أنه قد وقع الخلاف بيننا وبين الحنفية في قول العرب: لا رجل في الدار، مع (أن) الاتفاق على اقتضائه للعموم: هل العموم حصل فيه النفي؟ لان النفي فيه موضوع لنفي الحقيقة الكلية التي هي مفهوم الرجل، / ولزم من نفيه نفي كل فرد؛ لأنه لو ثبت فرد لما كانت حقيقة الرجل منفية؛ لاستلزام ذلك الفرد الحقيقة الكلية، هذا هو المذهب المحكي عن الحنفية، وظاهر قولنا وقول الجمهور: أن العرب وضعت هذا التركيب، وهو قولنا: لا رجل في الدار
[ ١ / ٣٠٢ ]
ونحوه، للقضاء بالنفي على فرد فرد من أفراد الرجال، فتكون الخصوصيات في كل رجل على رأينا منفية للفظ مطابقة، وعلى رأيهم تكون منفية التزاما، وما ذكرناه أولى بالصواب لوجوه:
الأول: أن المتبادر في العرف، وأن المتكلم قصد بنفيه هذا نفي كل رجل، لا نفي المشترك، وإذا كان هذا هو المتبادر عرفا، وجب أن يكون في اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم النقل والتغيير.
الثاني: أن ما ذكرناه يقتضي الدلالة المطابقية، وما ذكروه يقتضي دلالة الالتزام، والمطابقة أولى من الالتزام.
فإن قلت: دلالة الالتزام لازمة للفريقين، فإن الأفراد عندهم منفية بطريق الالتزام، وعندهم بطريق المطابقة، وعندكم الماهية (الكلية) مدلول عليها بطريق الالتزام؛ لأنه يلزم من نفي كل فرد نفي المشترك قطعا، والماهية الكلية عندهم مدلولة بطريق المطابقة، فكلا الفريقين له مدلول مطابقة ومدلول التزام، فبطل الترجيح.
قلت: المطابقة الكلية وإن كانت في المذهبين والالتزام في المذهبين، إلا
[ ١ / ٣٠٣ ]
أن مذهبنا أرجح على هذا التقدير أيضا؛ بسبب أن دلالة المطابقة عندنا في كل فرد، وهو عدد غير متناه، وهي عندهم في شيء واحد، وهو المفهوم الكلي غلط، وعندنا الدلالة الإلتزامية في شيء واحد وهو المفهوم الكلي، وعندهم في أفراد لا نهاية لها، فنصيبها حينئذ من الدلالة الراجحة أكثر، ومن المرجوحية أقل، ونصيبهم من المرجوحة أكثر، ومن الراجحة أقل، فكان مذهبنا أولى؛ لأن الذي نصيبه من الأرجح أرجح (هو ارجح)، فمذهبنا أرجح.
الثالث: اتفاقنا على دخول الاستثناء على هذه الصيغة، فعلى رأيهم لم يخرج الاستثناء شيئا من مدلول اللفظ، فإن مدلوله عندهم إنما هو الماهية الكلية، وما عداها إنما حصل/ بطريق اللزوم، فالمدلول مطابقة لا يقبل الاستثناء، فإن زيدا المستثنى أو العدد الكثير نحو قولنا: لا رجل في الدار إلا بني تميم، لا يتصور دخوله في الماهية الكلية حتى يخرج منها، فيكون الاستثناء عندهم إنما يصح من لازم المدلول مطابقة، وهي نفي الأفراد اللازم لنفي المشترك، ومتى كان النفي من لازم مسمى اللفظ، دون مسمى اللفظ، كان منقطعا، وعلى رأينا يكون من مسمى اللفظ؛ لأن مسمى اللفظ عندنا
[ ١ / ٣٠٤ ]
الكلية، والجزئية داخلة فيها، وكل فرد يشار إليه داخل فيها، فيكون الاستثناء من مدلول اللفظ، فيكون متصلا، ومتى دار الاستثناء بين أن يكون متصلا أو منقطعا، كان جعله مصلا أرجح بالاتفاق، ومذهبنا حينئذ يستلزم الأرجح، ومستلزم الأرجح أرجح، فمذهبنا أرجح.
الرابع: قال النحاة: قولنا: لا رجل في الدار، جواب لمن قال: هل من رجل في الدار؟، وكان الأصل في الجواب أن يقول: لا من رجل في الدار، فيدخل لفظ النفي على ما كان في لفظ المستفهم، ولما حذفت (من) - وهي مرادة- تضمن الكلام معنى النفي، وهو مع، فبني الاسم مع لا لذلك، وهذا الكلام من النحاة يقتضي: أن (من) في الكلام، و(من) لا تدخل إلا فيما يقبل التبعيض، والحقيقة الكلية ليس فيها كثرة أفراد حتى تتبعض، فتعين حينئذ أن (من) إنما تدخل على أفراد هذه الحقيقة، وتلك الأفراد هي المقصود بالجواب، فيكون قول العرب: لا رجل في الدار، مقصودة الأفراد لا الحقيقة الكلية، وهو المطلوب، فثبت بهذه الوجوه أن الحق
[ ١ / ٣٠٥ ]