وهي ثلاثة: فرض عين، وفرض كفاية، وسنة:
المرتبة الأولى: فرض العين، وهو أن يعلم المكلَّف ما لا يتأدى الواجب الذي تعين عليه إلا به، وعليه حمل جماعات حديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"٢، وحمله آخرون على الكفاية.
واعلم أن المكلَّف به على كل عبد عاقل بالغ ثلاثة أقسام: اعتقاد، وفعل، وترك، فأما الاعتقاد الذي هو أولها وأهمها:
فاعلم أن أول واجب على من ذكر تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهما قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، واعتقاد ما يجب لله، وما يجوز له، وما يستحيل عليه، وغير ذلك مما يتعلق بواجب الإسلام والعقائد، ويكفي في ذلك بعد النطق بكلمتي الشهادة وفهم معناهما التصديق بكل ما جاء به رسول الله -ﷺ- واعتقاده اعتقادا جازما سليما من كل شك واختلاج ريب واضطراب نفس، ولا يتعين على من حصل له هذا تعلم أدلة المتكلمين والخوض والنظر فيها والبحث عنها، هذا هو الصحيح الذي أطبق عليه السلف والفقهاء والمحققون من المتكلمين، فإن النبي -ﷺ- لم يطالب أحدا بشيء سوى ما ذكر، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة فمن بعدهم من الصدر الأول، بل الصواب للعوام وجماهير المتفقهين والفقهاء الاقتصار على ما ذكر والكف عن الخوض في دقائق الكلام.
_________________
(١) ١ شرح المهذب ١/ ٤٩، ٥٠، كتاب العلم للنووي ٨٠. ٢ مسند أبي يعلى ٢٨٣٧، ٢٩٠٣، ٣٩٠٦، وابن ماجه ٢٢٤، وفيض القدير ٤/ ٢٦٧.
[ ٧١ ]
وقد بالغ١ إمامنا الشافعي -رحمه الله تعالى- في تحريم الاشتغال بعلم الكلام أشد مبالغة، وأطنب٢ في تحريمه وتغليظ العقوبة لمتعاطيه إلى أن قال: لأن يلقى اللهَ العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام٣.
وقد صنف الإمام الغزالي في آخر أمره كتابه الذي سماه: إلجام العوام عن علم الكلام٤، وذكر أن الناس كلهم عوام في هذا الفن من الفقهاء وغيرهم إلا النادر، فإذا اعتقد من ذكر ما ذكر كما ذكر فقد أدى واجب الوقت، فإن مات عقب ذلك مات مطيعا غير عاص، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة أو غيرها من أصول العقائد مما لا بد من اعتقاده ولم يزل شكه إلا بتعلم دليل من أدلة المتكلمين وجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشك، ولو مات من لم يخطر له ذلك قبل أن يعتقد أن كلام الله قديم وأنه مرئي، وأنه ليس محلا للحوادث، ونحو ذلك مما يذكر في المعتقدات فقد مات على الإسلام إجماعا؛ إذ ليس له معارض لذلك ليضل.
فرع٥: اختُلف في آيات الصفات وأخبارها: هل يخاض فيها بالتأويل أم لا؟ فقال قائلون: تؤول على ما يليق بها، وهو مذهب الخلف، وهو أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون: لا تؤول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد مع ذلك تنزيه الله، وانتفاء صفات الحادث
_________________
(١) ١ كتاب العلم للنووي ص٨٠-٨٦. ٢ أطنب: أي بالغ وشدد. ٣ كتاب العلم للنووي ص٨٠، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ٢٠٦، واعتقاد أهل السنة ٣/ ٥٧٠، والاعتقاد للبيهقي ١/ ٢٣٩، وحلية الأولياء ٩/ ١١١ و١١٢. ٤ طبع بتصحيح وتعليق وتقديم: محمد المعتصم بالله البغدادي في دار الكتاب العربي في بيروت سنة ١٩٨٥م "وبلغت عدد صفحاته ١٤٤ صفحة". ٥ كتاب العلم للنووي ص٨١.
[ ٧٢ ]
فيقال: نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى، ولا نعلم حقيقة معنى ذلك، والمراد: أنا نعتقد أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١] وأنه منزه عن الحلول، وهذا مذهب السلف وجماهيرهم وهو الأسلم؛ إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك، فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض والمخاطرة، والله تعالى أعلم١.
وأما الفعل٢ فنقول: إذا أقر من ذكر بالشهادتين وقلنا: إنه أدى واجب الوقت وصار مطيعا، ثم وجب عليه صلاة مثلا تجدد عليه بدخول وقتها تعلم الطهارة والصلاة، أو كان له مال يزكي وجب بتمام النصاب إن اعتبر، ومضى الحول إن اشترط، تعلم ما يجب في الزكاة الحاضرة، أو دخل عليه رمضان تجدد بسببه تعلم الصوم وما يجب أو يحرم فيه، ولا يلزمه تعلم ذلك قبل وجوب ذلك الشيء، نعم لو صبر إلى دخول الوقت مثلا ولم يتمكن من تمام تعلمها مع الفعل في الوقت يلزمه التعلم وهو الصحيح الذي جزم به النووي، كما يلزم السعي إلى الجمعة لمن بعد منزله قبل الوقت، وتعلم كيفية الواجب بعد الوجوب على الفور إن كان على الفور، وعلى التراخي إن كان على التراخي كالحج، وينبغي للعلماء أن ينبهوه أن الحج على التراخي على كل من وجد الزاد والراحلة إلى آخر الشروط، ثم إن الذي يجب من ذلك كله عينا هو ما يتوقف أداء الواجب عليه غالبا، دون ما يطرأ نادرا كسجود السهو وتعجيل الزكاة، فإن وقع وجب التعلم حينئذ، وفي تعلم أدلة البقلة أوجه؛ أحدها: فرض عين، والثاني: كفاية، وأصحها فرض كفاية إلا أن يريد سفرا لا يكثر فيه من يعلمها فيتعين لعموم الحاجة حينئذ٣.
وأما البيع والنكاح٤ ونحوهما وشبههما مما لا يجب أصله، فيتعين على من
_________________
(١) ١ كتاب العلم للنووي ص٨١، وشرح المهذب ١/ ٥٠. ٢ أي: فعل العبد المكلف. ٣ كتاب العلم للنووي ص٨٤. ٤ شرح المهذب ١/ ٥٠، وكتاب العلم ص٨٢.
[ ٧٣ ]
أراده تعلم كيفيته وشرطه، وقيل: إن لم يعلم ذلك فيحرم الإقدام عليه قبل معرفة شرطه وهذا أصح، وكذا يقال في صلاة النافلة: يحرم التلبس بها على من لا يعرف كيفيته، ولا يقال: يجب تعلم كيفيتها.
ومما يجب١ معرفة ما يحل ويحرم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوهما مما لا غنى غالبا، وكذلك أحكام عشرة النساء لمن له زوجة، وحقوق المماليك لمن له ذلك، ونحو ذلك.
وأما الترك فيجب على من ذكر علم ذلك بحسب ما يتجدد في الحال، وقد يختلف بحال الشخص؛ إذ لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، ولا على الأعمى تعلم ما يحرم من النظر، ولا على البدوي تعلم ما يحل الجلوس فيه من المساكن، فذلك أيضا واجب بحسب ما يقتضيه الحال.
ومما يُلْحَق بالتروك أو الأفعال تفقد القلب بعد العلم بما مر، فهو فرض عين، فيلزم من ذكر أن يتعلم ما يرى نفسه محتاجة إليه من تطهير القلب من المهلكات ومعالجة المرديات كالرياء، والحسد، والعجب وشبهها.
فرع٢: يجب على الآباء والأمهات ونحوهم كالقيم والوصي تعليم الصغار ما سيتعين عليهم بعد البلوغ، فيعلمونهم الطهارة والصلاة والصيام، ويعرفونهم تحريم الربا والزنا واللواط والسرقة وشرب المسكر والكذب والغيبة، وأنهم بالبلوغ يدخلون في التكاليف، ويستحب ما زاد على هذا من تعليم قرآن وفقه وآداب، ويعرفونهم ما يصلح به معاشهم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] أي: علموهم ما ينجون به من النار، وهذا ظاهر، وقال ﷺ: "كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته" ٣، ثم أجرة تعليم
_________________
(١) ١ شرح المهذب ١/ ٥٠، وكتاب العلم للنووي ص٨٢. ٢ كتاب العلم للنووي ص٨٢. ٣ رواه مسلم ٣/ ١٤٥٩، البخاري ١/ ٤٣١ و٢/ ٨٤٨، ٣/ ١٠١٠، والترمذي ٤/ ٢٠٨، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٢٨٧، وسنن أبي داود ٣/ ١٣٠، ومسند أحمد ٢/ ٥ و٢/ ٥٤، و١١١، والمعجم الأوسط ٢/ ١٤٨، ومسند أبي يعلى ١٠/ ١٩٩، وشعب الإيمان ٤/ ٣٢٢، وفتح الباري ٣/ ١٥٢ و٥/ ٣٧٩.
[ ٧٤ ]
الواجب، وكذلك تعليم المستحب من قرآن وغيره في مالهم، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقتهم من نحو أب وإن علا، ثم أم وإن علت، هذا في الأسبوع الأول، وأما الثاني ففي ماله على الأصح، والثاني في مال الولي لعدم الضرورة إليه١، واعلم أن الشافعي والأصحاب إنما جعلوا للأم مدخلا في وجوب التعليم لكونه من التربية وهي واجبة عليها، إذا وجبت عليها النفقة.
المرتبة الثانية ٢: فرض الكفاية قسمان: الأول ما لا بد للناس منه في إقامة دينهم من العلوم الشرعية كحفظ القرآن والأحاديث وعلومهما، والأصول والفقه والنحو والتصريف واللغة، ومعرفة رواة الحديث وأحوالهم، والإجماع والخلاف.
والثاني: ما ليس علما شرعيا، ويحتاج إليه في قوام الدنيا كالطب والحساب وما في معناهما؛ إذ ذاك ضروري في صحة الأبدان، والآخر في المعاملات وقسم التركات ونحو ذلك، وإذا قام بها واحد سقط الفرض عن الباقين.
واختُلف في تعلم الصنائع التي هي سبب مصالح الدنيا كالخياطة والفلاحة، فالأظهر كما قال النووي هي فرض كفاية، ويعم فرض الكفاية جميع المخاطبين، وإذا قام به جمع تحصل الكفاية ببعضهم، فكلهم سواء في حكم القيام بالفرض في الثواب وغيره، فإذا صلى على جنازة جمع ثم جمع ثم
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل وفيه تشويش، وخلاصة ما في مقدمة شرح المهذب للنووي ص٨٣: "أن أجرة التعليم الواجب في مال الصبي، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته، وفي أجرة التعليم المستحب وجهان؛ أصحهما: في مال الصبي لكونه مصلحة له، والثاني: في مال الولي لعدم الضرورة إليه". ٢ كتاب العلم للنووي ص٨٤.
[ ٧٥ ]
جمع، فالكل يقع فرض كفاية، ولو أطبقوا كلهم على تركه أثم كل من لا عذر له ممن علم بذلك وأمكنه القيام به، ولا يأثم من لم يتمكن لكونه غير أهل أو لعذر، ولو اشتغل شخص بالفقه، وظهرت نجابته فيه ورُجي فلاحه وتبريزه فوجهان؛ أحدهما: يتعين عليه الاستمرار لقلة من يحصل له هذه المرتبة، وأصحهما: لا يتعين؛ لأن الشروع لا يعين المشروع فيه عندنا إلا في الحج والعمرة والجهاد وصلاة الجنازة، ولو خلت البلدة عن مُفْتٍ فقيل: يحرم المقام بها، والأصح لا إن أمكن الذهاب إلى مفتٍ، وإذا قام بالفتوى إنسان في مكان سقط به فرض الكفاية إلى مسافة القصر من كل جانب، واعلم أن للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بغرض العين؛ لأنه أسقط الحرج عن الأمة.
قلت: لأن القائم بفرض الكفاية اتخذه لنفسه فرض عين وشغل نفسه به فلذلك أسقط الإثم عن الباقين.
المرتبة الثالثة ١: النفل: الذي هو من الفضائل لا الفرائض، وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيها وراء القدر الذي يحصل به فرض الكفاية، وكالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب، وكتعلم العامي نوافل العبادات لغرض العمل، لا ما يقوم به العلماء من تمييز الفرض من النفل، فإن ذلك فرض كفاية في حقهم، والله أعلم.
فصل ٢: قد ذكرنا مراتب العلم الشرعي، ومن العلوم الخارجة عنه ما هو محرم أو مكروه أو مباح، فالمحرم كتعلم السحر فإنه حرام على المذهب الصحيح، وبه قطع الجمهور؛ كالفلسفة، والشعبذة٣، والتنجيم، وعلوم الطبائعيين، وكل ما كان سببا لإثارة الشكوك، وتتفاوت في التحريم.
_________________
(١) ١ كتاب العلم للنووي ص ٨٥. ٢ كتاب العلم للنووي ص٨٥. ٣ الشعوذة والشعبذة: لعب يرى الإنسان منه ما ليس له خفية كالسحر.
[ ٧٦ ]