اعلم أن هذا الباب شريف يحتاج إليه الفقيه في الفروع، وينشأ (له منه) فروق ومدارك حسنة، وإشكالات قوية، ويتلخص باب العموم اللفظي ويكون المدرك منه عقليا قطعيا.
وتحرير الكلام أن نقول: ثبوت الحكم في المشترك (يكفي فيه فرد، ونفي المشترك) الكلي يقتضي النفي عن كل فرد بحيث يحصل ما لا يتناهى من المحال التي ثبت فيها النفي.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وتقرير ذلك بالمثال والبرهان: أنه يصدق أن الإنسان في جنس الحيوان قطعا ولم يلزم من ذلك استيعاب الإنسان لجميع موارد الحيوان، بل هو في أقله، ولذلك يصدق أن زيدا في الحيوان ولم يبعد شخصا منه؛ لأنه ثبوت في مشترك، فالثبوت في المشترك معناه: اجتماع الماهية الكلية مع ذلك الثبوت إما فرد، أو نوع، أو حكم، وصدق اجتماعهما يكفي فيه فرد من غير احتياج إلى محل ثان للاجتماع، حينئذ يصدق، والدال على اجتماعهما صادق بفرد وبأكثر منه، فهو يدل على أعم من الكل أو البعض، والقاعدة: أن الدال على الأعم غير دال على الأخص؛ لأنا إذا قلنا: في الدار إنسان، لا يقتضي أنه زيد، وإذا قلنا: في الدار جسم، لا يدل على أنه نام، وإذا قلنا: إنه نام، لا يدل على أنه حيوان، وإذا قلنا: إنه حيوان، لا يدل على أنه إنسان، وكذلك كل دال على ماهية كلية لا يدل على شيء
[ ١ / ٣٠٠ ]
من أنواعها/ ولا شيء من أشخاصها بعينه، فاللفظ الدال على الأمر الأعم الذي هو مسمى اجتماع المعنى الكلي مع ذلك الحكم، أو مع تلك الحقيقة الأخرى، لا دلالة له على الاجتماع في كل الأفراد، ولا على الاقتصار على بعضها؛ لأن مدلوله أعم من القسمين، بل اللازم عن ذلك محل واحد لابد منه، فلذلك قلنا: إن ثبوت الحكم في المشترك لا يقتضي إلا فردا واحدا، وإن كان تكليفا خرج المكلف عنه بفرد واحد، وكذلك الإخبار عن ثبوت الحكم في مشترك (يصدق بفرد واحد، فالأمر بالمشترك الإخبار عن ثبوت الحكم في مشترك) من باب واحد.
وأما نفي المشترك بطريق الخبر عنه أو النهي عن المشترك وتحريمه فلا يصدق إلا بنفي كل فرد؛ لأن معنى الإخبار عن نفي المشترك أن هذه الماهية الكلية لم تدخل الوجود، فلو دخل منها الوجود لدخلت تلك الماهية في ضمنه، فيكذب الخبر القائل: إن الماهية لم تدخل الوجود.
وكذلك النهي عن المشترك معناه: طلب إعدام تلك الماهية المشتركة الكلية، فلو عبر فرد منها الوجود لكانت تلك الماهية الكلية قد دخلت الوجود، فكان النهي مخالفا، والمكلف عاصيا آثما.
[ ١ / ٣٠١ ]
فظهر أن الإخبار عن نفي المشترك، والنهي عن المشترك يدلان على إعدام كل فرد من أفراد ذلك المشترك، بحيث لو دخل فرد الوجود لكان مخالفا لدلالة اللفظ، فظهر أن نفي المشترك، والنهي عنه يقتضي العموم في طرف العدم، وأنه يشمل من المحال ما لا يتناهي، وهذا هو العموم اللفظي، أن يكون لنا لفظ دال على ثبوت حكمه لما لا يتناهي من الأفراد، وظهر أن ثبوت الحكم في المشترك مطلق يصدق بفرد واحد، ولا دلالة للفظ على فرد آخر، وظهر لهذا التقرير الفرق الجلي الواضح بين ثبوت الحكم في المشترك وبين نفيه عن المشترك، وأن أحدهما يقتضي العموم دون الآخر.