أما التفسير فهو معرفة معاني كتاب الله العزيز، وما أريد به، وهو قسمان: ما لا يعرف إلا بتوقيف، وما يدرك من دلالة الألفاظ بواسطة علوم أخر كلغة وغيرها، وقد جاء في فضله وآدابه أخبار وآثار١:
منها ما ورد في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: الحكمة القرآن والفكرة فيه٢، وهذا عن ابن عباس، وفي رواية عنه: الحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله٣.
وقال رسول الله ﷺ: "أعربوا٤ القرآن والتمسوا غرائبه"٥. وعن أبي بكر الصديق ﵁: لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية٦، وعن عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ القرآن فأعربه كان له عند الله أجر شهيد٧،
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي ١/ ٣٧. ٢ تفسير القرطبي ٣/ ٣٣١. ٣ تفسير القرطبي ٣/ ٣٣١. ٤ والمراد بالإعراب: البيان وفهم المعنى، وإلا فالإعراب اللفظي من لازم البيان، ومن قرأ القرآن بلا تجويد أثم، والله أعلم. ٥ الحديث في الجامع الكبير رقم ٤٥/ ٣٤٨٣، والجامع الصغير رقم ١١٤٩، والمستدرك ٢/ ٤٧٧، ومجمع الزوائد ٧/ ١٦٣، ومسند أبي يعلى ١١/ ٤٣٦، وتفسير القرطبي ١/ ٢٣. ٦ فضائل القرآن لأبي عبيد ٣٤٨، والإتقان ٤/ ١٧٢، والإيضاح لابن الأنباري ١/ ٢٣، وكنز العمال ٢/ ٣٢٧ حديث رقم ٤١٥٢. ٧ تفسير القرطبي ١/ ٢٣، وكنز العمال ٢/ ٣٣٦ حديث رقم ٤١٧٧.
[ ٦٣ ]
وكان الصحابة يأخذون من رسول الله -ﷺ- عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل١، وقال ﷺ: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"٢، وفي رواية: "من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"٣، وفي رواية: "من قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار" ٤.
وأما الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح فهو من أجل العلوم بعد القرآن٥، وهو ما أضيف إلى النبي -ﷺ- قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة حتى الحركات والسكنات، واليقظة والنوم٦، وقيل: أو أضيف إلى صحابي أو من دونه، والمشهور بين جماعة من الفقهاء أن ذلك أثر لا خبر٧، ثم عِلْمُ الحديث ضربان:
أحدهما: علم رواية٨، وحدُّه بأنه علم مشتمل على نقل ما ذكر، وموضوعه ذات النبي -ﷺ- من حيث أنه نبي، وغايته الفوز بسعادة الدارين.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٧/ ١٦٥، والمصنف لابن أبي شيبة ٦/ ١١٧، ومسند أحمد ٥/ ٤١٠. ٢ رواه الترمذي رقم ٢٩٥١ في التفسير ورقم ٢٩٥٢، وأحمد في المسند رقم ٢٠٦٩ و٣٠٢٥، والطبري في تفسيره رقم ٧٣ و٧٤ و٧٥، وانظر جامع الأصول ٢/ ٦، وفيض القدير ٦/ ١٩٠. ومعنى فليتبوأ: أي فليتخذ له مباءة، يعني منزلا. ٣ رواه الترمذي رقم ٢٩٥٣ في التفسير، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، وأبو داود رقم ٣٦٥٢ في العلم باب الكلام في كتاب الله بغير علم، وأخرجه الطبري في جامع البيان رقم ٨٠، وانظر جامع الأصول ٢/ ٣، وفيض القدير ٦/ ١٩٠. ٤ مسند أبي يعلى ٤/ ٤٥٨، ومجمع الزوائد ١/ ١٦٣، والمطالب العالية رقم ٣٠٢٧، ومسند أحمد ١/ ٣٢٣ و٣٢٧، والطبري ١/ ٣٤، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٥ الباعث الحثيث ص١٧. ٦ شرح ألفية العراقي ١/ ١٢. ٧ تدريب الراوي ١/ ١٨٤. ٨ علم رواية الحديث: هو علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث بالرسول -ﷺ- من حيث أحوال رواتها ضبطا وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالا وانقطاعا وغير ذلك.
[ ٦٤ ]
الثاني: علم دراية١، وهو المراد عند الإطلاق٢ والذي كلامنا هنا فيه، ويحد أنه علم تعرف به معاني ما ذكر ومتنه، ورجاله، وطرقه، وصحيحه، وسقيمه، وعلله، وما يحتاج إليه فيه ليعرف المقبول منه والمردود، وموضوعه الراوي والمروي من حيث ذلك، وغايته: معرفة ما يقبل من ذلك ليعمل به، وما يرد منه ليجتنب، ومسائله ما ذكر في كتبه من المقاصد.
ومما جاء في فضله وآدابه من الأخبار قوله ﷺ: "ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ مَن هو أوعى له منه" ٣، وفي رواية: "رب مبلغ أوعى من سامع" ٤، وقوله: "نضر ٥ الله امرأ سمع مقالتي فوعاها"، وفي رواية: "سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" ٦، وقوله: "من أدى إلى أمتي حديثا تقام به سنة أو تثلم به بدعة فله الجنة"٧، وقوله ﷺ: "اللهم ارحم خلفائي" قيل: من خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون من بعدي فيروون أحاديثي ويعلمونها الناس"٨، وقوله
_________________
(١) ١ علم دراية الحديث: وهو علم باحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها مبنيا على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقا لأحوال النبي ﷺ. ٢ أي: إذا أطلق علم الحديث، فالمرد علم الدراية لا الرواية، وإن كان رواية فيقيد بها. ٣ البخاري ٣/ ٤٥٩ في الحج، وفي الأضاحي ١٠/ ٦، وفي التفسير ٨/ ٢٤٤، وفي بدء الخلق ٦/ ٢١١، وفي الفتن ١٣/ ٢٣، وفي العلم ١/ ١٤٥، وأخرجه مسلم رقم ١٦٧٩ في القسامة، باب تحريم الدماء، وأبو داود رقم ١٩٤٧ في الحج، باب الأشهر الحرم، وانظر جامع الأصول ١/ ٢٦، ومسند أحمد حديث رقم ٢٠٤٠٧. ٤ رواه البخاري حديث رقم ١٦٥٤، وانظر شعب الإيمان ٤/ ٣٨٦، ومسند أحمد حديث رقم ٢٠٤٥٣ و٢٠٤٩٨. ٥ أي: جعل الله وجهه نَضِرًا يوم القيامة إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ . ٦ سنن ابن ماجه حديث رقم ٢٣٠، والمعجم الأوسط ٢/ ٧٨، ومسند أحمد ٣/ ٢٢٥. ٧ مفتاح الجنة للسيوطي ١/ ٥٤، وفيض القدير حديث رقم ٨٣٦٣. ٨ مجمع الزوائد ١/ ١٢٦، والفردوس بمأثور الخطاب ١/ ٤٧٩، وفيض القدير ٢/ ١٤٩، وكنز العمال رقم ٢٩٢٠٨ و٢٩٤٨٨.
[ ٦٥ ]
ﷺ: "من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها وكنت له شافعا"١، وقوله ﷺ: "من تعلم حديثين اثنين ينفع بهما نفسه أو يعلمهما غيره فينتفع بهما كان خيرا من عبادة ستين سنة"٢، وقوله ﷺ: "من رد حديثا بلغه عني فأنا مخاصمه يوم القيامة، فإذا بلغكم عني حديث فلم تعرفوه فقولوا: الله أعلم"٣، وقوله ﷺ: "من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٤، وقوله ﷺ: "من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدقها لم ينلها"٥، وقوله ﷺ: "من كذب علي متعمدا أو رد شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم"٦، وقوله ﷺ: "من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذَّب ثلاثة: الله، ورسوله، والذي حدث به"٧.
وقال أبو سعيد الخدري٨: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن٩، وقال علي: تذاكروا الحديث فإنكم إلا تفعلوا يندرس١٠، وقال
_________________
(١) ١ البيان والتعريف ٢/ ٢١٥، وفيض القدير حديث رقم ٨٦٣٩، وميزان الاعتدال ٢/ ٤٣١ و٥/ ١٤٩، وكشف الخفاء ٢/ ٣٢٢. ٢ مفتاح الجنة ١/ ٦٧. ٣ المعجم الكبير ٦/ ٢٦٢، ومجمع الزوائد ١/ ١٤٧، ومفتاح الجنة ١/ ٥٤. ٤ صحيح مسلم ١/ ٩، وصحيح ابن حيان ١/ ٢١١، والترمذي ٥/ ٣٦، ومصباح الزجاجة ٣/ ١٦٠، وسنن ابن ماجه ١/ ١٥. ٥ رواه الطبراني في الأوسط حديث رقم ٥١٢٩، وفيض القدير رقم ٨٥٦٢، وكنز العمال رقم ١٣١٧. ٦ سنن البيهقي الكبرى ١٠/ ١١٦، ومسند أحمد ٣/ ٤٢٢، ومسند أبي يعلى ١/ ٧٤. ٧ المعجم الأوسط رقم ٧٥٩٦، ومجمع الزوائد ١/ ١٤٩، ومجمع البحرين "٣٠٠". ٨ هو أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان الخدري، الأنصاري الخزرجي: صحابي، كان من ملازمي النبي ﷺ، وروى عنه أحاديث كثيرة، توفي في المدينة سنة ٧٤هـ. السير ٣/ ١٦٨، وتهذيب الكمال ١٠/ ٢٩٤. ٩ مفتاح الجنة ١/ ٥٠، تدريب الراوي ٢/ ١٥٢، المدخل إلى السنن الكبرى ١/ ٣٠٦. ١٠ مصنف ابن أبي شيبة ٥/ ٢٨٥، والمستدرك على الصحيحين ١/ ١٧٣.
[ ٦٦ ]
ابن مسعود١: تذاكروا الحديث فإن ذكر الحديث حياته٢، وكان أنس بن مالك٣ إذا حدث عن رسول الله -ﷺ- حديثا ففرغ منه قال: أو كما قال صلى الله عليه وسلم٤، وكان قتادة٥ يستحب ألا تقرأ الأحاديث التي عن النبي -ﷺ- إلا على الطهارة٦، وكان الأعمش٧ إذا أراد أن يحدث على غير طهر تيمم٨، وكان السلف يكرهون أن يحدثوا على غير طهر٩، وكان ثابت١٠ إذا حدث١١
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن مسعود بن غافر الهذلي: صحابي، من أكابرهم فضلا وعقلا وقربا من رسول الله، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله الأمين، وصاحب سره، ورفيقه في حله وترحاله وغزواته، توفي في المدينة سنة ٣٢هـ. الإصابة ترجمة رقم ٤٩٥٥، والأعلام ٤/ ١٣٧. ٢ سنن الدارمي ١/ ١٥٦، وحلية الأولياء ٢/ ١٠١، والحدث الفاصل ١/ ٥٤٦، والمدخل إلى السنن الكبرى ١/ ٢٨٩، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٢٦٨. ٣ هو أبو ثمامة، أنس بن مالك بن النضر النجادي الخزرجي الأنصاري: صاحب رسول الله وخادمه، مولده بالمدينة، وأسلم صغيرا، وخدم النبي إلى أن قبض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات فيها سنة ٩٣هـ. الأعلام ٢/ ٢٤. ٤ سنن ابن ماجه حديث رقم ٢٤، وذلك إزالة للشك، لاحتمال أن يكون زاد كلمة أو حرفا؛ فلذلك يقول: أو كما قال، وهذا هو الرماية بالمعنى. ٥ هو أبو الخطاب، قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، السدوسي البصري: مفسر حافظ ضرير أكمه، وكان مع علمه بالحديث رأسا في العربية، ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب، وكان يرى القدر، وقد يدلس في الحديث، مات بواسط في الطاعون سنة ١١٨هـ. تذكرة الحفاظ ١/ ١١٥، والأعلام ٥/ ١٨٩. ٦ تدريب الراوي ٢/ ١٣١، والمدخل إلى السنن الكبرى ١/ ٣٩٢، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١/ ٤١٠، ومفتاح الجنة ١/ ٥٢. ٧ هو أبو محمد، سليمان بن مهران الأسدي بالولاء، الملقب بالأعمش: تابعي مشهور، كان عالما بالقرآن والحديث والفرائض، قال الذهبي: كان رأسا في العلم النافع والعمل الصالح، أصله من بلاد الري، ومنشؤه ووفاته في الكوفة سنة ١٤٨هـ. تاريخ بغداد ٩/ ٣، والأعلام ٣/ ١٣٥. ٨ مفتاح الجنة ١/ ٥٢، وتدريب الراوي ٢/ ١٣١. ٩ تدريب الراوي ٢/ ١٣١. ١٠ هو أبو محمد، ثابت بن أسلم البناني البصري: تابعي، ثقة، من كبار العباد والزهاد، رهبان الليل، وهو من الثقات المأمونين، وكان صحيح الحديث، وهو من أثبت أصحاب أنس بن مالك، توفي سنة ١٢٧هـ. الحلية ٢/ ٣٦١، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٢٥. ١١ أي: أراد أن يحدث.
[ ٦٧ ]
دعا بطيب فمسح بيديه وعارضيه، وكان مالك١ إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول ﷺ، وكان يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم٢، إلى غير ذلك من فعالهم المحمودة، وتوقيراتهم المشهورة المعدودة، نفعنا الله بهم وبعلومهم.
وأما الفقه وأصله في اللغة الفهم٣، وقيل: فهم الأشياء الدقيقة، وقيل: التوصل إلى علم غائب بعلم مشاهد، وهو في الاصطلاح المقصود: علم بحكم شرعي فرعي مكتسب من دليل تفصيلي، سواء كان من نصه أو استنباطا منه، وهذا أحسن ما قيل في حده، وموضوع الفقه أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام المذكورة لها، واستمداده من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وسائر الأدلة المعروفة، وفائدته امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهية المحصلان للفوائد الدنيوية والأخروية، ومحل هذا كله أصول الفقه.
ومما ورد في فضل الفقه وآدابه أخبار؛ منها: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" ٤، وخبر: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"٥، وقوله ﷺ: "خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت، ولا فقه ٦ في
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميدي: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، كان صلبا في دينه، بعيدا عن الأمراء والملوك، مولده ووفاته في المدينة سنة ١٧٩هـ. وفيات الأعيان ٤/ ١٣٥، والأعلام ٥/ ٢٥٧. ٢ صفوة الصفوة ٢/ ١٧٨، ومفتاح الجنة ١/ ٥١. ٣ انظر اللسان والتاج "فقه". ٤ رواه البخاري ٦/ ١٥٢، ومسلم ١٠٣٧، والترمذي ٢٦٤٧، وأحمد في المسند ٤/ ٩٣، والبغوي ١٣١، ١٣٢. ٥ رواه الترمذي ٢٦٨٣، وابن ماجه ٢٢٢، والبيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٢٦٧، وانظر أيضا كنز العمال ٢٨٧٥٢، ومجمع الزوائد ١/ ١٢١. ٦ قال الحفني في حاشيته على الجامع الصغير: المعنى على الإثبات، فـ"لا" زائدة، وقال المناوي في التيسير: عطفه على حسن سمت بـ"لا" مع كونه مثبتا لكونه في سياق النفي، انظر فيض القدير ٣/ ٥٨٧.
[ ٦٨ ]
الدين" ١، وقوله ﷺ: "أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع"٢، وكان النبي -ﷺ- وأصحابه إذا جلسوا كان حديثهم الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة، أو يأمر بقراءة سورة٣.
إذا علمت ذلك فاعلم أن القسمين الأولين٤ هما أصلان للثالث؛ لأن استمداده منهما ومن مضمونهما استنبط واستخرج ولكنه فضل عليهما؛ لأنه النتيجة والمقصود منهما غالبا؛ ولذلك كان من الفقهاء الحكام والمفتون، لا من المفسرين والمحدثين الخالين عن الفقه، وسيظهر لك من الفصل الثاني ما يدل لذلك، ثم ما عدا ما ذكر من العلوم ليس بعلم شرعي، ولكن بعضها من توابعه والنافع فيه كعلم النحو والتصريف واللغة والحساب النافع في قسمة المواريث ونحو ذلك.
وأما علم أصول الفقه فلا يُنفى عن الشرع، بل هو أُسُّ الفقه والمعول عليه فيه، وأما علم أصول الدين فهو من أهم العلوم وأعظمها والمقصود هو ما يتعلق بمعرفة الله تعالى وصفاته، وما يجب له، ويمتنع عليه، وما يرد به على المبتدعة، بخلاف الخوض في الكلام والجدل وإقامة الشبه ونحو ذلك فهو مذموم حرام، بل هو بالجهل أشبه منه بالعلم، بل الجهل خير منه وأسلم، وعليه يحمل التحذير منه الوارد عن السلف، وسيأتي ذلك في الفصل الثاني، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ٢٦٨٥ في العلم، وانظر فيض القدير ٣/ ٥٨٧، وجامع الأصول ١١/ ٥٧٠. ٢ مسند الشهاب ٢/ ٢٤٩، والفردوس بمأثور الخطاب ١/ ٣٥٤. ٣ طبقات ابن سعد ٢/ ٣٧٤. ٤ أي: التفسير والحديث.
[ ٦٩ ]