابي، يحيى بن يحيى بن أحمد المحيوي: واعظ، من فقهاء الشافعية، ولد في القباب، بشرقية مصر، وتفقه وأفتى، وانتقل إلى دمشق، فاشتهر، وناب في القضاء والتدريس، وكف بصره في أواخر عمره، وتوفي في دمشق سنة ٨٤٠هـ. الضوء اللامع ١٠/ ٢٦٣، والذيل التام ١/ ٥٩٥. ٣ هو أبو الحسن برهان الدين، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي البقاعي: مؤرخ أديب، أصله من البقاع في سورية، وسكن دمشق، ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي في دمشق سنة ٨٨٥هـ، له مصنفات كثيرة ومفيدة. الذيل التام ٢/ ٣٣٢، ونظم العقيان ص٢٤. ٤ هو أبو عبد الله، محمد بن مسلم بن عثمان بن عبد الله بن وارة الرازي: كان حافظا متقنا، مكثرا، أمينا، صدوقا، فهما، وهو من أهل الري، وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه، وهو صدوق ثقة، وجدت أبا زرعة قد كتب عنه، وكان أبو زرعة يبجله ويكرمه، وقال الطحاوي: ثلاثة من علماء الزمان بالحديث اتفقوا بالري، لم يكن في الأرض في وقتهم مثلهم: أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وارة، مات بالري سنة ٢٧٠هـ. الأنساب ٥/ ٤٦٣، والسير ١٣/ ٢٨، وتهذيب التهذيب ٩/ ٤٥١. ٥ هو أبو حاتم الرازي: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي: حافظ متقن للحديث، من أقران البخاري ومسلم، ولد في الري، وإليها نسبته، وتنقل في البلاد، وتوفي في بغداد سنة ٢٧٧هـ. تاريخ بغداد ٢/ ٧٣، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣١. ٦ هو أبو زرعة الرازي، عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي بالولاء: من كبار حفاظ الحديث، الأئمة، من أهل الري، زار بغداد، وحدث بها، وجالس أحمد بن حنبل، كان يحفظ مائة ألف حديث، توفي بالري سنة ٢٦٤هـ. تاريخ بغداد ١٠/ ٣٢٦، تهذيب التهذيب ٧/ ٣٠.
[ ٢٨١ ]
حدثنا أبو عاصم النبيل١ ثنا عبد الحميد بن جعفر٢ فأرتج عليَّ الحديث حتى كأني لم أسمعه ولا قرأته، فبدأ أبو حاتم فقال: حدثنا محمد بن بشار٣ ثنا أبو عاصم النبيل عن عبد الحميد بن جعفر فأرتج عليه حتى كأنه ما قرأه ولا سمعه، فبدأ أو زرعة -﵁- فقال: حدثني محمد بن بشار ثنا أبو عاصم النبيل ثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي عريب٤ عن كثير بن مرة٥ عن معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وخرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول دخل الجنة" ٦، وذلك في سنة اثنتين وستين ومائتين.
وبسنده المذكور إلى أحمد بن محمد أبي العباس الرازي قال: رأيت أبا زرعة -يعني الرازي ﵁- في المنام فقلت: يا أبا زرعة، ما فعل الله بك؟ قال:
_________________
(١) ١ هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، بالولاء، البصري، المعروف بالنبيل: شيخ حفاظ الحديث في عصره، ولد بمكة، وتحول إلى البصرة، فسكنها وتوفي بها سنة ٢١٢هـ. السير ٩/ ٤٨٠، والتهذيب ٤/ ٤٥٠. ٢ هو أبو الفضل، عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري الأوسي: حافظ محدث ثقة، ولكن كان سفيان الثوري يضعفه من أجل القدر، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وذكر ابن حبان في "ثقاته" وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ١٥٣هـ، وهو ابن سبعين سنة. تهذيب التهذيب ٢/ ٤٧٣. ٣ هو أبو بكر المعروف ببُنْدار، محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري: من حفاظ الحديث الثقات، لم يخرج من البصرة أكثر عمره برا بأمه، قال أبو داود: كتبت عن بندار نحوا من خمسين ألف حديث، وقال العجلي: ثقة كثير الحديث، توفي في سنة ٢٥٢هـ. تاريخ بغداد ٢/ ١٠١، وتهذيب التهذيب ٩/ ٧٠، وانظر تاج العروس "بندر" والسبب في تلقيبه ببندار. ٤ هو صالح بن أبي عريب، واسمه قُليب بن حرمل بن كليب الحضرمي: محدث ثقة، ذكره ابن حبان في "ثقاته". تهذيب التهذيب ٢/ ١٩٧. ٥ هو أبو شجرة، ويقال: أبو القاسم الحمصي الشامي، كثير بن مرة الحضرمي الرهاوي: محدث، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وكان قد أدرك سبعين بدريا، أدرك خلافة عبد الملك بن مَرْوَان. السير ٤/ ٤٦، والتهذيب ٨/ ٤٢٨. ٦ فتح الباري ٣/ ١٠٩.
[ ٢٨٢ ]
لقيت ربي ﷿ فقال: يا أبا زرعة، إني أوتى بالطفل فآمر به إلى الجنة، فكيف من حفظ السنن على عبادي، تبوأ من الجنة حيث شئت، قال: ورأيت أبا زرعة مرة أخرى في المنام كأنه يصلي في السماء الرابعة بالملائكة فقلت: يا أبا زرعة، بم نلت أن تصلي بالملائكة؟ قال: برفع اليدين١، وبه إلى الحافظ عبد الغني٢ بسنده إلى سفيان الثوري -﵁- وقد رآه قبيصة٣ في المنام فقال له قبيصة: ما فعل الله بك؟ فقال "من الطويل":
نظرت إلى ربي عِيَانًا فقال لي هنيئا رضائي عنك يابن سعيد٤
لقد كنت قواما إذا أظلم الدجى بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر تريده وزرني فإني عنك غير بعيد
وبسند المصنف من شيخه شيخ الإسلام أبي يحيى الأنصاري، والعلامة المحقق أبي إسحاق المقدسي٥ بسند كل منهما إلى شيخ الإسلام أبي
_________________
(١) ١ طبقات الحنابلة ١/ ٢٠١. ٢ هو أبو محمد، عبد الغني بن سعيد، من الأزد: شيخ حفاظ الحديث بمصر في عصره، كان عالما بالأنساب متفننا، مولده ووفاته في القاهرة، خاف على نفسه في أيام الحاكم الفاطمي، فاستتر مدة ثم ظهر، توفي سنة ٤٠٩هـ. السير ١٧/ ٢٦٨، وطبقات الحفاظ ١/ ٤١٢، والأعلام ٤/ ٣٣. ٣ هو أبو العلاء الكوفي، قبيصة بن جابر بن وهب الأسدي: تابعي جليل من نبلاء التابعين، من رجال الحديث، الفصحاء، الفقهاء، يعد في الطبقة الأولى من فقهاء أهل الكوفة بعد الصحابة، وهو أخو معاوية بن سفيان من الرضاعة، شهد مع علي الجمل، توفي في سنة ٦٩هـ. تهذيب التهذيب ٨/ ٣٤٤. ٤ إعانة الطالبين ١/ ٢٦٨. ٥ لم يتوجه لنا من هو، ولعله إبراهيم بن أحمد بن المحب عبد الله بن أحمد أبو إسحاق المقدسي، المترجم له في الدرر الكامنة ١/ ٩ "ترجمة رقم ١١".
[ ٢٨٣ ]
الحسن١ السبكي بسنده وسند ابنه إلى عبد الله بن عمر -﵁- أن النبي -ﷺ- مر بمجلسين، أحد المجلسين يدعون الله تعالى ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون العلم ويعلمونه فقال: "كلا المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر، أما هؤلاء فيتعلمون ويعلمون الجاهل فهم أفضل، وأما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وإنما بعثت معلما"، ثم جلس معهم٢.
قال ابن السبكي: لا أعرف حديثا اجتمع فيه رواية الأبناء عن الآباء بعدد ما اجتمع في هذا، إلا ما أخبرنا به أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن بن نباتة الفارقي المصري٣ المحدث بقراءتي عليه بسنده المجرد عن الأبناء والآباء إلى رزق الله بن عبد الوهاب التميمي٤ إملاء، سمعت أبي أبا الفرج عبد الوهاب٥ يقول: سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز٦ يقول: سمعت أبي أبا
_________________
(١) ١ هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الأنصاري، الخزرجي، تقي الدين: شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين، وهو والد التاج السبكي "صاحب الطبقات" ولد في سبك، من أعمال المنوفية بمصر، وانتقل إلى القاهرة، ثم إلى الشام، وولي قضاء الشام، واعتل فعاد إلى القاهرة، فتوفي فيها سنة ٧٥٦هـ، له مصنفات كثيرة، أكثرها ما زال مخطوطا، واستوفى ابنه "تاج الدين" أسماء كتبه، وأورد ما قاله العلماء في وصف أخلاقه، وسعة علمه. طبقات السبكي ١٠/ ١٣٩، وغاية النهاية ١/ ٥٥١، والدرر الكامنة ٣/ ١٣٤. ٢ مسند البزار ٦/ ٤٢٨. ٣ هو أبو بكر، محمد بن محمد بن محمد الجذامي الفارقي المصري، جمال الدين، ابن نباتة: شاعر عصره، وأحد الكتاب المترسلين العلماء بالأدب، أصله من ميافارقين، وسكن الشام، وولي نظارة "القمامة" بالقدس أيام زيارة النصارى لها، فكان يتوجه إليها فيباشر ذلك ثم يعود، ورجع إلى القاهرة، فكان بها صاحب سر السلطان الناصر حسن، مولده ووفاته في القاهرة سنة ٧٦٨هـ. الدرر الكامنة ٤/ ٣٣٩، والنجوم الزاهرة ١١/ ٩٥. ٤ أبو محمد التميمي، رزق الله بن عبد الوهاب بن العزيز: فقيه حنبلي واعظ، من أهل بغداد، كان كبيرها وجليلها، قال العليمي: كان شيخ أهل العراق في زمانه، توفي في سنة ٤٨٨هـ. العبر ٣/ ١٠٤، وذيل طبقات الحنابلة ١/ ٧٧. ٥ هو أبو الفرج التميمي، عبد الوهاب بن عبد العزيز: فقيه حنبلي، واعظ، جلس بعد أخيه أبي الفضل للفتوى والوعظ، وتوفي في سنة ٤٢٥هـ. تاريخ بغداد ١١/ ٣٢، طبقات أبي يعلى ٢/ ٢٤٠. ٦ هو أبو الحسن التميمي، عبد العزيز بن الحارث بن أسد: فقيه حنبلي، له اطلاع على مسائل الخلاف، وصنف في الأصول والفروع والفرائض، قال ابن الجوزي: "وقد تعصب عليه الخطيب -يعني صاحب تاريخ بغداد- وهذا شأنه في أصحاب أحمد" توفي في سنة ٣٧١هـ. تاريخ بغداد ١٠/ ٤٦١، والنجوم الزاهرة ٤/ ١٤٠، وطبقات أبي يعلى ٢/ ١٧٩.
[ ٢٨٤ ]
بكر الحارث١ يقول: سمعت "أبي أسدا، يقول: سمعت أبي الليث، يقول٢: سمعت" أبي سليمان، يقول: سمعت أبي الأسود٣، يقول: سمعت أبي سفيان يقول: سمعت أبي يزيد يقول: سمعت أبي أُكينة٤ يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله٥ يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "ما اجتمع قوم على ذكر الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ٦ ".
قال المصنف: أخبرنا شيخ الإسلام، قاضي القضاة، زين الدين أبو
_________________
(١) ١ في الأصل: "سمعت أبي أبا بكر بن الحارث" وهو وهم؛ لأن اسمه: الحارث بن أسد، أبو بكر، وانظر سند هذا الحديث كاملا في اقتضاء العلم العمل ٣٥-٣٦. ٢ زيادة من مصادر تخريج الحديث. ٣ في الأصل: "سمعت أبي أبا الأسود" وهو وهم. ٤ في الأصل: "أكتمتة" وهو وهم، قال ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٦٠: "أكينة: جد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، قال ابن ماكولا: قال لي رزق الله: إن لجده أكينة صحبة، وحدث ابن ماكولا أيضا عن رزق الله: أن جده عبد الله قدم على النبي -ﷺ- وكان اسمه عبد اللات، فسماه عبد الله، وهو رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي". ٥ قال ابن حجر في الإصابة ٥/ ٧٩: "عبد الله التميمي: له إدراك". ذكر البخاري في "تاريخه" من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله التميمي، قال: بعث عمر بن الخطاب عمار بن ياسر أميرا علينا، ونحن بالمدائن. ٦ مسلم ٤/ ٢٠٧٤، وسنن ابن ماجه ١/ ٨٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٦٠، ومسند أحمد ٣/ ٩٤، وتدريب الراوي ٢/ ٢٦١، والترغيب والترهيب ١/ ٥١، والإصابة ١/ ١٠٩، وانظر طبقات الشافعية الكبرى ٩/ ٢٨٣-٢٨٤، ونفح الطيب ٢/ ٥٧٥، وقد صرح بإن القائل هو أبو حيان، وليس كما جاء هنا، بأنه ابن السبكي، وكما نص عليه في طبقاته، وانظر أيضا الإصابة ١/ ٢٦٠، ٢٦١. وقال ابن حجر أيضا: وقد أخرج الخطيب عن عبد الوهاب والد رزق الله، عن آبائه حديثا ينتهي إلى أكينة المذكور؛ قال: سمعت علي بن أبي طالب، فذكر أثرا ولم يقع يزيد في النسب الذي ساقه الخطيب، وكذلك أورده ابن الصلاح في علوم الحديث، ونص الخطيب على أنهم تسعة آباء، ولا يصح ذلك إلا بإثبات يزيد، وقد ساق ابن ماكولا نسب أكينة فقال: ابن يزيد بن الهيثم بن عبد الله بن الحارث بن كلدة بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم. =
[ ٢٨٥ ]
يحيى زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، تغمده الله برحمته إجازة، قال: أخبرنا العز أبو محمد الحنفي١ إذنا عن الصلاح بن أبي عمر٢ وغيره عن الفخر بن البخاري٣ عن فضل الله بن أبي سعد النوقاني٤ عن الإمام أبي محمد البغوي٥، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي٦ أنا
_________________
(١) = ورويناه في المجلس الذي أملاه رزق الله التميمي بأصبهان قال: سمعت أبي عبد الوهاب يقول: سمعت أبي أبا الحسن عبد العزيز يقول: سمعت أبي أبا بكر الحارث يقول: سمعت أبي أسدا يقول: سمعت أبي سليمان يقول: سمعت أبي الأسود يقول: سمعت أبي سفيان يقول: سمعت أبي يزيد يقول: سمعت أبي أكينة يقول: سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "ما اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة". قال الذهبي: أكثر آبائه لا ذكر لهم في تاريخ ولا في أسماء الرجال، وقد سقط من هذا الإسناد الليث والد أسد، وقد أثبته الخطيب في تاريخه لما ترجم عبد العزيز. قلت: ولكنه لم يقع عند ذكر الهيثم، وقاله شيخ شيوخنا الحافظ العلائي في الوشي المعلم. ١ هو أبو محمد، عبد الرحيم بن علي بن الحسين بن الفرات، الإمام عز الدين: أفتى، ودرس، وجمع، وناب في الحكم، مات ٢٢ من ذي الحجة سنة ٧٤١هـ في القاهرة ودفن بالقرافة. الدرر الكامنة ٢/ ٤٦٨، والنجوم الزاهرة ٩/ ٣٢٦، والجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/ ٤١٤. ٢ هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي عمر محمد بن أحمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي، صلاح الدين، توفي سنة ٧٨٠هـ. إنباء الغمر ١/ ١٨٦، والنجوم الزاهرة ١١/ ١٩٥، وشذرات الذهب ٦/ ٢٦٧-٢٦٨. ٣ هو أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبد الواحد السعدي المقدسي، الصالحي الحنبلي، فخر الدين، المعروف بابن البخاري "عرف بابن البخاري لأن أباه أقام ببخارى مدة يشتغل بالخلاف على الرضي النيسابوري" علامة بالحديث، نعته الذهبي بمسند الدنيا. أجاز له ابن الجوزي وكثيرون، قال ابن تيمية: ينشرح صدري إذا أدخلني ابن البخاري بيني وبين النبي -ﷺ- في حديث، حدث نحو من ستين سنة ببلاد كثيرة، توفي بدمشق سنة ٦٩٠هـ. الأعلام ٤/ ٢٥٧. ٤ هو أبو المكارم، فضل الله بن محمد بن أحمد النوقاني الشافعي، الشيخ الإمام الفقيه العلامة، توفي في سنة ٦٠٠هـ في نوقان "ونَوْقان بالفتح، وهي مدينة صغيرة هي قصبة طوس". بالسير ٢١/ ٤١٣. ٥ هو الحسين بن مسعود بن محمد الفراء، أو ابن الفراء، أبو محمد، ويلقب بمحيي السنة، البغوي: فقيه، محدث، مفسر، نسبته إلى "بغا" من قرى خراسان، بين هراة ومرو، له مصنفات كثيرة، توفي بمرو والروذ سنة ٥١٠هـ. ابن خلكان ٢/ ١٣٦، والسير ١٩/ ٤٣٩، وطبقات الشافعية ٧/ ٧٥. ٦ هو أبو سعيد، أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي.
[ ٢٨٦ ]
أبو إسحاق الثعلبي١ أخبرني ابن فَنْجَوَيه٢ ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان٣ ثنا إبراهيم بن سهلويه٤ ثنا علي بن محمد الطنافسي٥ ثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفيه٦ عن الأصبغ بن نباتة٧ عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه قال: من
_________________
(١) ١ هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق: مفسر، من أهل نيسابور، له اشتغال بالتاريخ، من كتبه: عرائس المجالس، المطبوع باسم: قصص الأنبياء، والكشف والبيان في تفسير القرآن، ويعرف بتفسير الثعلبي، وما زال مخطوطا "وقد طبع مؤخرا في بيروت، في عشرة مجلدات" توفي في سنة ٤٢٧هـ. إنباه الرواة ١/ ١١٩، والأعلام ١/ ٢١٢. ٢ هو أبو عبد الله، الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن صالح بن شعيب فنجويه، الثقفي الدينوري، الشيخ الإمام، المحدث المفيد، كان ثقة صدوقا، كثير الرواية للمناكير، حسن الخط، كثير التصانيف، مات في نيسابور سنة ٤١٤هـ. السير ١٧/ ٣٨٣، وتبصير المنتبه ٣/ ١٠٨٤. ٣ هو أبو بكر القطيعي، أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك: عالم بالحديث، كان مسند العراق في عصره، من أهل بغداد، نسبته إلى "قطيعة الدقيق" فيها، له "القطيعيات" خمسة أجزاء في الحديث، توفي في سنة ٣٦٨هـ. الأنساب ٤/ ٥٠٧، والأعلام ١/ ١٠٧. ٤ لم نجد ترجمته، وعثرنا على ترجمة حفيده "أبو القاسم الفضل بن عمر بن محمد بن إبراهيم بن سهلويه الشرابي الخوزباني" تكملة الإكمال ٢/ ١٨٧، وفي الطيوريات ٤٤٤: "إبراهيم بن سهلويه الدينوري"، وفي تهذيب الكمال ٢١/ ١٢١ روي عن علي بن محمد بن إسحاق بن أبي شداد: "إبراهيم بن سهلويه المعدل"، وانظر أيضا ٢٣/ ٤٠٢ من تهذيب الكمال. ٥ هو أبو الحسن الطنافسي، علي بن محمد بن إسحاق بن أبي شداد الكوفي، مولى آل الخطاب: محدث، ثقة، سكن الري وقزوين، قال أبو حاتم: كان ثقة صدوقا، وقال الخليلي: إمام هو وأخوه الحسن بقزوين، ولهما محل عظيم، وارتحل إليهما الكبار، وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، توفي في سنة ٢٣٣هـ. تهذيب التهذيب ٣/ ١٩٠، والسير ١١/ ٤٥٩. ٦ هو أبو حمزة، ثابت بن أبي صفية دينار الثمالي الأزدي الكوفي: محدث ضعيف، واهي الحديث، ليس بثقة، كان شيعيا رافضيا، يؤمن بالرجعة، قال ابن حبان: كان كثير الوهم في الأخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، مع غلوه في تشيعه، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به، توفي في سنة ١٤٨هـ. الضعفاء للعقيلي ١/ ١٧٢، والمجروحين لابن حيان ١/ ٢٠٦، وتهذيب التهذيب ١/ ٢٦٤. ٧ هو أبو القاسم الكوفي، أصبغ بن نباتة التميمي: محدث، لين الحديث، كوفي تابعي، كان شيعيا رافضيا، يقول بالرحمة، فتن بحب علي فأتى بالطامات، فاستحق الترك، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه عن علي لا يتابعه أحد عليه، وهو بين الضعف، وقال ابن سعد: كان شيعيا، وكان يضعف في روايته، وكان على شرطة علي، وقال البزار: أكثر أحاديثه عن علي لا يرويها غيره. تهذيب التهذيب ١/ ١٨٣.
[ ٢٨٧ ]
أحب١ أن يكتال له بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠-١٨٢] .
قال مصنفه نفع الله بعلمه، وأيده بحلمه: هذا آخر ما تيسر تعليقه من هذا الكتاب، نفع الله به المسلمين ببركة الكريم الوهاب، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، واختم لنا منك بخير، وأصلح لنا شأننا كله، وافعل ذلك بإخواننا وأحبابنا وسائر المسلمين.
علقه مختصرا لنفسه، ثم لمن شاء الله من بعده، المفتقر إلى رحمة ربه القوي، عبد الباسط بن موسى العلموي، ثم الموقت الواعظ بالجامع الأموي، لطف الله به بجاه النبي المصطفوي.
_________________
(١) ١ انظر تفسير القرطبي ١٥/ ١٣٦، وابن كثير ٤/ ٢٧ وتفسير الماوردي ٥/ ٧٤، وتفسير البغوي ٤/ ٤٦، وقال القرطبي: "ذكره الثعلبي من حديث علي -﵁- مرفوعا" وقال ابن كثير: "وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: "سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب وإليك". وقد أفردت لها جزءا على حدة إن شاء الله تعالى"، وانظر أيضا الدر المنثور ٥/ ٥٥٤، وشعب الإيمان ٢/ ١٨٩، وحلية الأولياء ٧/ ١٢٣.
[ ٢٨٨ ]