وتعليمه ونشره وحضور مجلسه والحث على ذلك، وترجيح الاشتغال به على الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات القاصرة على فاعلها:
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧، ٨] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] إلى غير ذلك من الآيات في الأصلين المذكورين سابقا.
وقال ﷺ: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين" ١، وقال ﷺ لعلي٢ ﵁: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ٣، وقال ﷺ لمعاذ٤ لما بعثه إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها"، وقال ﷺ: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم
_________________
(١) ١ حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم عن معاوية، انظر سلسلة الصحيحة ١٩٥، وصحيح الجامع الصغير ٦٦١٢. ٢ هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. ٣ رواه البخاري ٧/ ٥٧، ٥٨، في فضائل أصحاب النبي -ﷺ- ومسلم حديث رقم ٢٤٠٦ في فضائل الإمام علي ﵁. ٤ هو أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي: صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي -ﷺ- أسلم وهو فتى، وشهد المشاهد جميعها مع المصطفى، وأرسله الرسول قاضيا ومرشدا لأهل اليمن، توفي عقيما بناهية الأردن سنة ١٨هـ. غاية النهاية ٢/ ٣٠١، والأعلام ٧/ ٢٥٨.
[ ٤١ ]
رضًى بما يصنع"١، وقال ﷺ: "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت في الماء، ليصلون على معلمي الناس الخير" ٢، وقال ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" ٣، وقال ﷺ: "من طلب علما فأدركه كتب الله له كفلين من الأجر، ومن طلب علما فلم يدركه كتب الله له كفلا من الأجر"٤.
وروى النووي بسند متصل بزكريا بن يحيى الساجي٥ قال: كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا في المشي وكان معنا رجل ماجن متهم في دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه وسقط. وأسند أيضا إلى أبي داود السجستاني٦ أنه قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع حديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًى بما يصنع" فجعل في نعليه مسمارين من حديد وقال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة، فأصابته الآكلة في رجله، وفي رواية: فشلت رجلاه ويداه وسائر أعضائه، وفي رواية: أنه تفسخت بنيته٧.
_________________
(١) ١ حديث صحيح، كما في صحيح الجامع الصغير ١٩٥٦، وصحيح الترغيب ٦٨، والإحياء ١/ ١٧. ٢ حديث صحيح، راه الترمذي ٢٦٨٦ في العلم، وانظر جامع الأصول ٩/ ٢٢٧، وصحيح الجامع الصغير ١٨٣٨، وصحيح الترغيب ٧٨، والإحياء ١/ ١٩-٢٠. ٣ سنن ابن ماجه ١/ ٥٠ و٨١، والجامع الكبير ١/ ٥٦٦-٥٦٧، وفيض القدير ٤/ ٢٦٧-٢٦٨، والجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٤٦٢. ٤ الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٣٥. ٥ هو أبو يحيى، زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن عدي الضبي البصري الساجي: محدث البصرة في عصره، وكان من الحفاظ الثقات، له كتاب جليل في "علل الحديث" يدل على تبحره، توفي بالبصرة سنة ٣٠٧هـ. تذكرة الحفاظ ٢/ ٩١، والأعلام ٣/ ٤٧. ٦ هو أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني: إمام أهل الحديث في زمانه، أصله من سجستان، ورحل رحلة كبيرة، وتوفي بالبصرة سنة ٢٧٥هـ. تاريخ بغداد ٩/ ٥٥، والأعلام ٣/ ١٢٢. ٧ فيض القدير ١/ ٥٤٣، ٢/ ٣٩٣، والرحلة في طلب الحديث ص٨٥، وتحفة الأحوذي ٧/ ٣٧٦.
[ ٤٢ ]
وقال ﷺ: "نوم مع علم خير من صلاة على جهل"١، وقال ﷺ: "يقول الله ﷿ للعلماء يوم القيامة: إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان فيكم ولا أبالي"٢.
وقال ﷺ: "مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة"٣، وقال ﷺ: "قليل العلم خير من كثير العبادة"٤.
وقال ﷺ: "من غدا إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان له كأجر معتمر تام العمرة، ومن راح إلى المسجد لا يريد إلا ليتعلم خيرا أو يعلمه فله أجر حاج تام الحجة".
وعن علي ﵁: العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلم لا يسده إلا خلف منه، وعنه ﵁: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه ويفرح إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه، وعنه ﵁: أنه قال لكميل٥ بن زياد: يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، وعنه: قيمة كل امرئ علمه.
_________________
(١) ١ حديث ضعيف، رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن أبي أوفى، انظر سلسلة الضعيفة ٤٦٩٦، وضعيف الجامع الصغير ٥٩٧٣. ٢ تفسير ابن كثير ٣/ ١٤٢ و٥٥٨، ومجمع الزوائد ١/ ١٢٦، والمعجم الكبير ٢/ ٨٤، والترغيب والترهيب ١/ ٥٧، وكنز العمال ١٠/ ١٧٢، حديث رقم ٢٨٨٩٥. ٣ كنز العمال رقم ٢٨٩١٧، وقال: رواه الدارقطني في الأفراد عن ابن عمر، وهو ضعيف، وانظر الفقيه والمتفقه ١/ ١٤، وكتاب العلم للنووي ٦٩. ٤ رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه ١/ ١٥، وانظر الحلية ٥/ ١٧٣، ومجمع البحرين ١/ ١٢، وجامع بيان العلم ١/ ٩٩-١٠٠. ٥ هو كميل بن زياد بن نهيك النخعي: تابعي ثقة من أصحاب علي بن أبي طالب، كان شريفا مطاعا في قومه، شهد صفين مع علي، وسكن الكوفة، وروى الحديث، قتله الحجاج صبرا سنة ٨٢هـ. تهذيب التهذيب ٨/ ٤٤٧، والأعلام ٢٣٤.
[ ٤٣ ]
وقال صلى الله عليه وسلم١: سمعنا رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا جاء الموت طالب العلم وهو على هذه الحال مات شهيدا"٢، وعن وهب بن منبه٣: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيئا، والعز وإن كان مهينا، والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا، والنبل وإن كان حقيرا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سقيما.
وقال سهل بن عبد الله التستري٤: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، فاعرفوا لهم ذلك.
وعن الشافعي وأبي حنيفة٥: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي، وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة٦، وقال: من طلب
_________________
(١) ١ في حاشية الأصل، لعله بعض الصحابة، وفي مقدمة شرح المهذب، وقالا: "أي: أبو ذر وأبو هريرة" وانظر كتاب العلم للنووي ٧٠. ٢ ضعيف جدا، انظر مسند البزار ١٣٨ "الكشف" والفقيه والمتفقه ١/ ١٦، ومجمع الزوائد ١/ ١٢٤، وجامع بيان العلم ١/ ١٢١ و١٥٢ و٢٠١ و٤٠٤، وسلسلة الضعيفة ٢١٢٦، وضعيف الجامع ٤٤٥. ٣ هو أبو عبد الله، وهب بن منبه الأبناوي الصنعاني الذماري: مؤرخ، كثير الإخبار عن الكتب القديمة، عالم بأساطير الأولين ولا سيما الإسرائيليات، يعد في التابعين، أصله من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، وأمه من حمير، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء صنعاء، ولد ومات في صنعاء سنة ١١٤هـ، ويقال: إنه صحب ابن عباس، ولازمه ثلاث عشرة سنة. تهذيب التهذيب ١١/ ١٦٦، والأعلام ٨/ ١٢٥. ٤ هو أبو محمد، سهل بن عبد الله بن يونس التستري: أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيوب الأفعال، توفي سنة ٢٨٣هـ. الحلية ١٠/ ١٩٨، والأعلام ٣/ ١٤٢. ٥ هو أبو حنيفة، النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي: إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، قيل: أصله من أبناء فارس، ولد ونشأ بالكوفة، وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء، وتوفي في بغداد سنة ١٥٠هـ. تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣، والنجوم الزاهرة ٢/ ١٢. ٦ آداب الشافعي ومناقبه ٩٧، مناقب الشافعي للبيهقي ٢/ ١٣٨، والحلية ٩/ ١١٩، وجامع بيان العلم ١/ ١٢٣.
[ ٤٤ ]
الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعليه بالعلم١، وقال: من لا يحب العلم لا خير فيه فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة، وقال: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
وقيل للإسكندر٢: ما بال تعظيمك لمؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟! فقال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدبي سبب حياتي الباقية.
وقد حذفت كثيرا من الأحاديث وأسانيدها فراجعها إن افتقرت إليها، وإلا ففي ما رقمته كفاية لذلك.
ولهم في فضل العلم أشعار كثيرة حسنة من عيونها ما روي عن علي ﵁ "من البسيط":
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء٣
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم ولا تجهل به أبدا فالناس موتى وأهل العلم أحياء
وما جاء عن أبي الأسود الدؤلي٤ رحمه الله تعالى "من البسيط":
_________________
(١) ١ تهذيب الأسماء ١/ ٧٤. ٢ التمثيل والمحاضرة ١٣٧، ومحاضرات الأد ١/ ٤٥. ٣ ديوان الإمام علي ٥-٦. ٤ هو أبو الأسود، ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي الكناني: واضع علم النحو، كان معدودا من الفقهاء والأعيان والأمراء والشعراء والفرسان والحاضري الجواب، من التابعين، رسم له الإمام علي شيئا من أصول النحو، فكتب فيه أبو الأسود، وأخذه عنه جماعة، سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في أيام علي، وله شعر جيد، توفي في البصرة سنة ٦٦هـ. إنباه الرواة ١/ ١٣، والأعلام ٣/ ٢٣٦.
[ ٤٥ ]
العلم زين وتشريف لصاحبه فاطلب هديت فنون العلم والأدبا١
لا خير فيمن له أصل بلا أدب حتى يكون على ما زانه حدبا
في بيت مكرمة آباؤه نخب٢ كانوا الرءوس فأمسى كلهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أدب نال المعالي بالآداب والرتبا
أمسى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاد له نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المرء ما لا ثم يحرمه عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبدا ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه لا تعدلن به درا ولا ذهبا
_________________
(١) ١ ديوان أبي الأسود الدؤلي ١٤٩-١٥٠، يقال: صغر خده إذا أماله عن الناس إعراضا وتكبرا. ٢ هي بالخاء، أو الجيم.
[ ٤٦ ]
وما جاء عن الشافعي ﵁ "مجزوء البسيط":
حسبي بعلمي إن نفع ما الذل إلا في الطمع١
من راقب الله رجع عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع
وما نسب لمحمد بن الحسن٢ "من الطويل":
تعلم فإن العلم زين لأهله وفضل وعنوان لأهل المحامد٣
وكن مستفيدا كل يوم زيادة من العلم واسبح في بحار الفوائد
تفقه فإن الفقه أفضل قائد إلى البر والتقوى وأعدل قاصد
هو العلم الهادي إلى سنن الهدى هو الحصن ينجي من جميع الشدائد
فإن فقيها واحدا متورعا أشد على الشيطان من ألف عابد
_________________
(١) ١ ديوان الشافعي ص٤١، وفيه: حسبي بقلي، والقل: الفقر. ٢ هو أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني: إمام الفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، وقد سمع من أبي حنيفة بالكوفة، وغلب عليه مذهبه، وعُرف به، وانتقل إلى بغداد، ومات في الري سنة ١٨٩هـ. السير ٩/ ١٣٤، والأعلام ٦/ ٨٠. ٣ الأبيات في تعليم المتعلم للزرنوجي ص٣١، منسوبة لمحمد بن الحسن أيضا.
[ ٤٧ ]
وما أنشد الشيخ قوام الدين حماد الصفاري١ الأنصاري لشيخه القاضي الخليل بن أحمد السجزي الحنفي٢ "من الخفيف":
اخدم العلم خدمة المستفيد وأدم درسه بفعل حميد٣
وإذا ما حفظت شيئا أعده ثم أكده غاية التأكيد
ثم علقه كي تعود إليه وإلى درسه على التأبيد
وإذا ما أمنت منه فواتا فانتدب بعده لشيء جديد
مع تكرار ما تقدم منه واقتناء لشأن هذا المزيد
ذاكر الناس بالعلوم لتحيا لا تكن من أولي النهى ببعيد
_________________
(١) ١ هو أبو المحامد الصفاري الأنصاري، حماد بن إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيث، قوام الدين ابن الإمام ركن الدين إبراهيم الصفار، من أهل بخارى، من بيت العلم والزهد، حصل طرفا من علم الكلام، والفقه، والأدب، توفي في سنة ٥٧٦هـ بسمرقند. ابن خلكان ٥/ ٢٨٩، الجواهر المضية ٢/ ١٤٥. ٢ هو أبو سعيد السجزي، الخليل بن أحمد بن محمد بن الخليل، المعروف بابن جنك: قاضٍ حنفي واعظ، من الشعراء، كان شيخ أهل الري في عصره، صاحب فنون من العلوم، طاف بلادا كثيرة، وسمع الحديث، ومات قاضيا بسمرقند سنة ٣٨٨هـ. النجوم الزاهرة ٤/ ١٥٣، والأعلام ٢/ ٣١٤. ٣ تعليم المتعلم للزرنوجي ص٧١، وهي منسوبة للقاضي الخليل بن أحمد السجزي.
[ ٤٨ ]
إن كتمت العلوم أنسيت حتى لا ترى غير جاهل وبليد
ثم ألجمت في القيامة نارا وتلهبت في العذاب الشديد
وللزمخشري١ "من الوافر":
وكل فضيلة فيها سناء وجدت العلم من هاتيك أسنى٢
فلا تعتد غير العلم ذخرا فإن العلم كنز ليس يفنى
وللإمام منصور التميمي٣ أحد أئمة المذهب "من البسيط":
عاب التفقه قوم لا عقول لهم وما عليه إذا عابوه من ضرر٤
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر
_________________
(١) ١ هو أبو القاسم، جار الله، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري: من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، ولد في زمخشر، وسافر إلى مكة، فجاور بها زمنا، فلقب بجار الله، وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية، فتوفي بها سنة ٥٣٨هـ، وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الإنكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف وغيره. وفيات الأعيان ٥/ ١٦٨، والأعلام ٧/ ١٧٨. ٢ شرح زبد ابن رسلان ١/ ١٩. ٣ هو أبو الحسن التميمي، منصور بن إسماعيل بن عمر: فقيه شافعي، من الشعراء، ضرير، أصله من رأس العين "بالجزيرة"، وكان خبيث اللسان في الهجو والهجاء، سافر إلى بغداد في شبابه، ومدح بها الخليفة المعتز، ثم سكن مصر وتوفي بها سنة ٣٠٦هـ. ابن خلكان ٥/ ٢٨٩، ونكت الهميان ٢٩٧. ٤ ابن خلكان ٥/ ٢٩٠، طبقات السبكي ٣/ ٤٧٨، طبقات الشيرازي ص١٠٧، كتاب العلم للنووي ص٧٤.
[ ٤٩ ]
ولبعضهم "من الوافر":
تفقه تستطيل على الرجال وتزهو في المحافل بالكمال١
إذا وقع القياس بكل علم فحال الفقه يعلو كل حال
ومن طلب التفقه وانتحاه أناف برأسه تاج الجمال
فخذ بالشافعي وقل بقول سديد عند مختلف المقال
ففضل الشافعي على سواه كفضل الشمس قيست بالهلال
ولآخر "من الخفيف":
علم العلم من أتاك لعلم واغتنم ما حييت منه الدعاء٢
وليكن عندك الغني إذا ما طلب العلم والفقير سواء
ولآخر "من الطويل":
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسادهم بين القبور قبور٣
وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور
_________________
(١) ١ طبقات السبكي ٥/ ٣٤٨-٣٤٩. ٢ كتاب العلم للنووي ص٧٤، وهما بلا نسبة. ٣ طبقات السبكي ٥/ ٣٤٨، وهو فيه لبعض أهل البصرة، تعليم المتعلم ص٦٤، وهما منسوبان للمرغيناني.
[ ٥٠ ]
ولآخر "من الطويل":
تعلم فليس المرء يخلق عالما وليس أخو علم كمن هو جاهل١
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
ولآخر "من الكامل":
صدر المجالس حيث حل لبيبها فكن اللبيب وأنت صدر المجلس٢
وللمتنبي٣ "من الوافر":
ولم أرَ من عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام٤
_________________
(١) ١ ينسب البيتان لعمر بن عبد العزيز، المستطرف ١/ ١٦٧، ولعبد الله بن المبارك، ديوانه ص٨٧، وللشافعي ديوانه ص٥٨. ٢ كتاب العلم للنووي ص٧٤، وهو فيه بلا نسبة. ٣ هو أبو الطيب المتنبي، أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي: الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة، وفي علماء الأدب من يعده أشعر الإسلاميين، ولد بالكوفة، ونشأ بالشام، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس، وقال الشعر صبيا، ووفد بعدئذ على سيف الدولة بن حمدان فمدحه وحظي عنده، ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدي، ثم هجاه هجاء مرا، ثم قصد العراق وشيراز، وبينما كان عائدا إلى الكوفة قتل سنة ٣٥٤هـ. وفيات الأعيان ١/ ١٢٠، والأعلام ١/ ١١٥. ٤ تصحف في المطبوع إلى: ولم أر من عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على الكمال وقد أتعبنا ذلك كثيرا بهذه الرواية، وخاصة أن البيت من مشهور شعر المتنبي، والبيت في ديوانه من قصيدة مشهورة وروايته فيه: ولم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام انظر ديوان المتنبي بشرح العكبري ٤/ ١٤٥، وانظر خزانة الأدب لابن حجة الحموي ٢/ ١٧٢، والأمثال السائرة من شعر المتنبي ص٦٦، والأمثال والحكم ص١١٩.
[ ٥١ ]