إلا لفظا موضوعا لمشترك كقوله تعالى (فتحرير رقبة) يقتصر وجوب الإعتاق على رقبة واحدة، ولا يلزم ثبوت الحكم في رقبة أخرى، واللفظ العام هو قسيم المطلق ولا يقتصر بحكمه على فرد من أفراده، بل إذا قتلنا مشركًا مثلا ثم وجدنا أخر وجب قتله كلأول، ثم كذلك إلى غير النهاية، فظهر حينئذ أن لفظ العموم لا يكون موضوعًا للقدر المشترك بين أفراده.
الاحتمال الثاني: أن يقال: إنه موضوع للخصوصيا التي تميز بها كل فرد من أفراد العموم نحو: الطول، والقصر، والسواد، والبياض، وغير ذلك مما وقع به التمييز، وهذا أيضا باطل، لأن الخصوصيات لما كانت مختلفة متنافية كان وضع لفظ واحد لها يقتضي أن ذلك اللفظ مشترك، لآنا لا نعني باللفظ المشترك إلا اللفظا الموضوع للكل من أمور مختلفة، لكن صيغة العموم ليست مشتركة، وأعني: أنها ليست موضوعة بطريق الاشتراك لأفراد تلك العموم لوجوه:
[ ١ / ١٥٨ ]
أحدها: أن المشترك لا تكون مسمياته غير متناهية، لأن الوضع فرع التصور، وجميع ما يتصوره الواضع متناه، والاستقراء أيضا دل على ذلك، لكن خصوصيات أفراد العام غير متناهية، فلا يكون اللفظ موضوعًا لها بطريق الاشتراك.
فإن قلت جاز أن يكون الحق هو مذهب التوقيف في اللغات، وأن الله نعالى واضعها، وعلمه تعالى محيط بما لا يتناهى، ولا يتوقف وضعه تعالى على التصور كما هو في حق البشر، بل علمه تعالى محيط أزلي التعلق، وعموم تعلقه أزلي، فأمكن أن يضع تعالى لفظا واحدًا لما لا يتناهى، لأنه تعالى عالم بذلك العدد الذي ليس بمتناه عن التفصيل من غير استئناف في الإحاطة به، فصح الوضع، واندفع الإشكال.
قلت: هذا المذهب، ولو قلنا به لأمتنع الوضع للخصويات أيضًا، والسبب في ّلك أن الله تعالى إذا وضع لفظا لما لا يتناهى عن التفصيل، فإما أن يقال: إن الله تعالى أعلم عباده بذلك، أم لا؟
[ ١ / ١٥٩ ]
والقسم الأول باطل وهو أنه تعالى أعلم عباده، لأن إعلامهم بلك يتوقف على تصورهم لذلك المعلموم على التفصيل، إذ لو علموما البعض، وجهلوا البعض، لم يصدق أن الله تعالى أعلمهم بمسميات هذا اللفظ، بل ببعضه، وإذا كان البعض مجهولا، لم يحصل لهم بمسميات هذا الفظ علم، لكن علمهم بذلك محال، لاستحالة تصورهم لما لا يتناهى، وما هو مستحيل في حق العباد عقلا، يستحيل تحصيله لهم، فلا يصح القول بأن الله تعالى أعلم عباده بذلك.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى ما أعلم عبداه بذلك.
فنقول هذا شيء استأثر الله تعالى بعلمه، وليس هو من معلومنا، فبطل هذا السؤال على التقديرين.
وثانيهما أن المشترك لا يستعمل في كل أفراده على قول جماعة من
[ ١ / ١٦٠ ]