الفصل الثاني: آدابه مع شيخه وقدوته، وما يحب عليه من تعظيم حرمته ١:
فمنها: ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم منه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن ممن كملت أهليته، وظهرت ديانته، وتحققت معرفته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته وسيادته، وظهرت مودته وحسن تعليمه، ولا يرغب الطالب فيمن زاد علمه ونقص ورعه أو دينه، فعن السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم٢.
قالوا: ولا يأخذ العلم ممن كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو على شيخ حاذق له معرفة تامة ولو بعلم واحد ومشاركة في بعض العلوم خوفا من التصحيف والغلط، وقال الشافعي: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام٣، وقيل: من تفقه من بطون الكتب بدل الأحكام، ومن طب من بطون الكتب قتل الأنام، وليحذر٤ من أن يتقيد الطالب بالمشايخ المشهورين، وترك الأخذ عن الخاملين، فقد عد الغزالي٥ ذلك من الكبر على العلم، وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث٦ وجدها، ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة ممن ساقها إليه، وربما يكون الخامل له بركة ونفع فيحصل به تمام النفع٧.
ومنها: أن ينظر معلمه بعين الاحترام، والإجلال والإكرام، ويعتقد فيه كمال
_________________
(١) ١ انظر هذا الباب في تذكرة السامع ٨٥ فما بعد. ٢ التمهيد لابن عبد البر ١/ ٤٦، وكشف الخفاء ١/ ٣٠٢، والكفاية في علم الرواية ١/ ١٢١. ٣ تذكرة السامع ٨٧. ٤ تذكرة السامع ٨٧. ٥ تذكرة السامع ٨٦. ٦ تذكرة السامع ٨٦. ٧ تذكرة السامع ٨٦.
[ ١٤١ ]
الأهلية فإن ذلك ينفعه١، وكان بعض السلف٢ إذا توجه إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه٣ مني، وقال الشافعي ﵁: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك -﵀- صفحا رفيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها٤، وقال الربيع: والله ما أجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلَيَّ هيبة له٥، وقال حمدان بن الأصبهاني٦: كنت عند شريك٧ فأتاه بعض أولاد الخليفة المهدي فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه وأقبل علينا، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، فقال ابن الخليفة: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ قال: لا ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه٨، فجثى على ركبتيه فقال شريك: هكذا يُطلب العلم٩، روي أن يحيى بن سعيد١٠ القطان كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه: علي بن المديني١١
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ٨٨. ٢ تذكرة السامع ٨٨. ٣ تذكرة السامع ٨٨. ٤ تذكرة السامع ٨٨. ٥ تذكرة السامع ٨٨. ٦ هو حمدان بن علي الأصبهاني. ٧ هو أبو عبد الله، شريك بن عبد الله بن الحارث النخعي الكوفي: عالم بالحديث، فقيه، اشتهر بقوة ذكائه وسرعة بديهته، كان قاضيا، وكان عادلا في قضائه، مولده في بخارى، ووفاته بالكوفة سنة ١٧٧هـ. تاريخ بغداد ٩/ ٢٧٩، والأعلام ٣/ ١٦٣. ٨ أدب الإملاء والاستملاء ١٣٣. ٩ أدب الإملاء والاستملاء ١٣٣، تذكرة السامع ص٨٨، وكتاب العلم للنووي ص١٠٥، والسير ٨/ ١٨٤. ١٠ أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي: من حفاظ الحديث، ثقة حجة، من أقران مالك وشعبة، من أهل البصرة، كان يفتي بقول أبي حنيفة. قال أحمد بن حنبل: "ما رأيت بعيني مثل يحيى القطان"، توفي في سنة ١٩٨هـ. تاريخ بغداد ١٤/ ١٣٥، وتذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٤. ١١ هو أبو الحسن، علي بن عبد الله بن جعفر، المديني، البصري: محدث مؤرخ، كان حافظ عصره، وكان أعلم من الإمام أحمد باختلاف الحديث، له نحو مائتي مصنف، ولد بالبصرة، ومات بسامراء سنة ٢٣٤هـ. تذكرة الحفاظ ٢/ ١٥، وتهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٩.
[ ١٤٢ ]
والشاذكوني١، وعمرو بن٢ علي، وأحمد بن حنبل٣، ويحيى بن معين٤ وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له وإعظاما، قلت: وهذا القيام بين يديه لله لا له، وإنما لما خصه الله من العلم وهيبته ومنحته، فلا يدخل في قوله ﷺ: "من أراد أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار" ٥؛ لأنه لا يحب ذلك لنفسه؛ وإنما للسر المودع فيه من العلم، ولتهذيب أخلاق الطلبة وصونهم عن التكبر وتخلقهم بالتواضع٦، والله أعلم.
ومنها: أن يعرف للمعلم٧ حقه، ولا ينسى له فضله ويتواضع٨ له ويذل
_________________
(١) ١ هو أبو أيوب، سليمان بن داود بن بشر المنقري البصري، المعروف بالشاذكوني: الحافظ الشهير، قال عنه السيوطي: من أفراد الحافظين إلا أنه واهٍ، جالس الأئمة والحفاظ ببغداد، ثم خرج إلى أصبهان فسكنها، وانتشر حديثه بها، وكان ذا هيئة حسنة، كما كان يتهم بشرب النبيذ وغير ذلك، وكان يتهم بوضع الحديث، مات بالبصرة سنة ٢٣٤هـ. طبقات الحفاظ ٢٣٦، والسير ١٠/ ٦٧٩. ٢ هو أبو حفص، عمرو بن علي بن بحر السقاء الفلاس: باحث من أهل البصرة، سكن بغداد، كان من حفاظ الحديث الثقات، ففي أصحاب الحديث من يفضله على ابن المديني، مات في سر من رأي سنة ٢٤٩. تهذيب التهذيب ٨/ ٨٠، والأعلام ٥/ ٨٢. ٣ الإمام الكبير، صاحب المذهب، وصاحب المسند. ٤ أبو زكريا، يحيى بن معين بن عوف بن زياد البغدادي: من أئمة الحديث ومؤرخي رجاله، نعته الذهبي بسيد الحفاظ، وقال العسقلاني: إمام الجرح والتعديل، وقال ابن حنبل: أعلمنا بالرجال، خلف له أبوه ثروة كبيرة، فأنفقها في طلب الحديث، عاش في بغداد، ومات بالمدينة حاجا سنة ٢٣٣هـ. تاريخ بغداد ١٤/ ١٧٧، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٨٠. ٥ رواه أبو داود رقم ٥٢٢٩ في الأدب، والترمذي رقم ٢٧٥٦ في الأدب، ومجمع الزوائد ٨/ ٤٠، وفيض القدير ٦/ ٤١، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٤٠٠. ٦ تفسير القرطبي ٩/ ٢٦٦، وفتح الباري ١١/ ٥٠. ٧ تذكرة السامع ٩٠، وقد قال قرة بن خالد: كان الحسن إذا قدم عكرمة البصرة أمسك عن التفسير والفتيا ما دام عكرمة بالبصرة. ٨ تذكرة السامع ٩٠.
[ ١٤٣ ]
ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتعظيم حرمته مثوبة، والتشمير في خدمته شرف، قال ﷺ: "تعلموا العلم، وتعملوا للعلم السكينة والوقار وتواضعوا لمن تعلمون منه"١، وأخذ ابن عباس -﵄- مع جلالته ومزيته بركاب زيد بن ثابت٢ -﵁- وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا٣، ويقال: إن الشافعي -﵀- عوتب على تواضعه للعلماء فقال "من الطويل":
أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولن تكرم النفس التي لا تهينها٤
ومنها: ألا ينكر عليه، ولا يتأمر عليه، ولا يشير عليه بخلاف رأيه فيرى أنه أعلم بالصواب منه "من الطويل":
وإن عناء أن تعلم جاهلا فيزعم جهلا أنك منك أفهم٥
بل ينقاد إليه في أموره كلها، ويلقي إليه زمام أمره، ويذعن لنصحه، ويتحرى رضاه، ولا يختار إلا اختياره، ويأتمر بأمره، ولا يخرج عن رأيه، وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه، وفي قصة موسى والخضر تنبيه على ذلك٦، وبالجملة فيكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر الناصح، بل هذا أولى لتفاوت ثمرتيهما، والله أعلم.
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٢٥. ٢ هو أبو خارجة، زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي: صحابي، من أكابرهم، كانت كاتب الوحي، ولد في المدينة، ونشأ في مكة، توفي في سنة ٤٥هـ، ولما مات قال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة. الإصابة ترجمة رقم ٢٨٨٠. ٣ تذكرة السامع ٨٧، والمستدرك ٣/ ٤٢٣، والإصابة، وصفة الصفوة ١/ ٢٩٥، وبقية الخبر: "فأخذ زيد كفه وقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بآل بيت نبينا ". ٤ البيت في ديوانه ص٨٩، وانظره في آداب الشافعي ومناقبه ١٢٧، والجامع لأخلاق الراوي ١/ ٥٥٢، وحلية الأولياء ٩/ ١٤٨. ٥ البيت لصالح بن عبد القدوس. وانظر جامع بيان العلم ١/ ٤٤٧. ٦ سورة الكهف، الآية ٦٩، وانظر أيضا تذكرة السامع ٨٨.
[ ١٤٤ ]
ومنها: أن يبجله في خطابه في غيبته وحضوره، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه، ولا يناديه من بُعْد، بل يقول: يا سيدي١ ويا أستاذي، أو يأيها العالم أو الحافظ، ويخاطبه بصيغة الجمع نحو ما تقولون في كذا، وما رأيكم في كذا، وقلتم رضي الله عنكم، وأجزتم رضي الله عنكم، ولا يسميه في غيبته باسمه إلا مقرونا بما يشعر بالتعظيم كقوله: قال الشيخ أو شيخنا أو سيدنا أو شيخ الإسلام أو حجة الإسلام ونحو ذلك٢، فمراعاة حرمته وهديه في غيبته وبعد موته، فلا يغفل عن الدعاء له مدة حياته، ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق المجلس٣ الذي يُغتاب فيه شيخه، ويراعي ذريته وأقاربه بعد موته، ويتعاهد زيارة قبره والاستغفار له والترحم عليه والصدقة عنه، ويسلك مسلكه، ويراعي في الدين عادته، ويقتدي بحركاته وسكناته في عباداته وعاداته، ويتأدب بآدابه٤، ويشكر الشيخ إذا نصحه في أمر نقيصة صدرت منه، وعلى فضيلة نبهه عليها وشوهدت منه، ويعد ذلك من نعم الله عليه من الشيخ باعتناء الشيخ به ونظره إليه.
ومنها: أن يصبر على هفوة تصدر من شيخه أو جفوة أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته واعتقاد كماله، ويتأول أفعاله التي ظاهرها مذموم على أحسن تأويل، فما يعجز عن ذلك إلا قليل التوفيق، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة والاستغفار٥، وينسب الموجب إليه، ويوقع العتب عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، وأحفظ لقلبه، وأنفع في الدنيا والآخرة٦، فمن صبر على ذل التعليم آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة، ومن لم
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ٨٩. ٢ تذكرة السامع ٨٩. ٣ تذكرة السامع ٩٠. ٤ تذكرة السامع ٩٠. ٥ تذكرة السامع ٩١. ٦ تذكرة السامع ٩١.
[ ١٤٥ ]
يصبر بقي عمره في غاية الجهالة١، وعن ابن عباس ﵄: ذللت طالبا فعززت مطلوبا٢، ولبعضهم "من الكامل":
فاصبر لدآئك إن أهنت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما٣
إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يُكْرَما
قال الشافعي ﵁: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك فقال للقائل: هم حمقاء إذن إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي٤.
ومنها: ألا يدخل٥ على الشيخ في غير المجلس العام بغير إذنه، سواء كان الشيخ وحده أو معه غيره، فإن استأذن ولم يأذن له انصرف، ولا يكرر الاستئذان، فإن لم يعلم الشيخ يكرر ثلاثا أو ثلاث طرقات للباب، وليكن طرق الباب خفيفا بقدر ما يسمع، وإن أذن وكانوا جماعة تقدم أفضلهم وأسنهم للدخول، ثم يسلم الأفضل فالأفضل.
ومنها: أن يجتهد على أن يسبق في الحضور إلى المجلس قبل حضور الشيخ ويحمل نفسه على ذلك وإن انتظره على باب داره ليخرج ويمشي معه إلى المجلس فهو أولى، ولا يتأخر بحيث يجعل الشيخ في انتظاره، فإن فعل ذلك من غير ضرورة عرض نفسه للذم، وإذا دخل٦ على الشيخ فليدخل كامل الهيئة
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ٩١. ٢ تذكرة السامع ٩١. ٣ تذكرة السامع ٩١، والتمثيل والمحاضرة ١٦٤، ومحاضرات الأدباء ١/ ٥٣. ٤ تذكرة السامع ٩١-٩٢. ٥ تذكرة السامع ٩٣-٩٤. ٦ تذكرة السامع ٩٥.
[ ١٤٦ ]
فارغ القلب من الشواغل، منشرح الصدر، صافي الذهن، لا في حال نعاس أو غضب أو جوع أو عطش، متطهرا نظيفا متسوكا مزيلا روائحه الكريهة، ولا يقرأ على الشيخ عند شغل قلبه وملله ونعاسه وجوعه وعطشه واستيفازه وألمه وقائلته ونحو ذلك مما يمنعه من استيفاء الشرح، ومتى١ دخل على الشيخ في غير المجلس العام وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن الحديث، أو دخل الشيخ ليصلي أو يقرأ أو يطالع أو يكتب ولم يبدأه بكلام فليسلم ويخرج سريعا إلا أن يأمره الشيخ بالمكث٢، فإذا مكث فلا يطيل المكث خشية أن يدخل في عموم من شغل مشغولا بالله أدركه المقت في الوقت، وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده انتظره ولا يفوت على نفسه درسه، وإن كان نائما صبر حتى يستيقظ٣، وروي أن ابن عباس -﵄- كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت وهو نائم فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا٤، وكذلك كان السلف يفعلون٥.
ومنها: ألا يطلب٦ من الشيخ وقتا يقرأ فيه وهو عليه مشق، أو لم تجر عادته بالإقراء فيه وإن كان رئيسا؛ لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة، وربما استحى الشيخ منه وأقرأه وعطل غيره بسببه فلا يفلح، فإن أشار الشيخ عليه بوقت خاص فلا بأس٧، وأن يجلس بين يديه٨ متأدبا بسكون وإطراق رأس وخضوع وتواضع وخشوع وجلوس الافتراش أو التورك، ويحسن هنا الإقعاء المستحب على وجه في الجلوس بين السجدتين في الصلاة، وهو أن يفترش قدميه ويجلس على بطونهما، ويتعاهد تغطية أقدامه وإرخاء ثيابه٩.
_________________
(١) ١ تذكر السامع ٩٥. ٢ تذكرة السامع ٩٥ ٣ تذكرة السامع ٩٦. ٤ تذكرة السامع ٩٦. ٥ تذكرة السامع ٩٦. ٦ تذكرة السامع ٩٦. ٧ تذكرة السامع ٩٧. ٨ تذكرة السامع ٩٧. ٩ تذكرة السامع ٩٩.
[ ١٤٧ ]
ولا يستند١ بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة، ولا يعطي الشيخ جنبه ولا ظهره، ولا يجعل يديه ماسكة وراء ظهره، ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ثياب الشيخ أو وسادته أو سجادته، قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ ألا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه، وإن أمره شيخه بذلك فلا يفعله إلا إذا جزم عليه جزما تشق عليه مخالفته، فيمتثل أمره ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب٢، هذا وقد تكلم الناس في أي الأمرين أولى: امتثال الأمر، أو سلوك الأدب٣، وكان مذهب أبي بكر وعلي -﵄- الثاني، ومذهب عبد الرحمن٤ بن عوف ومعاذ بن جبل -﵄- الأول، وقصصهم مشهورة، قال شيخ الإسلام البدر بن جماعة٥: والذي يترجح التفصيل، فكل على قدر مقامه، فأبو بكر وعلي مقامهما المراجعة في الأمر، وعبد الرحمن ومعاذ بن جبل مقامهما امتثال الأمر لا المراجعة، وأيضا صاحب الأدب جبره حاصل، وصاحب امتثال الأمر قد يقصد جبره وإظهار احترامه والاعتناء به.
ومنها: أن يلقى السمع وهو شهيد لما يلقيه الشيخ، بحيث لا يُحوِجه إلى إعادة الكلام٦، ولا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا وفوقا وتحتا وأماما ووراء من غير ضرورة، ولا يضطرب لصيحة يسمعها، ولا يتكلم بيديه إلى وجه الشيخ وصدره ولا يعبث بهما، ولا يضع يده على لحيته أو فمه، أو يعبث بها في أنفه، ولا يشبك أصابعه، ولا يكثر التنحنح من غير حاجة، ولا يبصق ولا يمتخط ولا
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ٩٨. ٢ تذكرة السامع ١٠٠. ٣ تذكرة السامع ١٠٠. ٤ هو أبو محمد، عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف الزهري القرشي: صحابي، من أكابرهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من الأجواد العقلاء، وأحد السابقين إلى الإسلام، وتوفي في المدينة سنة ٣٢هـ. الإصابة ترجمة رقم ٥١٧١. ٥ تذكرة السامع ١٠٠. ٦ تذكرة السامع ٩٧.
[ ١٤٨ ]
ينخع ما أمكنه، إذا كان كذلك فليأخذها بمنديل ونحوه من فمه، ولا يتجشأ ولا يتمطى، ولا يكثر التثاؤب، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جُهده، وإذا عطس خفض صوته جهده وستر وجهه بمنديل ونحوه، ويكون ساكنا مطمئنا وقورا وقرا، وذلك لا يخفى على من له أدنى أدب طبيعي.
ومن تتمات ما نحن فيه: أنه لا يسارر في مجلس شيخه ولو في مسألة، ولا يغمز أحدا، ولا يكثر كلامه بغير ضرورة، ولا يحكي ما يُضحك منه أو ما يتضمن سوء أدب، ولا يتكلم بما لم يسأله شيخه عنه، ولا يسأل شيخه ما لم يستأذنه أولا، ولا يضحك من غير عجب دون الشيخ، فإن غلبه الضحك تبسم بغير صوت، ولا يغتب أحدا في مجلسه، أو ينم له عن أحد، أو يوقع بينه وبين أحد ينقل ما يسوؤه كاستنقاص به وتكلم فيه، أو يقول له: فلان يود أن لو أقرأ عليه كالحاث له في أمره، وتركت ذلك لأجلك، ففاعل ذلك مع كونه ارتكب
مكروها أو حراما أو كبيرة مستحق للزجر والإهانة، والطرد والإبانة، وقد جاء عن علي ﵁: إن من حق العالم ألا تكثر عليه السؤال، ولا تعنته في الجواب، ولا تلح عليه إذا أعرض، ولا تأخذ بثوبه إذا كسل، ولا تشيرن إليه بيدك، ولا تغمزه بعينك ولا تغمز بعينك غيره، ولا تسار في مجلسه، ولا تطلب زلته، وإن زل فاقبل معذرته، وألا تقول: قال فلان خلاف قولك، وأن تحفظه شاهدا وغائبا، وأن تعم القوم بالسلام، وأن تخصه بالتحية، وأن تجلس بين يديه، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقتَ القوم إلى خدمته، وألا تمل من طول صحبته، وإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة١.
ومنها: أن يحسن خطابه مع الشيخ ما أمكنه٢، ولا يقول له: لِمَ؟ ولا
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله ٩٥، وتذكرة السامع ١٠٠. ٢ تذكرة السامع ١٠٢.
[ ١٤٩ ]
نسلم، ولا من نقل هذا؟ ولا أين موضعه؟ ولا يقل المحظوظ والمنقول غير هذا وشبه ذلك، فإن أراد استفادة أصله أو من نقله، فيراجعه بلطف في مجلس آخر بحسن الأدب ولطف العبارة، وأذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له، أو أصر الشيخ على خلاف الصواب سهوا، فلا يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله، بل يأخذه ببشر ظاهر وإن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال، فإن العصمة في البشر للأنبياء عليهم السلام١، وليحذر من مفاجأة الشيخ٢ بصورة رد عليه مثل أن يقول له: أنت قلت فيقول: ما قلت؟ فحاصله إذا فاجأه أو أراد أن يرد عليه فليكن بألطف عبارة ولو في غير ذلك المجلس؛ كأن يقول: هل تلمحتم جوابا عن ذلك الإشكال أو على ذلك التعقب؟ وإذا سبق لسان الشيخ إلى تحريف كلمة ألا يضحك ولا يستهزئ ولا يعيدها كأنه يتنادر بها عليه، ولا يغمز غيره ولا يشير إليه بل ولا يتأمل ما صدر منه ولا يدخله قلبه، ولا يصغى إليه بسمعه، ولا يحكيه لأحد، فإن اللسان سباق والإنسان غير معصوم، وفاعل شيء مما ذكر مع شيخه معرض نفسه للحرمان، والبلاء والخسران، مستحق للزجر والتأديب، والهجر والتأنيب، والله أعلم.
ومنها٣: ألا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال منه أو من غيره، لا سيما إلا إذا كان من غيره وتوقف الشيخ، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفة به أو إدراكه له قبل الشيخ، إلا أن يعلم من الشيخ إيثار ذلك منه، أو عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه فلا بأس به حينئذ، ولا يقطع على الشيخ كلامه ولا يسابقه، وإذا سمع الشيخ يذكر حُكْما في مسألة أو فائدة
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ١٠١-١٠٢. ٢ تذكرة السامع ١٠٢. ٣ تذكرة السامع ١٠٦-١٠٧.
[ ١٥٠ ]
مستغربة أو يحكي حكاية أو ينشد شعرا وهو يحفظ ذلك أن يصغي إليه إصغاء متسفيد متعطش إليه فرح به كأنه لم يسمعه١ قط، قال عطاء٢: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئا٣، وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد٤، فإن٥ سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه للحديث أو للمسألة فلا يجيب بلا لما فيه من الكذب، ولا يجيب بنعم لما فيه من الاستغناء عن الشيخ، بل يقول: أحب أن أستفيده، أو عهدي به بعيد، فإن علم من حال الشيخ أنه يسره ألا يراد امتحانا لضبطه وحفظه وتحصيله فلا بأس بذلك٦، ولا ينبغي أن يكرر ما يعلمه، ولا استفهام ما يفهمه، فإنه يضيع الزمان، وربما أضجر الشيخ، قال الزهري٧: إعادة الحديث أشد من نقل الصخر٨ ولا ينبغي أن يقصر في الإصغاء والتفهم، أو يشغل ذهنه بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله؛ لأن ذلك إساءة أدب، بل يكون مصغيا لكلامه حاضر الذهن لما يسمعه من أول مرة، وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده، ويَزبُره عقوبة له، أما إذا لم يسمع كلام الشيخ لبعده أو لم يفهمه
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ١٠٤-١٠٥. ويحكى أن جالينوس كان يقرر يوما في مسألة مشكلة والطلبة به محدقون، فقال لهم: فهمتم، قالوا: نعم، قال: لا، لو فهمتم لظهر السرور على وجوهكم. ٢ هو ابن أبي رباح، عطاء بن أسلم بن صفوان: تابعي، من أجلاء الفقهاء كان عبدا أسود، ولد في جند باليمن، ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، قال أبو حنيفة: ما رأيت أحدا أفضل من عطاء، توفي في مكة سنة ١١٤هـ. تذكرة الحفاظ ١/ ٩٢، وتهذيب التهذيب ٧/ ١٩٩، ونكت الهميان ١٩٩. ٣ تذكرة السامع ١٠٥. ٤ تذكرة السامع ١٠٥. ٥ تذكرة السامع ١٠٥. ٦ تذكرة السامع ١٠٦. ٧ هو ابن شهاب الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله، أبو بكر، وهو من أعلم الحفاظ. ٨ انظر قوله في تذكرة السامع ١٠٦.
[ ١٥١ ]
مع الإصغاء إليه والإقبال عليه، فله أن يسأل الشيخ إعادته أو تفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف١.
ومنها: ألا يسأل عن شيء٢ في غير موضعه، ففاعل ذلك لا يستحق جوابا، إلا أن يعلم من حال الشيخ أنه لا يكره ذلك، ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه، ويتلطف في سؤاله ليحسن في جوابه، قال ﷺ: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم"٣.
ومنها: ألا يستحي٤ من السؤال عما أشكل عليه، بل يستوضحه أكمل استيضاح، فمن رق وجهه رق علمه، ومن رق وجهه عند السؤال، ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، وقال ابن شهاب: العلم خزائن ومفتاحه المسألة٥، وإذا قال له الشيخ: أفهمت؟ فلا يقل نعم قبل أن يتضح له المقصود من المسألة إيضاحا جليا؛ لئلا يكذب ولا يستحي من قوله لم أفهم٦؛ لأن استثباته يحصل له مصالح عاجلة وآجلة٧، فمن العاجلة: حفظ المسألة وسلامته من الكذب وإظهار فهم ما لم يكن فهمه، واعتقاد الشيخ اعتناءه بالعلم ورغبته وكمال عقله وورعه ونصحه لنفسه، ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائما، وعن الخليل ابن أحمد: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة٨.
ومنها: أن يكون ذهنه حاضرا مع الشيخ٩، فإن أمره بشيء بادر إليه ولم يعاوده فيه، وإذا ناوله شيئا تناوله التلميذ باليمين، وإذا تناول هو شيئا تناوله
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ١٠٦. ٢ تذكرة السامع ١٥٧. ٣ المعجم الأوسط ٧/ ٥٦ و٥٧، وشعب الإيمان ٥/ ٢٥٤، وفيض القدير ٣/ ١٨١، وتهذيب الكمال ٢٩/ ٢٣٠، وكشف الخفاء ١/ ١٧٩، ومجمع الزوائد ١/ ١٦، وصفوة الصفوة ١/ ٢١٢. ٤ تذكرة السامع ١٥٦. ٥ سنن الدارمي ١/ ٤٥٨، حديث رقم ٥٦٦. ٦ تذكرة السامع ١٥٧. ٧ تذكرة السامع ١٥٧. ٨ تذكرة السامع ١٥٧. ٩ تذكرة السامع ١٠٨-١٠٩.
[ ١٥٢ ]
باليمين، وإذا ناول هو شيخه شيئا ناوله باليمين، وإن كان ورقة كفُتيا أو قصة مثلا نشرها ثم دفعها إليه، ولا يدفعها مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك. وإذا أخذ من الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها ويتربها ثم يطويها، وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيأ لفتحة من غير احتياج إلى إدارته، وكذا إن كانت مطالعته في موضع معين يهيئه له ولو بالتقريب، ولا يحذف إليه الشيء، ولا يمد يده إلى حاجة إذا كان بعيدا عنها كأن يتكئ لجنبه ليأخذ ذلك الشيء، بل يقوم إليه ولا يزحف زحفا، وإذا وضع بين يديه دواة فليضعها مفتوحة، وإذا ناوله سكينا١ فلا يصوب إليه رأس نصلها ولا نصابها، بل يناوله إياها عرضا؛ لأنه إن ناوله نصلها فقلة أدب من حيث إنه أشار إليه بنصل السكين، وإن ناوله نصابها يخشى على يد المناول من انفتال الحد إلى أصبعه، فالأولى العرض، وليكن الحد في العرض إلى جهته قابضا على طرف النصاب، مما يلي النصل ليأخذ هو بأول النصاب، وإن ناوله سجادة٢ ليصلي عليها نشرها أولا، والأدب أن يفرشها عند قصد ذلك، قال ابن جماعة: وإذا فرشها ثنى مؤخر طرفها الأيسر كعادة الصوفية٣، فإن كانت مثنية جعل طرفها إلى يسار المصلي، وإن كان فيها صورة محراب تحرى به القبلة إن أمكن٤، ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة، ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا٥، وإذا قام بادر القوم إلى أخذ السجادة وإلى الأخذ بيده أو عضده إن احتاج٦، وإلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ، ويقصد بذلك كله
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ١٠٩. ٢ تذكرة السامع ١٠٩. ٣ تذكرة السامع ١٠٩. ٤ تذكرة السامع ١٠٩. ٥ تذكرة السامع ١٠٩. ٦ تذكرة السامع ١٠٩.
[ ١٥٣ ]
التقرب إلى الله تعالى وإلى قلب الشيخ١، وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن وأن كان أميرا: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم، وخدمته للضيف٢.
ومنها: أن يقوم بقيام الشيخ ولا يجلس وهو قائم، ولا يضطجع وهو قائم أو قاعد، بل ولا يضطجع بحضرته مطلقا إلا أن يكون وقت نوم ويأذن له، ويقوم له كلما ورد عليه ولو تكرر لزيادة التوقير والإعظام والاحترام، وقد تقدم أن شيخ الإسلام النووي ألف كتابا في مسألة القيام٣.
ومنها: إذا مشى مع شيخه ليلا فليكن أمامه٤، أو نهارا فليكن وراءه إلا أن يقتضي الحال خلاف ذلك لزحمة أو غيرها٥، وليتبع في ذلك عادة أهل البلد، فمتى خالف نسب لقلة الأدب، ومما ينسب لشيخ الإسلام البرهان٦ بن جماعة ما لفظه: فائدة من عادة الفقراء المشي خلف الشيخ، ومن عادة الفقهاء المشي بين يدي الشيخ، وقد ورد في الحديث أن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا يمشون بين يديه ولا يدع أحدا يمشي خلفه ويقول: "دعوا ظهري للملائكة" ٧.
قلت: ولهذا ترى الدولة يكون رئيسهم وكبيرهم وراء القوم، وهذا أصله.
ومن فعل عكس ذلك من الأكابر فمراده ألا يتشبه بمن هو أكبر منه؛ ولكن
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ١٠٩-١١٠. ٢ تذكرة السامع ١١٠. ٣ انظر ما سبق ١٢٤ الحاشية الثامنة. ٤ تذكرة السامع والمتكلم ص١١٠. ٥ خرج القاضي ابن سريج، وابن داود الظاهري، ونفطويه إلى وليمة دعوا لها، فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق، فأراد كل واحد منهم صاحبه أن يتقدم عليه، فقال ابن سريج: ضيق الطريق يورث سوء الأدب، وقال ابن داود: لكنه يعرف مقادير الرجال، فقال نفطويه: إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف. ٦ هو صاحب كتاب تذكرة السامع والمتكلم، ولم نجد هذا القول في كتابه. ٧ مجمع الزوائد ٤/ ١٣٦، ومسند أحمد ٣/ ٣٩٧، وحلية الأولياء ٧/ ١١٧، وسنن الدارمي ١/ ٣٧، والبيان والتعريف ١/ ١٧٠، ومصباح الزجاجة ١/ ٣٦، وشرح سنن ابن ماجه ١/ ٢٢.
[ ١٥٤ ]
تفوته السنة، ولا يخفى الفرق بين صدر الصحابة ورئيسهم، ولا بين من تأخر عنهم خصوصا في زماننا؛ لأن الصحابة ورئيسهم -ﷺ- كان كأحدهم لا يتميز من بينهم بزيادة ثوب فاخر ولا فرس مسومة، ولا تقدم القوم عليه بمسافة ليمشي وحده مما يُفعل في زماننا من ذلك من تقدم الفرسان ثم المشاة ثم السعادة، ثم الانفراد، وهذا عين الجبروت، فأصله سنة ولكن انقلب ذلك إلى طريق البدعة، اللهم إلا أن يقصد بذلك رهبة العصاة والطغاة والغادرين فلا بأس وهو أعلم بالنيات، والمطلع على الطويات.
ويتعين تقدم التلميذ على الشيخ ليلا ونهارا في المواضع المجهولة١ الحال كالوحل والوجَل والحوض والمواضع الخطرة، ولا يمشي٢ إلى جانبه إلا لحاجة أو إشارة منه، ويعرفه بمن يقصده وهو ماشٍ من الأعيان إن لم يعلم به، ويؤثره بجهة الظل في مشيه في الصيف، وفي الشتاء بجهة الشمس، ولا يمشي بين الشيخ٣ وبين من يحدثه الشيخ، ويتأخر عنهما أو يتقدم ولا يتسمع، فإن أدخلاه في حديثهما فليدخل من الجانب الآخر عن يمينه أو يساره ليكون الشيخ وسطا، وإذا مشى مع الشيخ اثنان فليكن الأسن عن يمينه، وإذا صادف الشيخ في الطريق بدأه بالسلام، ويقصده إن كان بعيدا ولا يناديه، وإذا رافقه لا يشير ابتداء بالأخذ في طريق حتى يستشيره٤، والله أعلم.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع ١١٠. ٢ تذكرة السامع ١١١. ٣ عن عبد الله بن عمر أن النبي -ﷺ- قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما" الأدب المفرد ١٦٥. ٤ تذكرة السامع ١١١-١١٢.
[ ١٥٥ ]