من حده مع أنها معارف، هذا إن أراد بالتعيين التعيين بالشخص.
وإن أراد التعيين بالنوع نحو: الإنسان، أو الجنس نحو: الحيوان، أو الصفة نحو: ضارب أو عالم اندرجت النكرات في هذه، فإنها كلها موضوعة لمعين بأحد هذه الأمور كقولنا: إنسان، حيوان، طير، مؤمن، فإن كل لفظ من هذه الألفاظ النكرات يتناول حقيقة/ معينة بنوعها، أو جنسها، أو صفتها، فعلم أنه إن أراد بالوحدة والتعيين الشخص أو ما هو أعم منه، فإنه لا يستقيم لفظه.
السؤال السابع: على قوله: إن كان اللفظ موضوعا لوحدة غير معينة فهو النكرة ففرق بين المطلق وبين النكرة، وهذا يقتضي أن يكون المطلق أعم من النكرة وأنه جزء النكرة، فإن الماهية من حيث هي هي جزء الماهية بقيد وحدة غير معينة، مع أن المعلوم من مذاهب العلماء: أن النكرة ما عدا المعارف الخمسة وهي: المضمرات، والمبهمات، وأسماء الأعلام، وما عرف باللام، وما أضيف إلى واحد من هذه الأربعة، فكل شيء يقول الأصوليون: إنه مطلق، يقول النحاة: إنه نكرة، نحو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ فإن (الرقبة) في الآية مطلقة إجماعا، وكل شيء يقول النحاة: إنه نكرة، يقول الأصوليون: إنه مطلق، وإن الأمر به يتأدى بفرد منه فكل نكرة في سياق الإثبات مطلق عند الأصوليين، فما أعلم موضعا ولا لفظا من ألفاظ النكرات يختلف فيها النحاة والأصوليون، بل أسماء الأجناس كلها في سياق الثبوت هي نكرات عند
[ ١ / ١٨٨ ]
النحاة، ومطلقات عند الأصوليين.
والتعرض للفرق في الاصطلاحين عسر، باعتبار الواقع من الاصطلاح، أما باعتبار الغرض والتصوير فممكن، غير أن البحث إنما وقع في هذا المكان عن الواقع من الاصطلاح، ما هو؟
تنبيه:
في لغة العرب ثلاثة ألفاظ ينبغي النظر فيها:
[ ١ / ١٨٩ ]
أحدها: المصادر المحدودة نحو: ضربة، وقومة، ونحوهما، فإن هذا القبيل من الألفاظ موضوع لماهية المصدر بقيد الوحدة، كذلك نص عليه النحاة، مع أن النحاة يسمونه نكرة، (ولو ورد) قول الشارع: اضربه ضربة، لقال الأصوليون: المأمور به مطلق، مع أنه لفظ موضوع للماهية بقيد الوحدة؛ بخلاف قولنا: ماء، ومال، وذهب، وفضة، ونحوهما، فإنه (لا إشعار) له بالوحدة ألبتة.
وثانيهما: أن ألفاظ النكرات من أسماء الأجناس/ على قسمين: منها ما يصدق اسم لفظ الجنس على القليل والكثير من ذلك الجنس نحو: مال، وماء، وذهب، وفضة، فإن قليل الفضة يقال لها: فضة، وكذلك كثيرها، وكذلك كثير الماء والمال والذهب، ولا يقال لكثير الدراهم درهم، وإن قيل لها: فضة، ولا لكثير الدنانير: دينار، وإن قيل له: ذهب، ولا لكثير الرجال: رجل، فهذه الألفاظ من أسماء الأجناس التي لا تصدق على الكثير، ينبغي أن يقال: إنها موضوعة للماهية بقيد الوحدة أيضا.
[ ١ / ١٩٠ ]
وثالثهما: قول العرب: لا رجل في الدار- بالرفع- قال النحاة: إنه موضوع للماهية بقيد الوحدة، ولذلك يقولون: لا رجل في الدار بل اثنان.
فهذه (الثلاثة الألفاظ) موضوعة في لسان العرب للماهية بقيد الوحدة، فعلى ت قرير الشيخ تاج الدين الأرموي: ما يكون لنا نكرات إلا هذه الأجناس الثلاثة من الألفاظ، وهو خلاف إجماع النحاة؛ لأنهم يقولون: ماء، ومال، وضرب، وقيام، نكرات، وإن كانت هذه الألفاظ موضوعة للماهية من حيث هي تلك الماهية، وليست الوحدة داخلة في المسمى ألبتة، فهذا النظر وهذا التلخيص يحقق عندك أمورا:
أحدها: قوة السؤال على تاج الدين في تعرضه للفرق بين المطلق والنكرة.
وثانيهما: أنا إذا قلنا: اسم الجنس وإذا أضيف يعم، ينبغي أن يختص باسم الجنس الصالح للكثير، فمع صلاحيته للكثير يقع ذلك الصالح له، فيعم حينئذ، وأما ما لا يتناول الماهية إلا بقيد الوحدة، فإن ذلك اللفظ إذا أضيف ينبغي ألا يعم؛ لوجود المنافي فيه وهو (قيد الوحدة)، كقولنا: عبدي حر، وامرأتي طالق، لا يفهم أحد من هذين اللفظين العموم في العبيد ولا في
[ ١ / ١٩١ ]
النساء، بخلاف قولنا: مالي صدقة، وماء البحر طهور، فإنه يتبادر (إلى الذهن) العموم في جميع أفراد المال وأفراد الماء، مع أن الأصوليين أطلقوا القول بأن اسم الجنس إذا أضيف يعم مطلقا، ولم يفصلوا، وينبغي التفصيل المذكور.
وثالثها: أن قوله ﵊ لما سئل عن ماء البحر: أنتوضأ منه؟ فقال ﵊: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، حمله العلماء﵃- على العموم في الماء والميتة، ومقتضى ما تقدم أنه يعم في (لفظ) الماء فقط؛ لأن لفظ الماء يصدق على الكثير/ بخلاف الميتة، لا يصدق على كثير الميتات أنها ميتة، كما لا يصدق على كثير من النسوة أنهن امرأة.
[ ١ / ١٩٢ ]