الفصل الثالث: آدابه في درسه ١:
فمنها: إذا عزم على التدريس أن يتطهر من الحدث والخبث، فلا يلقي الدرس إلا على الطهارة، وأن ينظف ويطيب بدنه وثوبه، ويختار له لبس البياض، ولا يعتني بفاخر الثياب، ولا يقتصر على خلق ينتسب صاحبه إلى قلة مروءة، وأن يتطيب ويسرح لحيته، ويزيل كل ما يشينه.
كان الإمام مالك -﵁- إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ووضع رداء على رأسه، ثم يجلس على منصة، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
ومنها: قال ابن جماعة٣: يصلى ركعتي الاستخارة وينوي نشر العلم وتعليمه وبث الفوائد الشرعية، والاجتماع على ذكر الله، وإذا خرج من بيته للدرس فيدعو بما ورد في الصحيح عن النبي -ﷺ- فيقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أَضِل أو أُضَل، أو أَزِل أو أُزَل، أو أَظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَل أو يُجْهَل عليَّ، عز جارك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك" ٤، ثم يقول: "باسم الله وبالله
_________________
(١) ١ انظر تذكرة السامع والمتكلم ٣٠ فما بعده. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٣١، والمِنصة بكسر الميم: الكرسي. ٣ هو أبو عبد الله، بدر الدين، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي: قاض، من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين، ولد في حماة، وولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، فقضاء الشام، ثم قضاء مصر إلى أن شاخ وعمي، وكان من خيار القضاة، وتوفي بمصر سنة ٢٩٧هـ، له تصانيف منها: "تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم" وهو مطبوع مشهور. نكت الهميان ٢٣٥، والنجوم الزاهرة ٩/ ٢٩٨. وقول ابن جماعة في كتابه تذكرة السامع والمتكلم ٣١، وانظر الخبر في تذكرة السامع والمتكلم ص٣١. ٤ مجمع الزوائد ١٠/ ١٢٩، سنن أبي دواد ٤/ ٣٢٥، المعجم الأوسط ٣/ ٣٤، المعجم الكبير ٢٣/ ٣٢٠، ٢٤/ ٩، تحفة الأحوذي ٩/ ٢٧٢، فيض القدير ٥/ ١٢٤. وانظر تذكرة السامع والمتكلم ٣١.
[ ١٢٣ ]
حسبي الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم ثبت جناني، وأدر على الحق لساني"١، ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى المجلس، فإذا وصل يسلم على مَن حضر، ويصلي ركعتين "إن لم يكن وقت كراهة"٢، فإذا كان مسجدا تأكدت الصلاة وإن كان وقت كراهة، ثم يجلس بوقار وسكينة وتواضع وخشوع، والأولى أن يكون مستقبل القبلة٣ كيف اتفق لا مقعيا إلا قعاء٤ المكروه في الصلاة ولا مستوفزا٥، ولا رافعا إحدى رجليه على الأخرى، ولا مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، وأن يصون بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه، ويديه عن العبث والتشبيك بهما، وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك؛ فإنه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة٦.
ومنها: أن يحسن خلقه مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو صلاح أو شرف أو نحو ذلك، ويرفعهم في المجلس على حسب تقديمهم في الإمامة ويكرمهم بحسن السلام، وطلاقة الوجه، والبشاشة والابتسام وبالقيام لهم على سبيل الاحترام٧، ولشيخ الإسلام محيي الدين في الترخيص في كتاب مستقل٨
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٣٢. ٢ زيادة من تذكرة السامع والمتكلم ٣٢، يقتضيها السياق. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٣٢. قال سلم بن جنادة: جالست وكيعا سبع سنين فما رأيته بزق ولا مس حصاة ولا جلس مجلسه فتحرك، ولا رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله. وكان وكيع بن الجراح أحد الأئمة الأعلام، وكفى بالعالم أن يقتدي بمثل هذا الإمام. انظر تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠٦. ٤ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢١٥. ٥ يقال: استوفز في قعدته: انتصب فيها غير مطمئن، أو وضع ركبتيه ورفع إلييه، أو استقل على رجليه. ٦ تذكرة السامع والمتكلم ٣٢. ٧ تذكرة السامع والمتكلم ٣٣. ٨ هو كتاب "الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام". انظر كشف الظنون ١/ ٣٩٨.
[ ١٢٤ ]
شفى فيه الغليل، وأتى فيه بواضح الدليل، وأجاب عما يوهم كراهته، نفع الله ببركاته.
ومنها: أن يقدم تلاوة القرآن العظيم في البحث والتدريس، ثم إن كان في مدرسة اتبع شرطها، ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين١ بعد أن يدعو للعلماء الماضين، ومشايخه ووالديه والحاضرين ولواقف المكان، وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا والكل حسن، وقد عمل قوم بالأول، وقوم بالثاني٢. انتهى.
ويستحب لهم إذا اجتمعوا للعلم قراءة سورة، وكان الحافظ الشهاب ابن حجر٣ يستفتح مجلس إملائه بسورة الأعلى، وسُئل عن الحكمة في قراءتها فقال: تبعت في ذلك شيخنا العراقي٤ ومناسبتها: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨] . ويستحب إذا اجتمع صاحبان أن يقرآ قبل التفرق سورة العصر، ولمن رأى ما يحب أن يقول: الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، أو يكره: الحمد لله
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٣٤. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٣٥. ٣ هو أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، شهاب الدين، ابن حجر: من أئمة العلم والتاريخ، ولع بالأدب والشعر، ثم أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن والحجاز وغيرهما لسماع الشيوخ، وعلت شهرته، فقصده الناس للأخذ عنه، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، وكان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين، وأخبار المتأخرين، وولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل، أما تصانيفه فهي كثيرة جليلة، عظيمة الفائدة، مولده ووفاته بالقاهرة سنة ٨٥٢هـ. الضوء اللامع ٢/ ٣٦، والأعلام ١/ ١٧٨. ٤ هو أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، زين الدين، المعروف بالحافظ العراقي: بحاثة، من كبار حفاظ الحديث، أصله من الكرد، ومولده في رازنان "من أعمال إربل" تحول صغيرا مع أبيه إلى مصر، فتعلم ونبغ فيها، وقام برحلة إلى الحجاز والشام وفلسطين، وعاد إلى مصر، فتوفي في القاهرة سنة ٨٠٦هـ، وتصانيفه كثيرة مفيدة. إنباء الغمر ٢/ ٢٧٥، والضوء اللامع ٤/ ١٧١، والأعلام ٣/ ٣٤٤.
[ ١٢٥ ]
على كل حال، أو أعجبه شيء: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ولمن أتاه خبر صالح: اللهم لك الحمد شكرا، ولك المن فضلا، ولمن غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولمن قام من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وفي رواية: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وفي رواية: اللهم تب علي واغفر لي ثلاثا، وفي رواية: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين١.
ومنها: إذا تعددت الدروس٢ أن يقدم أشرف العلوم وأهمها، فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الفقه، ثم الأصول أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل، وبعضهم أخَّر الجدل عن الخلاف، وكان بعضهم يختم درسه٣ برقائق تفيد تطهير الباطن، فإن كان في مدرسة لواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله.
ومنها: ألا يطيل٤ مجلسه تطويلا يملهم أو يمنعهم فهم الدرس وضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم، فإذا صاروا إلى هذه الحالة فات المقصود، ولا يقصره تقصيرا يخل، فيراعي المصلحة في التطويل والتقصير.
ومنها: ألا يدرس٥ وبه ما يزعجه ويذهب استحضاره؛ كمرض أو جوع أو عطش٦ أو مدافعة حدث أو شدة فرح أو غم أو غضب أو نعاس أو قلق، ولا
_________________
(١) ١ هذه الآيات آخر سورة الصافات "الآيات: ١٨٠ و١٨١ و١٨٢" انظر تفسير الطبري ١٠/ ٥٤٢-٥٤٣، والقرطبي ١٥/ ١٤٠ و١٤١. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٣٥. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٣٧. ٤ تذكرة السامع والمتكلم ٣٨. ٥ تذكرة السامع والمتكلم ٣٣. ٦ قلت: هذا من أعظم الأمور التي لوحظت في الدرس من القرون السالفة إلى هذا العصر، وقد حكي أن أبا يوسف -رحمه الله تعالى- كان يذاكر الفقه مع الفقهاء بقوة ونشاط، وكان صهره عنده يتعجب في أمره ويقول: أنا أعلم أنه جائع منذ خمسة أيام ومع ذلك يناظر بقوة ونشاط، وانظر تعليم المتعلم للزرنوجي ٢١.
[ ١٢٦ ]
في حال برده المؤلم، وحره المزعج، فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر، ولا يكون في مجلسه ما يؤذي الحاضرين؛ بل يكون واسعا مصونا من الحر والبرد والريح والغبار والدخان ونحو ذلك.
ومنها: ينبغي مراعاة١ مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره في النهار، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا درس قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعد الظهر لم يستحق معلوم التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفته العرف المعتاد، ولا يرفع صوته زيادة على الحاجة، ولا يخفضه خفضا يمنعهم من كمال الفهم٢، روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع"٣، قال أبو عثمان محمد٤ بن الإمام الشافعي ﵄: ما سمعت أبي يناظر أحدا قط فرفع صوته٥؛ أي: لم يرفع فوق العادة٦، فإن حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه٧.
ومنها: أن يصون مجلسه من اللغط، وعن رفع الأصوات، وسوء الأدب في المباحثة واختلاف جهات البحث٨، قال الربيع٩: كان الشافعي إذا ناظره أحد
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٤٤. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٣٩. ٣ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١/ ٤١٢، وانظر أيضا تذكرة السامع والمتكلم ٣٩. ٤ وهو أكبر أولاد الشافعي، ولما توفي والده كان بالغا مقيما بمكة، ولي القضاء بالجزيرة وأعمالها، وولي أيضا القضاء بمدينة حلب، وبقي بها سنين كثيرة، توفي في الجزيرة بعد سنة ٢٤٠هـ. طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٧١. ٥ تذكرة السامع والمتكلم ٣٩. ٦ في تذكرة السامع والمتكلم ٣٩ قال البيهقي: "أراد -والله أعلم- فوق عادته". ٧ تذكرة السامع والمتكلم ٣٩. ٨ تذكرة السامع والمتكلم ٤٠. ٩ هو أبو محمد، الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، بالولاء، المصري: صاحب الإمام الشافعي، وراوي كتبه، وأول من أملى الحديث بجامع ابن طولون، كان مؤذنا، وفيه سلامة وغفلة، مولده ووفاته في مصر سنة ٢٧٠هـ. السير ١٢/ ٥٨٧، وطبقات السبكي ٢/ ١٣٢.
[ ١٢٧ ]
في مسألة فغدا إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نعود إلى ما تريد١، والقصد من البحث ظهور الحق، وحصول الفائدة، واستفادة البعض من البعض لا القيام مع النفوس والجدل والمماراة، فإن ذلك مذموم شرعا، فلا يليق بأهل العلم تعاطي المناقشة بالمنافسة والشحناء؛ لأن ذلك يورث العداوة والبغضاء، بل يجب الاجتماع على الحق، عملا بقول الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨] وليزجر من تعدى في بحثه، وظهر منه سوء أدب، أو لدد٢، أو ترك إنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام، أو تحدث مع غيره، أو ضحك، أو استهزأ بأحد٣، وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليه على قدر منازلهم، ويوقظ النائم، وينبه الغافل، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها٤.
ومنها: أن يلازم٥ الإنصاف في بحثه وخطابه، ويسمع السؤال من مورده على وجهه، وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده لحياء ونحوه عبَّر الشيخ عن مراده، وبين وجه إيراده، ثم يجيبه عن ذلك السؤال، ويفهمه إياه على أحسن منوال، وينبغي أن تيودد لغريب حضر عنده لينشرح صدره، فإن للقادم دهشة٦.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٤٠. ٢ لدَّه يَلُدُّه لدًّا: خصمه، فهو لاد ولدود، تاج العروس ٩/ ١٣٨. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٤١، وانظر ما قاله أبو حازم الأعرج، وكان من العلماء الأبرار: "رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت فيه متمارين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا ". انظر تذكرة الحفاظ ١/ ١٢٤. ٤ تذكرة السامع والمتكلم ٤١، والحق أن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، وأن مذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المذاكرة والمطالعة والحفظ ساعات بل أيام. ٥ تذكرة السامع والمتكلم ٤١. ٦ تذكرة السامع والمتكلم ٤٣، وهناك أمثلة كثيرة تدل على مثل هذه الشفقة على المتعلم، وعن سعيد بن المسيب -﵁- قال: قلت لسعد بن مالك: إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أهابك، فقال: لا تهبني يابن أخي، إذا علمت أن عندي علما فسلني عنه.
[ ١٢٨ ]
ومنها: إذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإن جاء في أثناء بحثها أعادها له١.
ومنها: إذا سُئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل: لا أعرفه، أو لا أتحققه، أو لا أدري٢، ولا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم أن يقول فيما لا يعلم: لا أعلم والله أعلم، قال ابن مسعود ﵁: يأيها الناس، من علم شيئا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقال عمر ﵁: نهينا عن التكلف، وقال علي ﵁: إذا سئلتم عما لا تعلمون فاهربوا، قالوا: كيف الهرب؟ قال: تقولون الله أعلم، وقال ابن عباس: إذا ترك العالم لا أدري أُصيبت مقاتله٣، وقد نظمه الإمام أبو بكر٤ بن دريد فقال "من الطويل":
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٤٤. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ٤٢، وقد قال العلماء: كلمة "لا أدري" نصف العلم، لنا أمثلة عالية في هذا التعليم، وذلك عن الإمام الجليل، إمام الكوفيين في اللغة والنحو؛ حيث قال أبو عمر الزاهد وهو غلام ثعلب: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن شيء، فقال: لا أدري، فقال له: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد؟! فقال له أبو العباس ثعلب: لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت. وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها، واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الناس الجهلة بل يرفعه؛ لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه، وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته، وحسن تثبته. تذكرة السامع والمتكلم ٤٢-٤٣. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٤٢. ٤ هو أبو بكر، محمد بن الحسن بن دريد الأزدي: من أئمة اللغة والأدب، ولد في البصرة، وانتقل إلى عمان، وعاد إلى البصرة، ثم رحل إلى نواحي فارس، فقلده "آل ميكال" ديوان فارس، ثم رجع إلى بغداد، وأقام بها حتى وفاته، كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء، وهو صاحب المقصورة الدريدية الشهيرة، وله ديوان شعري مطبوع، توفي في سنة ٣٢١هـ. تاريخ بغداد ٢/ ١٩٥، ووفيات الأعيان ٤/ ٣٢٣.
[ ١٢٩ ]
ومن كان يهوى أن يُرى متصدرا ويكره لا أدري أصيبت مقاتله١
وقال ابن عمر -﵁- وقد سئل عن شيء: لا أدري، ثم أتبعها فقال: أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسورا في جهنم أن تقولوا: أفتانا بهذا ابن عمر٢، وقال ابن عمر أيضا: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري٣، وقال بعضهم: تعلم لا أدري فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت أدري سألوك حتى لا تدري، قال شيخ الإسلام النووي كغيره: واعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم لا أدري لا يضع منزلته بل هو دليل على عظم محله وتقواه وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة بل يستدل بقول لا أدري على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وإنما يمتنع من لا أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعف تقواه؛ لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من أعين الحاضرين، وهذه جهالة منه؛ فإنه بإقدامه على الجواب فيما لا يعلمه يبوء بالإثم العظيم، وهو مجازف لجهله وقلة دينه، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" ٤، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى والخضر -﵉- حين لم يرد موسى العلم إلى الله تعالى لما سُئل: هل أحد في الأرض أعلم منك؟ ٥
_________________
(١) ١ ديوان ابن دريد ١٠٥، وقبله: جهلت فعاديت العلوم وأهلها كذاك يعادي العلم من هو جاهله ٢ الزهد لابن المبارك ١/ ١٨. ٣ المعجم الأوسط ١/ ٢٩٩، والتمهيد ٤/ ٢٦٦، وفيض القدير ٤/ ٣٨٧. ٤ سنن أبي داود ٤/ ٢٩٩، والبيان والتعريف ٢/ ٢٣٨، والديباج ٥/ ١٦٧، وصفوة الصفوة ١/ ٢٠٨، والجامع لمعمر بن راشد ١١/ ٢٤٨. ٥ تذكرة السامع والمتكلم ٤٣، ولنا في ذلك في رسول الله -ﷺ- أسوة حسنة، عن جبير بن مطعم عن أبيه أن رجلا أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله، أي البلاء شر؟ قال: "لا أدري"، فلما أتى جبريل محمدا -ﷺ- قال: "يا جبريل، أي البلاد شر؟ " قال: لا أدري حتى أسأل ربي، فانطلق جبريل فمكث ما شاء الله له أن يمكث، ثم جاء، فقال: يا محمد سألتني: أي البلاد شر؟ وإني قلت: لا أدري، وإني سألت ربي: أي البلاد شر؟ فقال: أسواقها. المستدرك ١/ ٩٠.
[ ١٣٠ ]
ومنها: ما جرت به العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم١، قال ابن جماعة٢: الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي، ونحو ذلك؛ ليكون قوله: والله أعلم خالصا، لذكر الله ولقصد معناه، قال٣: ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" ليكون ذاكرا لله في بدئه وخاتمته.
ومنها٤: ينبغي للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة؛ لئلا يزدحموا عند خروجهم، ولأنه إن كان في نفس أحد بقايا سؤال تأخر وسأله.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ٤٤. ٢ في كتابه: تذكرة السامع والمتكلم ٤٤. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ٤٥. ٤ تذكرة السامع والمتكلم ٤٥.
[ ١٣١ ]