النوع الثالث: آداب يختص بها المتعلم:
وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آدابه في نفسه، وآدابه مع شيخه، وآدابه في مجلس درسه.
القسم الأول: آدابه في نفسه ١:
منها: أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم وحفظه، ويقصد بتعلمه وجه الله والعمل وإحياء الشريعة، قال ﷺ: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ٢، قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للمزارعة، فبذلك ينمو وتظهر بركته، وإلا فلا
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٦٧ فما بعد. ٢ رواه البخاري في كتاب الإيمان.
[ ١٣١ ]
ينمو ولا يزكو؛ كالزرع في أرض بور غير مطيبة، وقال سهل بن عبد الله١: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله ﷿.
ومنها: أن يغتنم التحصيل وقت الفراغ والنشاط٢ وحال الشباب وقوة البدن ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، روينا عن عمر ﵁: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا -أي: تصيروا سادة- فتستحيوا من التعلم٣، قال الشافعي ﵁: تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه٤، وجاء في الخبر: مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء٥، وقال ابن عباس ﵁: ما أوتي عالم علما إلا وهو شاب٦، وهذا باعتبار الغالب، وإلا فمن كَبِرَ لا ينبغي له أن يحجم عن الطلب، فإن الفضل واسع والكرم وافر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] وقال تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء: ٢١] إلى غير ذلك، وقصة القفال٧ واشتغاله في كبره بالعلم
_________________
(١) ١ هو أبو محمد، سهل بن عبد الله بن يونس التستري: أحد أئمة الصوفية وعلمائهم، والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات، وعيوب الأفعال، توفي في سنة ٢٨٣هـ. الحلية ١٠/ ١٩٨، والأعلام ٣/ ١٤٣. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٧٠. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٣٤. ٤ تذكرة السامع والمتكلم ١٣٤. ٥ مجمع الزوائد ١/ ١٢٥، وفيض القدير ٥/ ٥٠٩، وكشف الخفاء ٢/ ٨٦، والفردوس بمأثور الخطاب ٤/ ١٣٥، واللآلي المصنوعة ١/ ١٠٢، وتذكرة الموضوعات ص٢٢. ٦ المعجم الأوسط ٦/ ٢٨٣، ومجمع الزوائد ١/ ١٢٥. ٧ هو أبو بكر القفال، عبد الله بن أحمد المروزي: فقيه شافعي، كان وحيد زمانه فقها وزهدا كثير الآثار في مذهب الإمام الشافعي، له "شرح فروع محمد بن الحداد المصري" في الفقه، وكانت صناعته عمل الأقفال قبل أن يشتغل بالفقه، وربما قيل له: "القفال الصغير"؛ للتمييز بينه وبين القفال الشاشي "محمد بن علي"، توفي في سجستان ٤١٧هـ. وفيات الأعيان ٣/ ٤٦، والسير ١٧/ ٤٠٥.
[ ١٣٢ ]
مشهورة معلومة مسطورة١، فيا هذا احذر التسويف في شبابك والكسل، وسد على كبرك باب الرجاء والأمل، واغتنم ما بقي من عمرك، وما أحسن قول من قال "من البسيط":
بقية العمر عندي ما لها ثمن وإن مضى غير محمود من الزمن
يستدرك المرء فيها ما أفات ويحـ ـيي ما أمات ويمحو السوء بالحسن
ومنها: أن٢ يقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة، والعوائق المانعة عن تمام الطلب وكمال الاجتهاد، ويرضى٣ بما تيسر من القوت، وبما ستر مثله من اللباس وإن كان خلقا، فالبصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، وتنفجر ينابيع الحكمة٤، قال الشافعي ﵁: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح٥، وقال أيضا: لا يدرك العلم إلا بالصبر على الذل، وقال أيضا: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس٦، ونقل الخطيب البغدادي٧ عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته٨، وهذا كله وإن كان فيه مبالغة فالمقصود
_________________
(١) ١ وفيات الأعيان ٣/ ٤٦، والسير ١٧/ ٤٠٦ و٤٠٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٥/ ٥٤. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٧٠. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٧١. ٤ تذكرة السامع والمتكلم ٧١. ٥ تذكرة السامع والمتكلم ٧١. ٦ تذكرة السامع والمتكلم ٧٢. ٧ هو أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب: أحد الحفاظ المؤرخين المتقدمين، مولده في "غُزَيَّة" منتصف الطريق بين الكوفة ومكة، ومنشؤه ووفاته في بغداد، رحل إلى مكة، وسمع بالبصرة والدينور والكوفة وغيرها، وكان فصيح اللهجة، عارفا بالأدب، يقول الشعر، ولوعا بالمطالعة والتأليف، توفي في سنة ٤٦٣هـ. وفيات الأعيان ١/ ٩٢، ١٨/ ٢٧٠. ٨ تذكرة السامع والمتكلم ٧١.
[ ١٣٣ ]
به أنه لا بد فيه من جمع القلب واجتماع الفكر١، وقيل: أمر بعض المشايخ طالبا بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به أن قال: اصبغ ثوبك كي لا يشغلك فكر غسله٢، ومما يقال عن الشافعي -﵁- أنه قال: لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة٣، وقال إمام الحرمين٤ ﵀ "من الطويل":
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأُنبيك عن تفصيلها ببيان٥
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة٦ وتلقين أستاذ وطول زمان
فالعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وقد قيل على رواية وعُزبة: يشتغل بحقوق الزوجة عن إكمال طلب العلم، واحتج بحديث: "خيركم بعد المائتين كل خفيف الحاذ"، قيل: يا رسول الله، ومن خفيف الحاذ؟ قال: "من لا أهل له ولا مال"٧، قال سفيان الثوري: من تزوج فقد ركب البحر، فإن وُلد له فقد
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٧١. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٧١. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٧١. ٤ هو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين: أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي، ولد في نواحي نيسابور، ورحل إلى بغداد ومكة والمدينة، ثم رجع إلى نيسابور، وكان يحضر دروسه كبار العلماء، له مصنفات كثيرة، توفي في سنة ٤٧٨هـ. وفيات الأعيان ٣/ ١٦٧، والسير ١٨/ ٤٦٨. ٥ البيتان في تعليم المتعلم للزرنوجي ص٤٤، وقد نسبهما للإمام علي ﵁، وانظر ديوانه ص٢٠١، وينسب البيتان أيضا للإمام الشافعي، انظر ديوانه "جمع وتعليق: محمد عفيف الزغبي" ص٨١. ٦ قيل عن السلف هكذا: وغربة من التغريب عن الأهل؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن إدراك الحقائق، وقيل: وعزبة من العزوبية وهو صحيح أيضا؛ لئلا يشتغل بحقوق الزوجة عن إكمال طلب العلم، وقيل: وبلغة من السعة في المال؛ ولهذا قال الشافعي كما تقدم: لو كلفت شراء بصلة ما تعلمت مسألة، فإذا كان معه بلغة فكأنه ما تكلف. ٧ شعب الإيمان ٧/ ٢٩٢، والزهد وصفة الزاهدين ١/ ٦١، انظر ما قيل عن هذا الحديث حاشية السير ١٣/ ١٤ ففيه زيادة وفضل، وكتاب العلم للنووي ص١٠٣.
[ ١٣٤ ]
كُسر١ به، وعن إبراهيم بن أدهم٢: من تعود أفخاذ النساء لم يفلح٣، وعن بشر الحافي٤: من لم يحتج إلى النساء فليتقِ الله ولا يألف أفخاذهن٥، قال النووي٦ ﵀: وهذا كله موافق لمذهبنا إن لم يحتج إلى النكاح استحب له تركه، وكذا إن احتاج وعجز عن مؤنته، وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد٧ -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" ٨، وقال ﷺ: "الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الله واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء" ٩.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٧٢، وكتاب العلم للنووي ص١٠٣. ٢ هو أبو إسحاق، إبراهيم بن أدهم بن منصور، التميمي البلخي: زاهد مشهور، كان أبوه من أهل الغنى في بلخ، فتفقه ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز، وأخذ عن كثير من علمائها، وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن، ويشترك مع الغزاة في قتال الروم، ومات في بلاد الروم سنة ١٦١هـ. الحلية ٧/ ٤٢٦، وفوات الأعيان ١/ ١٣. ٣ حلية الأولياء ٧/ ١٢، وكشف الخفاء ٢/ ٤٤، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٢٥٨ و١٠/ ٤٧٢، وكتاب العلم للنووي ص١٠٣. ٤ هو أبو نصر، بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي، المعروف بالحافي: من كبار الصالحين، له في الزهد والورع أخبار، وهو من ثقات رجال الحديث، من أهل مرو، سكن بغداد وتوفي بها سنة ٢٢٧هـ. تاريخ بغداد ٧/ ٦٧، ووفيات الأعيان ١/ ٢٧٤. ٥ كتاب العلم للنووي ص١٠٣. ٦ انظر هذا القول في كتابه العلم ص١٠٣. ٧ هو أبو محمد، أسامة بن زيد بن حارثة: صحابي جليل، ولد بمكة، ونشأ على الإسلام، وكان رسول الله يحبه حبا جما، وهاجر مع النبي -ﷺ- إلى المدينة، وأمَّره رسول الله قبل أن يبلغ العشرين من عمره، فكان مظفرا موفقا، مات في المدينة سنة٥٤هـ. السير ٢/ ٤٩٦، والأعلام ١/ ٢٩١. ٨ البخاري ٥/ ١٩٥٩، ومسلم ٤/ ٢٠٩٨، وصحيح ابن حبان ١٣/ ٣٠٨، وسنن الترمذي ٥/ ١٠٣، وسنن ابن ماجه ٢/ ١٣٢٥، وتحفة الأحوذي ٥/ ٢٣٤، ٨/ ٥٣، وكتاب العلم للنووي ص١٠٣، ١٠٤. ٩ المعجم الأوسط ٤/ ١٤٠، ومسند أحمد ٣/ ٢٢ و٨٤، وشعب الإيمان ٦/ ٣١٠، وكشف الخفاء ١/ ٤٩٢.
[ ١٣٥ ]
ومنها: أن يتورع في جميع١ شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه؛ ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة بل يطلب الرتبة العلية، ويقتدي بالسلف٢ الصالح في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه، وأحق من اقتُدي به في ذلك رسول الله -ﷺ- حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة٣.
وينبغي له أن يستعمل الرُّخَص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ليُقتدى به، فإن الله تعالى يحب أن تُؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه٤.
ومنها: أن يترك العشرة٥، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطبع سراق، وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب العرض والدين والمال، ولا يخالط طالب العلم إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن عاشر من يضيع عمره معه بلا فائدة فليتلطف في قطع عشرته قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها٦، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء بل هو من القواعد: الدفع أسهل من الرفع٧، فإن احتاج إلى المصاحبة فليكن الصاحب صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبَّره٨، ومما ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب "من مجزوء الوافر":
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٧٥. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٧٦. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٧٦. ٤ تذكرة السامع ٧٦. ٥ تذكرة السامع ٨٣. ٦ تذكرة السامع ٨٣. ٧ تذكرة السامع ٨٣. ٨ تذكرة السامع ٨٤.
[ ١٣٦ ]
فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه١
فكم من جاهل أردى حليما حين واخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه
وللشيء على الشيء مقاييس وأشباه
ولبعضهم "من الرجز":
إن أخاك الصدق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك٢
ومن إذا ريب زمان صدعك شتت شمل نفسه ليجمعك
ومنها: الحِلْم والأناة والصبر جهده مطلقا في كل أحواله، وأن يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته: ليلا ونهارا، حضرا وأسفارا، ولا يذهب شيئا من أوقاته في غير العلم إلا بقدر الضرورة؛ لأكل ونوم قدرا لا بد منه، واستراحة يسيرة لإزالة الملل وأداء حق الزوجة٣، ومؤانسة الزائر وتحصيل القوت وغيره مما يحتاج إليه، وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثم فوتها.
_________________
(١) ١ ديوان الإمام علي ص٢٠٥، وتذكرة السامع ٨٤. ٢ البيتان للإمام علي كما في ديوانه ١٤٢، وشرح نهج البلاغة ١٨/ ١١٣، وديوان المعاني ١/ ١٢٣، وانظر تذكرة السامع ٨٥. ٣ تذكرة السامع ٢٧.
[ ١٣٧ ]
ففي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير١: لا يستطاع العلم براحة الجسم٢، وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره" ٣.
وكما قيل "بيت رجز":
ولا بد دون الشهد من إبر النحل٤
وكما قيل "من البسيط":
لا تحسب المجد تمرا أنت تأكله لن تبلغ المجد حتى تعلق الصبرا٥
ومنها: أن تكون همته عالية، فلا يرضى باليسير مع إمكان الكثير، ولا يسوف في اشتغاله، ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت، وعن الربيع٦ قال: لم أرَ الشافعي آكلا بنهار، ولا نائما بليل لاهتمامه بالتصنيف٧.
ومنها: أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف٨ بين العلماء
_________________
(١) ١ هو أبو نصر بن أبي كثير، يحيى بن صالح الطائي بالولاء، اليمامي: عالم أهل اليمامة في عصره، من أهل البصرة، يقال: أقام عشر سنين في المدينة يأخذ من أعيان التابعين، وسكن اليمامة، فاشتهر، وكان من ثقات أهل الحديث، رجحه بعضهم على الزهري، توفي في سنة ١٢٩هـ. السير ٦/ ٢٧، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٨. ٢ تذكرة السامع ٢٧. ٣ تذكرة السامع ٢٧. ٤ عجز بيت لأبي الطب المتنبي وصدره: تريدين إدراك المعالي رخيصة ٥ البيت بلا نسبة كما في حلية الأولياء ١٠/ ٣٠٤، وطبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٦٣، ونفح الطيب ٢/ ٥٠٥، وأمالي القالي ١/ ١١٢، ونوادر المخطوطات ٢/ ١٧٥. الصبر: عصارة شجر مر، ولا يُسَكَّن إلا في ضرورة الشعر. ٦ تذكرة السامع ٢٨، والربيع هو ابن سليمان المرادي، صاحب الشافعي، وناقل علمه. ٧ تذكرة السامع ٢٨. ٨ تذكرة السامع ١١٦.
[ ١٣٨ ]
مطلقا في العقليات١ والسمعيات٢، فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل يتقن أولا كتابا واحدا في فن واحد أو كتبا في فنون كما مر إن احتمل عقله ذلك٣، ولا ينتقل من كتاب حتى يتقنه٤، ويحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب قبل إتقانه من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح٥، أما من تحققت أهليته وتأكدت معرفته فالأولى له ألا يدع فنا من العلوم المحمودة ولا نوعا من أنواعها إلا وينظر فيه يطلع به على مقاصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم فالأهم٦، فإن العلوم متقاربة وبعضها مرتبط ببعض، والشخص يعادي ما يجهله، ولبعضهم "من الطويل":
تفنن وخذ من كل علم فإنما يفوق امرؤ في كل فن له علم
فأنت عدو للذي أنت جاهل به ولعلم أنت تفقهه سلم
_________________
(١) ١ قال أبو إبراهيم المزني: كنت يوما عند الشافعي أسائله عن مسائل بلسان أهل الكلام، قال: فجعل يسمع مني وينظر إلي، ثم يجيبني عنها بأخصر جواب، فلما اكتفيت، قال لي: يا بني، أأدلك على ما هو خير لك من هذا؟ قلت: نعم، فقال: يا بني، هذا علم إن أنت أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كفرت، فهل لك في علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت لم تأثم، قلت: وما هو؟ قال: الفقه، فلزمته، وتعلمت منه الفقه، ودرست عليه. طبقات الشافعية ١/ ٢٤١. ٢ قال الخطيب: كان أبو ثور أولا يتفقه بالرأي، ويذهب إلى قول أهل العراق، حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه، ورجع عن الرأي إلى الحديث، وقال أبو حاتم: هو رجل يتكلم بالرأي فيخطئ ويصيب، وليس محله محل المسمعين في الحديث، وأبو ثور هو إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي الفقيه صاحب الإمام الشافعي، وقد كان أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وفضلا، مات في بغداد شيخا سنة ٢٤٠هـ. طبقات الشافعية ١/ ٢٢٨. ٣ تذكرة السامع ١١٦. ٤ تذكرة السامع ١١٦. ٥ تذكرة السامع ١١٩. ٦ تذكرة السامع ١٢٠، وانظر طبقات الشافعية ١/ ٢٤٣.
[ ١٣٩ ]
وللخليل١ بن أحمد في أخيه لما تعقب عليه فن الشعر "من الكامل":
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا٢
لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا
الناس أعداء لما جهلوا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] قال الغزالي٣: العمر لا يتسع لجميع العلوم، فالحزم أن يأخذ من كل علم أحسنه، ويصرف همته وجل عمره في العلوم النافعة في الآخرة، وأشرف العلوم وغايتها علم معرفة الله، وهو بحر لا يدرك غوره، وأقصى درجات البشر فيه رتبة الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الذين يلونهم.
ومنها: ألا يحمل نفسه في الاشتغال ما لا طاقة له به مخافة الملل والسآمة؛ بل يكون أمره قصدا، وهذا باختلاف الناس، وكل إنسان أبصر بنفسه٤.
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الرحمن، الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، ولد ومات في البصرة ١٧٠هـ. إنباه الرواة ١/ ٣٤١، والأعلام ٢/ ٣١٤. ٢ جامع بيان العلم ١/ ٥٧٢. ٣ فاتحة العلوم ١٢٨-١٢٩. ٤ تذكرة السامع ٢٨.
[ ١٤٠ ]