أحدهما: لا يقبل الدخول في الوجود ألبتة، ولا يقبل أن يكون فيه أحد
[ ١ / ٢٣٠ ]
الأحكام الخمسة الشرعية، فإن الحكم الشرعي لا يتعلق إلا بما هو مقدور على إدخاله في الوجود، فما لا يقبل الوجود يتعذر إيجابه لتعذر فعله وإيجاده، ويتعذر تحريمه وإبقاؤه على العدم، فإن إبقاءه على العدم، معناه: أن المكلف يكون له اختيار على تبقيته على العدم كالزنا والسرقة مثلا، فالمستحيلات كلها عدمها من ذاتها لا يتصور فيها إرادة البقاء على العدم، فإن الإرادة هي صفة ترجح أحد طرفي الجائز على الآخر، فحيث لا جوز لا إرادة ولا قدرة، ولذلك قلنا: إن من شرط ما يتعلق به حكم شرعي أن يكون مقدورا على جلبه أو دفعه، إلا إذا فرعنا على جواز تكليف ما لا يطاق.
[ ١ / ٢٣١ ]
وإذا كان هذا القسم لا يقبل الدخول في الوجود ولا يقبل تعلق الحكم الشرعي به فلا يتصور وروده إلا في الإخبار دون التكاليف نحو: معلومات الله تعالى/ غير متناهية وجميع المثل المتقدم ذكرها، ويلحق به الاستفهام، وإن كان طلبا لكنه طلب لخبر، والخبر تقبله هذه الموارد، فيقول المستفهم: هل معلومات الله تعالى غير متناهية؟ (فيقول المسئول: معلومات الله تعالى غير متناهية) فيعم خبره ما لا يتناهى بالفعل كما تقدم.
ولو قال قائل: إن مسمى العموم هو خصوص هذا القسم دون المشترك بينه ويبن القسم الآخر للزمه أن تكون صيغة العموم لا يمكن استعمالها في الأحكام الشرعية ألبتة؛ لتعذر وجود مدلولها بهذا التفسير، وإذا تعذر وجوده تعذر تعلق الحكم الشرعي به؛ لأن من شرط الحكم الشرعي ألا يتعلق إلا
[ ١ / ٢٣٢ ]
بمقدور، فيلزم أن يكون صيغة العموم تستحيل عقلا أن تستعمل حقيقة مع حكم شرعي، وما قال أحد من العقلاء ذلك، بل قال: كل صيغة للعموم وقعت في حكم شرعي فإنه يمكن التعميم فيها عقلا، وقد لا يقع هذا الممكن لمعارض ودليل يدل على عدم الحقيقة ووجوب المصير إلى المجاز، أما الاستحالة: فلم يقل بها أحد، فلا سبيل حينئذ أن يقول أحد: إن مسمى العموم هو غير المتناهي بهذا التفسير، كما أنه لا سبيل إلى القول بأن صيغة العموم حقيقة في غير المتناهي المفسر بما له غاية لا يجب الوقوف عندها؛ لأنه يلزم أ، يكون مجازا في قولنا: معلومات الله تعالى ومخبراته، وعدمات الممكنات، وغيرها مما تقدم من النظائر، ولا يقول أحد من القائلين بالعموم أن صيغة العموم في هذه المواد مجاز، بل هي حقيقة في الجميع، ولهذه الغاية قلت في الخاصية التي قبل هذه: إن صيغة العموم حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، حتى تنطبق صيغ العموم على جميع هذه الموارد.
واعلم أنه كما يتعذر تعلق الأحكام الشرعية بمسمى العموم في هذا النوع الذي هو مفسر بمسلوب الغاية فكذلك يتعذر الخبر بوجوده ودخوله في
[ ١ / ٢٣٣ ]
الوجود، على وجه يكون الخبر صادقا، بل لا يقع الخبر عن وجود هذا النوع إلا كذبا؛ لدلالة البراهين العقلية على استحالة دخول/ مالا يتناهى في الوجود بهذا التفسير، وجميع مسميات الألفاظ العربية ليس فيها شيء يكون أحد نوعية يقبل الوجود والإخبار عن وجوده وتعلق الأحكام الشرعية به، والنوع الآخر لا يقبل ذلك، بل جميع مسميات الألفاظ إما أن تكون قابلة للأحكام الشرعية والخبر عن وجودها وتقبل الوجود في نفسها كالجماد والنبات والحيوان وغيرها من مسميات الأجناس، أو تكون كلها لا تقبل شيئا من ذلك كقولنا: عدم، ومستحيل، ودور، وتسلسل، وغير ذلك مما لا يقبل الوجود بجميع أنواعه وأفراده، ولا يقبل صدق الخبر عن الوجود ولا يقبل حكما شرعيا، إلا أن نفرغ على جواز تكليف ما لا يطاق، فيقبله كله، أما أن يوجد نوع من المسمى يقبل ونوع لا يقبل والمسمى واحد فهذا من خواص صيغ العموم ولا يوجد في غيرها من مسميات الألفاظ.