روينا أن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعي -أحمد بن حنبل حاضر- في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغها طهورها، فقال إسحاق: ما الدليل؟ فقال الشافعي: حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد٢ الله عن ابن عباس عن ميمونة٣ أن النبي -ﷺ- مر بشاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بجلدها؟ قال إسحاق: حديث ابن عكيم٤ كتب إلينا رسول الله -ﷺ- قبل موته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب٥ أشبه أن يكون ناسخا لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر٦، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع، قال
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٩١-٩٢. ٢ هو أبو عبد الله، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الهذلي: مفتي المدينة، وأحد الفقهاء السبعة فيها، من أعلام التابعين، وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز، قال الواقدي: ثقة فقيه، كثير العلم والحديث، شاعر، وقال ابن سعد: كان ثقة عالما فقيها كثير الحديث والعلم بالشعر، له شعر جيد، وقد ذهب بصره، مات بالمدينة سنة ٩٨هـ. وفيات الأعيان ٣/ ١١٥، والسير ٤/ ٤٧٥، وطبقات الحفاظ ٤٢. ٣ هي أم المؤمنين، ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية: آخر امرأة تزوجها رسول الله -ﷺ- وآخر من مات من زوجاته، بايعت بمكة قبل الهجرة، وتزوجها النبي -ﷺ- سنة ٧هـ، وعاشت ٨٠ سنة، وتوفيت في سرف قرب مكة، ودفنت به سنة ٦١هـ، وكانت صالحة فاضلة. الإصابة ترجمة ١٠٢٦. ٤ هو عبد الله بن عكيم الجهني: قيل: له صحبة، وقد أسلم بلا ريب في حياة النبي -ﷺ- وصلى خلف أبي بكر الصديق، قال البخاري: أدرك زمان النبي -ﷺ- ولا يعرف له سماع صحيح، وقد حدث عن: عمر، وعلي، وابن مسعود، وكان عثمانيا يحب عثمان بن عفان، وينتصر له، وقد توفي في ولاية الحجاج سنة ٨٨هـ. السير ٣/ ٥١٠، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٢٣. ٥ الإهاب جمعه أُهُب وأهَب وأهِبَة: الجلد، أو ما لم يدبغ منه، والعصب جمعه أعصاب: أطناب منتشرة في الجسم كله، وبها تكون الحركة والحس. ٦ أخرجه أبو داود ٤١٢٧ و٤١٢٨، والترمذي ١٧٢٩، والنسائي ٧/ ١٧٥، وابن سعد ٦/ ١١٣، وهو حديث ضعيف لاضطرابه كما ذكر غير واحد من أئمة الحديث، وقد بسط ذلك الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٢٠، ١٢٢، وابن حجر في تلخيص الحبير ١/ ٤٧-٤٨.
[ ٢٣٩ ]
إسحاق: إن النبي -ﷺ- كتب إلى كسرى١ وقيصر٢ وكان حجة عليهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذلك أحمد بن حنبل ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به، ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي فأفتى بحديث ميمونة، قال السبكي بعد ذكره هذه المناظرة٣: وقد يظن قاصر الفهم أن الشافعي انقطع فيها مع إسحاق، وليس الأمر كذلك، ويكفيه مع قصور فهمه أن يتأمل رجوع إسحاق إلى الشافعي، فلو كانت حجته قد نهضت على الشافعي لما رجع، قال: ثم تحقيق هذا أن اعتراض إسحاق فاسد الوضع لا يقابل بغير السكوت، وذلك أن كتاب عبد الله بن عكيم كتاب عارضه سماع ولم يتيقن أنه مسبوق بالسماع وإنما ظن ذلك ظنا لقرب التاريخ، ومجرد هذا لا ينهض بالنسخ، أما كتب رسول الله -ﷺ- إلى كسرى وقيصر فلم يعارضها شيء بل عضدها القرائن وساعدها التواتر الدال على أن هذا النبي -ﷺ- جاءنا بالدعوة إلى ما في الكتاب، فلاح بهذا أن السكوت من الشافعي تشكيك على إسحاق بأن اعتراضه فاسد الوضع فلم يستحق عنده جوابا، وهذا شأن الخارج عن البحث عن الجدليين فإنه لا يقابل بغير السكوت، ورب سكوت أبلغ من نطق.
_________________
(١) ١، ٢ حيث كانوا من ملوك الأرض آنذاك، انظر صحيح البخاري ٣/ ١٠٧٤، ومسلم ٣/ ١٣٩٧، وسنن الترمذي ٥/ ٦٨، وأحكام القرآن للجصاص ٥/ ١٨، وكتاب التقرير والتحبير ٢/ ٣٧٣، والمغني ١٠/ ١٢٦، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١١٢، وسنن البيهقي الكبرى ٩/ ١٧٧ و١٧٩. ٣ طبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٩٢.
[ ٢٤٠ ]