اعلم أن المناظرة في أحكام الشرع من الدين أيضا، ولكن لها شروط ومحل ووقت.
فمن اشتغل بذلك في وقته ومحله وقام بشروطه فقد اقتدى بالصحابة -﵃- فإنهم تشاوروا في مسائل، وبالسلف الصالحين كالشافعي ومحمد بن الحسن وغيرهما، فإنهم تناظروا في مسائل، وما تناظروا إلا لله ولطلب ما هو حق عند الله تعالى٢، وقد مر قول المذكورين وغيرهما في ذلك، وسيأتي ذكر نبذة يسيرة من عيون مناظرتهم آخر هذا الباب إن شاء الله تعالى، ولمن يناظر لله وفي الله علامات: الأولى: ألا يشتغل به من لم يتفرغ عن فرض العين؛ لأن غايته أنه فرض كفاية، فيكون كمن ترك الصلاة المفروضة، واشتغل بنسج الثياب ويقول: غرضي بذلك ستر عورة من يصلي، فيقال له: كذبت لو أردت ذلك لصليت أولا لنفسك، ثم نظرت إلى صلاة غيرك.
الثانية: ألا يرى فرض كفاية آخر أهم من المناظرة ويتركه، فإن المناظر طلب مآخذ الشرع لينال رتبة الاجتهاد، وهذا من فروض الكفايات، فإن رأى فرض كفاية معطلا لا قائم به فلا يشتغل بما قام به جماعة.
وعلم الأحاديث في هذا العصر من فروض الكفايات ولا قائم به وقد أشرف
_________________
(١) ١ فاتحة العلوم ١١٠. ٢ فاتحة العلوم ١١٠.
[ ٢٢٣ ]
على الاندارس وهو أصل الدين، فمن يهمل ذلك ويزعم أنه يتعلم الخلاف لله فهو كمن ترك جماعة من الناس عطاشا مشرفين على الهلاك وهو قادر على أن يسقيهم ما يحييهم به فاشتغل بتعلم صناعة الحجامة، وفي الحجامين كثرة وزعم أن غرضه القيام بفرض الكفاية؛ إذ لو خلا البلد عن الحجامين لتعرضوا للهلاك.
ومن جملة فروض الكفاية التي لا قائم بها لا سيما الآن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يكون المناظر في مجلس مناظرته مشاهدا للحرير ملبوسا ومفروشا وهو لا ينكره، ويناظر في دباغ جلد الكلب والتوضي بنبيذ التمر ونحو ذلك مما لا يتفق قط، بل يجري منه ومن غيره في مجلس المناظرة من الغيبة والإيحاش١ والإيذاء ما يعصي به القائل والمستمع ولا يلتفت قلبه إلى شيء من ذلك، ثم يزعم أنه يناظر لله تعالى، فانظر هل كانت مشاورة الصحابة ومناظرة السلف من هذا الجنس؟
الثالثة: أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله تعالى- حتى إذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل إليه، كذلك كانت مناظرة السلف، فأما من لا يجتهد فليس له مخالفة صاحب مذهبه، فأي فائدة له في المناظرة وهو لا يقدر على تركه إن ظهر ضعفه، ولو كانت مباحثته عن محل القولين والوجهين لكان أحرى وأنفع، فإنه ربما يفتي به، ولكن ميله إلى إظهار اتساع علمه في إفحام خصمه٢ وإظهار ضعف كلامه.
الرابعة: أن يناظر في واقعة مهمة، أو في مسألة قريبة من الوقوع، فما خاض الصحابة في المشاورة إلا بعد وقوع الواقعة لا قبله إلا في الفرائض لعلمهم بأن ذلك لا بد من وقوعه عن قرب، وقد مر النهي عن المسائل قبل وقوعها، ولا
_________________
(١) ١ احتوش القوم الصيد: نفَّره بعضهم على بعض، وانحاش منه: نفر منه، والإيحاش مصدر منه. ٢ كلمه ففَحَمَ: لم يطق جوابا، وأفحمته: إذا أسكته، والإفحام مصدر منه.
[ ٢٢٤ ]
ترى المناظر يهتم بتمييز ما تعم به البلوى١ كطلاق السكران وتخليل الخمر وكون الخلع٢ فسخا أو طلاقا عما لا تعم به من التوضي بنبيذ التمر، ودباغ جلد الكلب، وذكاة الحمار، ونحو ذلك.
الخامسة: أن تكون المناظرة في الخلوة أحب إليه منها في المحفل٣ والصدور٤، فإن الخلوة أجمع للهم وأحرى بصفاء الفكر، وفي حضور الخلق ما يحرك دواعي٥ الرياء والحرص على الإفحام ولو بالباطل، وأنت تعلم كسلهم عن الجواب عن المسألة في الخلوة، وتنافسم في المسألة في المحفل.
السادسة: أن يكون في طلب الحق كمنشد٦ ضالة يكون شاكرا متى وجدها، ولا يفرق بين أن تظهر على يده أو على يد غيره فيرى رفيقه معينا لا خصما، ويشكره إذا عرقه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه غيره عليها أنها في طريق آخر، والحق ضالة المؤمن يطلبه كذلك، فحقه إذا ظهر الحق على لسان خصمه أن يفرح به ويشكره لا أنه يخجل ويسود وجهه ويربد لونه٧، ويجتهد في مجاحدته٨ ومدافعته جهده٩.
فقد ردت امرأة على عمر -﵁- وهو في خطبته على ملأ من الناس فقال:
_________________
(١) ١ تعم به البلوى: يكثر قوعه. ٢ الخلع: باب من أبواب الفقه الإسلامي، تابع لأحكام النكاح. ٣ المحفل: مجتمع الناس، وجمعه: محافل. ٤ كل ما واجهك فهو صدر، والصدر: الطائفة من كل شيء. ٥ دواعي: جمع داع، وهو ما يدعو الإنسان إلى الشيء خيرا كان أو شرا. ٦ نشد الضالة ينشدها: إذا طلبها وعرفها، فهو منشد. ٧ اربدَّ وجهه وارمدَّ: إذا تغير. ٨ الجحد: نقيض الإقرار كالإنكار، والمجاحدة: مفاعلة منه، تعني المشاكلة، أي: اشتراك الفريقين بالصفة. ٩ فاتحة العلوم ١١٢.
[ ٢٢٥ ]
صدقت، أصابت امرأة وأخطأ رجل١. ورد رجل على علي بن أبي طالب -﵁- فقال: أصبتَ وأخطأتُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وسئل أبو موسى الأشعري٣ -وكان أمير الكوفة٤- عن رجل قاتل عن سبيل الله فقتل فقال: هو في الجنة، وكان ابن مسعود -﵁- حاضرا فقال: أعد على الأمير فلعله لم يفهمه، فأعاد الجواب فقال ابن مسعود: وأنا أقول: إن أصاب الحق فقتل فهو في الجنة، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر٥ بين أظهركم٦.
ولو اعتُرض الآن بمثل هذا على أقل فقيه لأنكر واستبعد وقال: هذا لا يحتاج إلى ذكره فإنه معلوم وإن لم يذكر، وما يجري هذا المجرى، والله أعلم.
السابعة: لا يمنع معينه من الانتقال من دليل إلى دليل، ومن سؤال إلى سؤال، بل يورد ما يحضره ويخرج من كلامه جميع دقائق الجدل هكذا كانت مناظرة أهل الدين، فأما قوله: هذا لا يلزمني وقد تركت كلامك الأول وليس لك ذلك، فهذا محض عناد، بل الرجوع إلى الحق أبدا يكون مناقضا للباطل فيجب قبوله، وأنت ترى المناظرات في المحافل تنقضي بمحض المجادلات
_________________
(١) ١ فاتحة العلوم ١١٢. ٢ فاتحة العلوم ١١٣. ٣ هو عبد الله بن قيس بن سليم، أبو موسى، من بني الأشعر، من قحطان: صحابي، من الشجعان الولاة الفاتحين، ولد في زبيد باليمن، وقد مكة فأسلم، ثم سكن الكوفة، واستقر بها، حتى وافته المنية بها سنة ٤٤هـ، وهو أحد الحكمين اللذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين، وكان أحسن الصحابة صوتا في قراءة القرآن. الإصابة ترجمة ٤٨٨٩، وغاية النهاية ١/ ٤٤٢. ٤ مدينة مشهورة من مدن العراق، لها تاريخ عريق، وحاضر مشرق، أسسها سعد بن أبي وقاص بعد معركة القادسية قرب الحيرة، أنجبت علماء ومحدثين ونحويين ولغويين، وكانت مع البصرة مركزا للثقافة العربية. ٥ الحبر: العالم الكبير، وهو واحد الأحبار، وهو أيضا العالم الصالح، وهو مأخوذ من تحبير العلم وتحسينه. ٦ فاتحة العلوم ١١٣.
[ ٢٢٦ ]
حتى يقيس المستدل على أصل فيطالب بعلته فيذكرها، فيطلب بالدليل على علة الأصل فيقول: هذا ما ظهر لي فإن ظهر لك ما هو أولى منه فاذكره، فيصر المعترض ويقول: أعرفه ولا أذكره ولا يلزمني ذكره، وينقضي المجلس في الإصرار١ على العناد، وقوله: أعرفه ولا يلزمني ذكره مع سؤال عنه كذب على الشرع، فإنه إن كان يعرف وقصده تعجيز خصمه فهو فاسق كذاب عصى الله تعالى.
وإن كان صادقا فقد فلق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه ليرجع إليه عند قوته، ويظهر له أمره ويخرجه عن ظلمة الجهل عند ضعفه، ولا خلاف أن إظهار ما علم من الدين واجب عند السؤال، ومن كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، فانظر في مناظرات السلف هل سمعت فيها مثل ذلك؟ أو إنكارا على من انتقل من آية إلى خبر، ومن أثر إلى خبر، بل ذكر الله تعالى في مناظرة إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فانتقل إلى دليل آخر لما رأى الأول لا يدركه فهمه، والله أعلم.
الثامنة: أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم ليستفيد منه إن كان يطلب الحق، والغالب أنهم يحترزون من مناظرة الفحول٢ والأكابر خوفا من ظهور الحق على لسانهم، ويرغبون فيمن دونهم طمعا في ترويج الباطل عليه، ووراء هذه الشروط والآداب شروط وآداب دقيقة، ولكن في هذه الثمانية ما يهديك إلى من يناظر لله وإلى من يناظر لعلة.
_________________
(١) ١ أصر على الشيء: إذا لزم، وثبت عليه. ٢ الفحل: الذكر من الشيء، وجمعه فحول، ويقال عن الذين غلبوا من الشعراء، أو سادوا من العلماء.
[ ٢٢٧ ]
واعلم أن من لا يناظر الشيطان، وهو على قلبه مُسْتَوْلٍ وقد شهد الله له بالعداوة، وأنه لا يزال يدعوه إلى هلاكه، ثم يناظر في مسائل للمخطئ فيها أجر واحد وللمصيب أجران، فهو ضحكة للشيطان، وعبرة للمخلصين، وذلك يشمت١ الشيطان به لما غمسه في ظلمات الآفات كما نعد ونفصلها.
_________________
(١) ١ الشماتة: الفرح ببلية العدو.
[ ٢٢٨ ]