فمنها: ألا يزال كل منهما مجتهدا في الاشتغال قراءة ومطالعة وتعليقا ومباحثة ومذاكرة وفكرا وحفظا وإقراء وتصنيفا إن تأهل لهما، ووظائف الأوراد في كل الأحوال.
ومنها: ألا يخل بوظيفته من حضور درس ومذاكرة وقراءة ونحوها ولو لعروض مرض خفيف، أو ألم لطيف، وليستشف بالعلم وليشتغل بقدر الإمكان كما قيل "من البسيط":
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحيانا فننتكس٢
هذا والحكايات عن السلف في ارتكابهم الأهوال في طلب العلم مشهورة، مدونة في كتب التواريخ والسير ومسطورة٣.
حكى الإمام عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي٤ تلميذ الإمام فخر الدين
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ص٢٦-٢٧. ٢ تذكرة السامع والمتكلم ص٢٧. ٣ انظر فتح الباري ١/ ١٥٩، والبداية والنهاية ٩/ ١٠٠، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٠٨، والمنهج الأحمد ١/ ٨١، ووفيات الأعيان ٢/ ٢٣٣، انظر أيضا تذكرة الحفاظ ٢/ ٦٢٧ و٧٨٩ و٩٧٣، ٣/ ١٠٣٢. ٤ هو أبو محمد، عبد الحميد بن عيسى بن عمُّويه بن يونس، شمس الدين، الخسروشاهي: من علماء الكلام، نسبته إلى خسروشاه "من قرى تبريز" ومولده فيها، تقدم في علم الأصول والعقليات والفقه، وأقام في دمشق والكرك، وتوفي في دمشق سنة ٦٥٢هـ. النجوم الزاهرة ٧/ ٣٢، وشذرات الذهب.
[ ١٠٤ ]
الرازي١ عن جلالة الإمام واجتهاد طلبته٢: أنه صحب طلبة الإمام في ثلج أبيض، ونوء بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد أبطل كل حركة وكيف لا وهو بلا شك كافور، والسحائب عم عطاؤها في البلد، فساوى بين مستفل الأرض وشرفات السور، وهمتهم مع ذلك لم تخمد نيرانها، ولم تفتر عن سماع كلام الإمام آذانها، وإن عامت الأرض لكثرة الماء، وعمت الجدران سحائب السماء، وأبت همتهم: أن تبطل فوائد الإمام، ولو بطلت منهم الحواس الخمس، ونفوسهم أن تغيب عن كلماته وإن غابت تحت الغمام عين الشمس، ووضعوا على رءوسهم كساء يمنع وصول المطر، وفتحوا المحصول٣ وشرع واحد يقرأ ثم واحد، والإمام لا يدني رأسه من الكوة إلا لمن يرتضيه، فمنهم من يجيبه، ومنهم من يقرأ إلى آخر درسه والإمام لا يلتفت إليه، ولا ينظر فيه، تمرينا منه ﵀ لهم على الآداب، وتعريفا لمقدار العلم، وإن اقتحم ذو العزيمة الأهوال وظن أن همته تعلو على السحاب.
ومنها: أن يجتهد ألا يحضر مجلس الدرس إلا متطهرا من الحدث والخبث ومطيبا بدنه وثوبه، قاصدا بذلك تعظيم العلم، وتبجيل الشريعة، وإن كان في مسجد نوى في ابتداء جلوسه الاعتكاف.
ومنها: ألا يسأل أحدا تعنتا وتعجزا، فإنه لا يستحق جوابا، وسيأتي النهي عن ذلك.
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، فخر الدين الرازي: الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، وهو قرشي النسب، أصله من طبرستان، مولده في الري وإليها نسبته، رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان، وتوفي في هراة سنة ٦٠٦هـ، وله شعر بالعربية والفارسية، وكان واعظا بارعا في اللغتين العربية والفارسية، وقد أقبل الناس على كتبه في حياته يتدارسونها. الوافي ٤/ ٢٤٨، وطبقات الشافعية ٨/ ١٦١. ٢ طبقات السبكي ٨/ ١٦٢. ٣ أي: كتاب المحصول في علم الأصول، لفخر الدين الرازي، وهو مطبوع.
[ ١٠٥ ]
ومنها: أن يتصور ويتأمل ويهذب ما يريد أن يورده، أو يقرره أو يسأل عنه قبل إبرازه والتفوه به؛ ليأمن من صدور هفوة، أو زلة، أو وهم، أو انعكاس فهم، لا سيما إن كان هناك من يخشى منه أن يصير ذلك عليه وصمة، ويجعله عند نظرائه ومن يحسده وسمة، والله هو الموفق، وهو اللطيف الخبير.
ومنها: ألا يستنكف من التعلم والاستفادة١ ممن هو دونه في منصب أو سن أو نسب أو شهرة أو دين أو في علم آخر، بل يحرص على الفائدة ممن كانت عنده، فقد كان كثير من السلف يستفيدون من تلاميذهم ما ليس عندهم، قال الحميدي٢ وهو تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل، وكان يستفيد مني الحديث٣، وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لي حتى آخذ به٤، وقد ثبت في الصحيحين٥ وغيرهما رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وروى جماعات من التابعين عن تابع التابعين، وهذا عمرو بن شعيب٦ ليس تابعيا، وقد روى عن أكثر من سبعين من التابعين، وأبلغ من هذا ما ثبت في الصحيحين٧ من أن رسول الله -ﷺ- قرأ: ﴿لَمْ يَكُنِ
_________________
(١) ١ الجامع لأخلاق الراوي ١/ ٢١١ فما بعد، وتذكرة السامع ٢٨-٢٩. ٢ هو أبو بكر، عبد الله بن الزبير الحميدي الأسدي: أحد الأئمة في الحديث، من أهل مكة، رحل منها مع الإمام الشافعي إلى مصر، ولزمه إلى أن مات، فعاد إلى مكة يفتي بها، وهو شيخ البخاري، ورئيس أصحاب ابن عيينة، توفي بمكة سنة ٢١٩هـ. السير ١٠/ ٦١٦، والنجوم الزاهرة ٢/ ٢٣١، وطبقات الحفاظ ٢٠٠. ٣ تذكرة السامع ٢٩. ٤ حلية الأولياء ٩/ ١٠٦، وتذكرة السامع ص٢٩. ٥ تدريب الراوي ٢/ ٢٤٥ و٣٨٨ و٣٨٦. ٦ هو إبراهيم، عمرو بن شعيب بن محمد السهمي القرشي: من رجال الحديث، كان يسكن مكة، وتوفي بالطائف سنة ١١٨هـ. تهذيب التهذيب ٨/ ٤٨، والأعلام ٥/ ٧٩. ٧ صحيح البخاري حديث ٤٦٧٦ و٤٦٧٧ في التفسير، ومسلم رقم ٧٩٩ في صلاة المسافرين.
[ ١٠٦ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١] على أُبي بن كعب١ -﵁- وقال: "أمرني الله أن أقرأ عليك" ٢، هذا وقد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد٣:
الأولى: بيان التواضع من الفاضل بقراءته على المفضول، قال ﷺ: "الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها التقطها"، وفي رواية: "فهو أحق بها"٤، وقال سعيد بن جبير٥: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعضهم "من الطويل":
وليس العمى طول السؤال وإنما تمام العمى طول السكوت على الجهل٦
الثانية: ألا يستحي من السؤال عما لا يعلم، وعن مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر٧.
_________________
(١) ١ هو أبو المنذر، أبي بن كعب بن قيس النجاري الخزرجي: صحابي أنصاري، كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود، مطلعا على الكتب القديمة، ولما أسلم كان من كتاب الوحي، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وكان يفتي على عهده، وأمره عثمان بجمع القرآن، فاشترك في جمعه، مات بالمدينة ٢١هـ. الإصابة ١/ ٢٦، وغاية النهاية ١/ ٣١. ٢ رواه البخاري رقم ٤٦٧٦ في التفسير، ومسلم ١/ ٧٩٩، والمستدرك ٢/ ٢٤٤، والترمذي ٥/ ٦٦٥ و٧١١، والسنن الكبرى ٥/ ٢٨. ٣ فتح الباري ٨/ ٧٢٥، وشرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٨٥ و١٦/ ٢٠. ٤ الترمذي ٥/ ٥١، وابن ماجه ٢/ ١٣٩٥، ومسند الشهاب ١/ ١١٨، وتذكرة السامع ٢٩، وشرح سنن ابن ماجه ١/ ٣٠٧. ٥ هو أبو عبد الله، سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي: تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق، وهو حبشي الأصل، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وخرج ابن الأشعث على بني أمية، وكان معه سعيد، إلى أن قتل ابن الأشعث، فذهب سعيد إلى مكة، ثم قبض عليه، وقتله الحجاج بواسط سنة ٩٥هـ، قال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. وفيات الأعيان ٢/ ٣٧١، والسير ٤/ ٣٢٢، وانظر قوله في تذكرة السامع والمتكلم ٢٨. ٦ جامع بيان العلم ١/ ٣٨٠، وفيه: قال أبو عمر: كان الأصمعي ينشد: شفاء العمى ، وتذكرة السامع ٢٨، ومحاضرات الأدباء ١/ ٤٩. ٧ ذكره البخاري تعليقا، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قال: وقال مجاهد: "لا يتعلم العلم "، وهو عند أبي نعيم موصولا ٣/ ٢٨٧، والدارمي في سننه ١/ ١١٢، وانظر أيضا فتح الباري ١/ ٢٢٩، وجامع بيان العلم ١/ ٥٣٥-٥٣٦.
[ ١٠٧ ]
الثالثة: الانقياد إلى الحق بالرجوع عند الهفوة، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
الرابعة: ترك المراء والجدال، وجعل الأخبار الواردة في ذلك نصب عينيه، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا زعيم ببيت في ربض ١ الجنة، وببيت في وسط الجنة، وببيت في أعلى الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا، وترك الكذب وإن كان مازحا، وحسَّن خلقه" ٢، والأخبار في ذلك كثيرة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ ربض المدينة: ما حولها من العمارة. ٢ صحيح ابن حبان ١٠/ ٤٧٩، والمستدرك على الصحيحين ٢/ ٦٩ و٨١، وفتح الباري ١٣/ ١٨١، وفيض القدير ٥/ ٥، وموارد الظمآن ١/ ٣٨٢، وأبو داود رقم ٤٨٠٠ في الأدب، وجامع الأصول ١١/ ٧٣٤، والمعجم الأوسط ١/ ٢٦٩ و٥/ ٦٨ و٢٨٥، ومجموعة رسائل في الحديث ١/ ٤٥، والترغيب والترهيب ١/ ٧٨ و٢/ ١٨٤ و٣/ ٢٧٣، وهو حديث حسن، وراه أبو داود في سننه، وانظر سلسلة الضعيفة ١٣٥، والصحيحة ٢٧٣، وصحيح الجامع الصغير ١/ ٣٠٦.
[ ١٠٨ ]