نسأل الله العافية:
اعلم أن ما ذكر في فضل طلب العلم إنما هو لمن أراد به وجه الله، لا لغرض من الدنيا، وإلا فهو مذموم.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ١٨-٢٠] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات، ولا يخفى الحديث الذي فيه الثلاثة الذين أول مَن تسعر النار لهم يوم القيامة: المجاهد والعالم والقارئ، فهؤلاء جاء في حديث رواه مسلم١ أول مَن يدخل النار ويسحب كل منهم على وجهه حتى يُلْقَى في
_________________
(١) ١ هو أبو الحسن، مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري: حافظ، من أئمة المحدثين، ولد بنيسابور، ورحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق، وتوفي بظاهر نيسابور سنة ٢٦١هـ. أشهر كتبه: صحيح مسلم، وهو أحد الصحيحين المعول عليهما عند أهل السنة في الحديث. تاريخ بغداد ١٣/ ١٠٠، والأعلام ٧/ ٢٢١.
[ ٥٣ ]
النار؛ لقصدهم الرياء في أعمالهم: المجاهد ليقال شجاع، والعالم ليقال عالم، والقارئ ليقال قارئ١، اللهم خلصنا إلى الإخلاص.
وقال ﷺ: "من تعلم علما لغير الله فليتبوأ مقعده من النار" ٢.
وقال ﷺ: "من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجه الناس إليه؛ أدخله الله النار" ٣.
وقال ﷺ: "كل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به"٤.
وقال ﷺ: "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه"٥.
وقال ﷺ: "مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة يضيء للناس، ويحرق نفسه" ٦.
وقال ﷺ: "من كتم علما مما ينفع الله الناس به في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"٧.
وقال ﷺ: "ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء"٨.
وقال ﷺ: "من قال أنا
_________________
(١) ١ رواه مسلم حديث رقم ١٩٠٥، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، والترمذي حديث رقم ٢٣٨٣ والنسائي ٦/ ٢٣، وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٢. ٢ أخرجه الترمذي حديث رقم ٢٦٥٧ في العلم، باب فيمن يطلب بعلمه الدنيا، وهو حديث حسن. ٣ الجامع لأخلاق الراوي ١/ ١٢٧، وقد رواه الترمذي حديث رقم ٢٦٥٦ في العلم، باب فيمن يطلب بعلمه الدنيا. ٤ المعجم الكبير ٢٢/ ٥٥، والترغيب والترهيب ١/ ٧٥، ٣/ ١٣، وفيض القدير ٥/ ١٥، ومجمع الزوائد ١/ ١٦٤، وكشف الخفاء ٢/ ١٦٢. ٥ رواه الطبراني في الصغير ١/ ١٨٢-١٨٣، والشهاب في مسنده ٢/ ١٧١ وشعب الإيمان ٢/ ٢٨٥، والترغيب والترهيب ١/ ٧٥، والقرطبي ١/ ٣٦٦، وفيض القدير ١/ ٥١٨، وميزان الاعتدال ٥/ ٧٣، وكشف الخفاء ١/ ١٤٥. ٦ اقتضاء العلم العمل ٤٩ و٥٠، ومجمع الزوائد ١/ ١٨٤، والترغيب والترهيب ١/ ٧٤، وفيض القدير ٥/ ٥١٠. ٧ صحيح ابن حبان ١/ ٢٩٨، والترغيب والترهيب ١/ ٧١، والمسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم ١/ ٤٢، ومصباح الزجاجة ١/ ٤٠. ٨ سنن الدارمي ١/ ٣٧٧ حديث رقم ٣٨٢، ومشكاة المصابيح رقم ٢٦٧، والمغني عن الأسفار ١/ ٣٨ و٦٣.
[ ٥٤ ]
عالم فهو جاهل" ١.
وقال ﷺ: "يظهر الدين حتى يجاوز البحار ثم يأتي من بعدكم أقوام يقرءون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ ومن أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل في أولئك من خير؟ قالوا: لا، قال: أولئك من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار" ٢.
وقال ﷺ: "آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله"٣.
وقال ﷺ: "واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب"٤.
وعن عمر بن الخطاب٥ -﵁- يرفعه إلى النبي ﷺ: "إن موسى لقي الخضر فقال: أوصني، فقال الخضر: يا طالب العلم، إن القائل أقل ملالة من المستمع، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك، واعرف الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جُعلت بُلْغَة للعباد؛ ليتزودوا منها للمعاد، يا موسى وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم، يا موسى تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإنما العلم لمن تفرغ له، ولا تكونن مكثارا بالمنطق مهذارا، إن كثرة المنطق تشين
_________________
(١) ١ المعجم الأوسط للطبراني ٧/ ٩٤ حديث رقم ٦٨٤٦، ومجمع الزوائد ١/ ١٨٦، وميزان الاعتدال ٥/ ٥١٢، وكشف الخفاء ٢/ ٣٥٢. ٢ مسند أبي يعلى ١٢/ ٥٦ حديث رقم ٦٦٩٨، والبزار ١/ ٩٩ حديث رقم ١٧٤، ومجمع الزوائد ١/ ١٨٥-١٨٦ باب كراهية الدعوى، والمطالب العالية ٣/ ١١٦ حديث رقم ٣٠٣٠. ٣ كشف الخفاء ١/ ١٦، والمقاصد الحسنة ص٣٩. ٤ سنن ابن ماجه ١/ ٨١، والترغيب والترهيب ١/ ٥٢، ومصباح الزجاجة ١/ ٣٠، والفردوس ٢/ ٣٤٧، والفقيه والمتفقه ١/ ٤٣، وتنزيه الشريعة ١/ ٢٧٨، وإتحاف السادة المتقين ١/ ٦٠، ٩٧، ٩٨، ١٢٩، ١٤٣. ٥ المعجم الأوسط ٧/ ١١٥-١١٧ حديث رقم ٦٩٠٨، ومجمع الزوائد ١/ ١٣٠ و١٠/ ٢٣٢، وعلل ابن أبي حاتم ٢/ ١١٣، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٩٥.
[ ٥٥ ]
العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء، ولكن عليك بذي اقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فضل الحلماء، وزين العلماء، إذا شتمك الجاهل فاسكت سلما، وجانبه حزما١
يابن عمران: لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه. يابن عمران: من لا تنتهي من الدنيا نهمته، ولا تنقضي فيها رغبته كيف يكون عابدا؟ من يحقر حاله، ويتهم الله بما قضى له، كيف يكون زاهدا؟ يا موسى تعلَّم ما تعلَّم لتعمل به، ولا تعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره، ويكون لغيرك نوره"٢.
وعن هشام صاحب الدستوائي٣ قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام عيسى: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، وإنكم علماء السوء الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة، كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضي شيئا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من
_________________
(١) ١ بالحاء المهملة ويجوز بالجيم. ٢ انظر ثمة بقية الحديث في المعجم الأوسط ٧/ ١١٦-١١٧. ٣ هو أبو بكر البصري، هشام بن أبي عبد الله الدستوائي: والد معاذ بن هشام، واسم أبي عبد الله سَنْبَر الربعي، من بكر بن وائل، وقيل: الجحدري، ودستوا كورة من كور الأهواز، كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها، ويقال له: صاحب الدستوائي أيضا، قيل عنه: كان أمير المؤمنين في الحديث، من الحفاظ الثقات الأثبات، وكان حجة إلا أنه يرى القدر، توفي في سنة ١٥٢هـ. تهذيب الكمال ٣٠/ ٢١٥، والتذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة ٣/ ١٨١٠، وهذا الأثر في حلية الأولياء ٦/ ٣٠٣.
[ ٥٦ ]
آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به، ولا يطلبه ليعمل به؟ ١
وعن علي ﵁: يا حملة العلم، اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله٢.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه العلم، وتواضعوا لمن علمتموه العلم، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم٣.
وعن ابن سيرين٤: سبعة يهلكون بسبعة: أهل البادية بالجفاء، وأهل القرى بالجهل، والعرب بالعصبية، والدهاقين٥ بالكبر، والسلاطين بالظلم، والتجار بالكذب، والعلماء بالحسد.
وعن سفيان الثوري٦ قال: بلغني أن الله تعالى يقول: إن أهون ما أصنع بالعالم إذا آثر الدنيا أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلبه.
_________________
(١) ١ مسند الدارمي ١/ ٣٧٥ حديث رقم ٣٨٠، وشعب الإيمان ٢/ ٣١٤، وحلية الأولياء ٦/ ٢٧٩-٢٨٠، وأخرجه أحمد في الزهد ص٧٥. ٢ مسند الدارمي ١/ ٣٨٢-٣٨٣، واقتضاء العلم العمل رقم٩، والجامع لأخلاق الراوي رقم ٣٢١، وجامع بيان العلم رقم ١٢٣٧. ٣ شعب الإيمان ٢/ ٢٨٧ رقم ١٧٨٩، وانظر كنز العمال رقم ٢٩٣٤٨، وجامع بيان العلم ١/ ١٣٥. ٤ هو أبو بكر، محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء: إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي، من أشراف الكتاب، نشأ بزازا، في أذنه صمم، وتفقه وروى الحديث، واشتهر بالورع وتعبير الرؤيا، واستكتبه أنس بن مالك بفارس، مولده ووفاته بالبصرة سنة ١١٠هـ. تاريخ بغداد ٥/ ٣٣١، والأعلام ٦/ ١٥٤. ٥ الدهاقين هم رؤساء القرى. ٦ هو أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري: أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى، ولد ونشأ في الكوفة، وسكن مكة والمدينة، وكان آية في الحفظ، مات في البصرة سنة ١٦١هـ. ابن خلكان ٢/ ٣٨٦، والأعلام ٣/ ١٠٤.
[ ٥٧ ]
وعن مجاهد١: لا يتعلم من استحيا واستكبر٢.
وعن علي بن خشرم٣: سكوت إلى وكيع٤ قلة الحفظ فقال: استعن على الحفظ بقلة الذنوب٥، ونظم بعضهم ذلك فقال: "من الوافر"
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي٦
وقال اعلم بأن العلم فضل وفضل الله لا يؤتاه عاصي
_________________
(١) ١ هو أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المكي، مولى بني مخزوم: تابعي، مفسر من أهل مكة، قال الذهبي: شيخ القراء والمفسرين، أخذ التفسير عن ابن عباس، وتنقل في الأسفار واستقر في الكوفة، مات وهو ساجد سنة ١٠٤هـ. السير ٤/ ٤٤٩، والأعلام ٥/ ٢٧٨. ٢ مسند الدارمي ١/ ٤٥٩، وحلية الأولياء ٣/ ٢٨٧، وكشف الخفاء رقم ٣١٠٣. ٣ هو أبو الحسن، علي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء المروزي، وهو ابن عم بشر الحافي، وقيل: ابن أخته: محدث ثقة في كبار المحدثين الثقات، وتوفي في سنة ٢٥٧هـ. تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٢١، والسير ١١/ ٥٥٢، وانظر الخبر في الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٣٨٧. ٤ هو أبو سفيان، وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي: حافظ للحديث، ثبت، كان محدث العراق في عصره، ولد بالكوفة، وتفقه وحفظ الحديث، واشتهر، وكان يصوم الدهر، توفي بفيد راجعا من الحج سنة ١٩٧هـ. تاريخ بغداد ١٣/ ٤٦٦، والأعلام ٨/ ١١٧. ٥ الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٣٨٧، شعب الإيمان ٢/ ٢٧٢. ٦ البيتان في ديوان الشافعي ٣٩، والبيت الثاني فيه: وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدَى لعاصي
[ ٥٨ ]