فنحن نسلم ثبوت التحريم في الصورتين، وإنما ننازع في كون العتق سبب تحريم الوطء، بل ذلك قد يعرض له في بعض الصور، والطلاق تحريم محض، ولم يوضع في الشرع إلا لذلك.
فهذا هو سر الفرق، فتأمله، فإنه يحتاج إلى نظر دقيق، وتأمل جميل، ولاحظ أن المناقص لمجموع أمور لا يلزم مناقضته لفرد منها، لاسيما إذا كان إنما يثبت بناء عارضا في بعض الصور، والمناقض لغير ذلك الفرد هو المناقض له حقيقة.
الفائدة الثانية:
المبنية على نفي المشترك، أو ثبوت الحكم في المشترك، مسألة وقعت في كتب الخلاف، وكتب الأصول، وهي في الحقيقة يليق ثبوتها في مسائل الخلاف؛ لأنها مسألة جزئية، والأصل ألا يثبت في أصول الفقه إلا القواعد الكلية، أما نص جزئي فإنما يبحث في الفقه والخلاف، لكن لما عظمت شهرتها، وانتشر البحث فيها، تولع الأصليون بها، وهي: أن الحنفية قالوا: إن المسلم يقتل بالذمي، وقال غيرهم: لا يقتل به. واستدلوا بقوله
[ ١ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ١ / ٣٣٧ ]
تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون﴾، فلو/ ثبت القصاص بينهما، وقتل المسلم بالذمي، كما يقتل الذمي بالمسلم، استوى أصحاب النار وأصحاب الجنة، لكن النص دل على نفي الاستواء، فلا يثبت القصاص، فأثبت الأصوليون- صاحب المحصول وغيره- هذا النص في باب العمومات، وجعلوه مسألة مستقلة من مسائل العموم لتوقف صحة هذا الاستدلال على عموم النفي في وجوه الاستواء، من القصاص وغيره حتى يندرج القصاص في تلك الوجوه المنفية.
واعلم أن البحث في تحقيق مسمى (استوى) في صيغة الثبوت، فإن النفي يتفرع على الثبوت، فأي شيء كان مسمى الثبوت هو الذي يقضى عليه بالنفي؟ .
فمنهم من اعتقد أن مسماه هو (الاستواء) في وجه ما، و(وجه ما (قدر مشترك بين جميع الوجوه، فإذا ورد النفي عليه، ورد على المشترك، ونفي المشترك مستلزم لنفي جميع أفراده، ومن جملة أفراده القصاص (فتنتفي)، هذه طريقة الشافعية.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وقال الحنفية: مسمى استواء زيد وعمرو، أي من جميع الوجوه، فمسماه المجموع، ولا يلزم من نفي المجموع نفي جزء معين من أجزائه، فلا يلزم نفي استواء الفريقين في القصاص.
والذي أعتقده في المسألة: أن الحق غير القولين، وأن مسمى (استوى (إنما هو الاستواء في المعنى الذي سيق الكلام لأجله، لا في مطلق المعنى، ولا في جميع المعاني، فإذا قالت العرب: استوى الماء والخشبة، فليس المراد من جميع الوجوه حتى يحصل الاستواء في مائية الماء وخشبية الخشب، بل التباين واقع قطعا في هذين الوجهين، وفي وجوه كثيرة جدا، والأصل في الاستعمال الحقيقة، فيكون الكلام حقيقة فيما سيق الكلام لأجله، وهو الاستواء في الارتفاع عن الأرض، بسبب كثرة الماء، وليس المراد مطلق المعنى؛ لأن ذلك حاصل والماء بعيد من الخشبة في كونهما جسمين، أو متحيزين، أو مرئيين، أو ممكنين، أو معلومين إلى غير ذلك من الوجوه التي حصل الاستواء فيها، مع أن العرب لا تقول في هذه الحالة: استوى الماء والخشبة، ألبتة، فلو كان ما ذكره الشافعية صحيحا، لقالت ذلك وكذلك الآية المذكورة،
[ ١ / ٣٣٩ ]
فنفي الاستواء إنما وقع فيها باعتبار ما سيق الكلام لأجله، وهو حالة النعيم والعذاب، وإلا فأصحاب/ الجنة والنار مستوون من وجوه كثيرة، لو صح قول الشافعية فإنهم أجسام، ومجزأون ومكلفون، ومدركون، إلى غير ذلك من الوجوه التي وقعت الشركة فيها، فكان لا يصح النفي بمقتضى قولهم: لكن النفي صحيح قطعا، ولكن باعتبار ما ذكرته، هو ما سيق الكلام لأجله.
وكذلك القول في المماثلة، فإذا قلنا: زيد مثل الأسد شدة، إنما تريد العرب بهذه العبارة المماثلة في الشدة فقط، وكذلك السواد مثل البياض في الافتقار للمحل، لو قلنا: هو يساويه في ذلك، لا بقول أئمة اللغة إن العبارة مجاز، بل حقيقة، وعلى هذه الطريقة لا تكون الآية تقتضي نفي القصاص، لأن الأمر إذا كان مقيدا بما دل عليه السياق، كان ما عداه مسكوتا عنه.
احتج الشافعية: بأن نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من جميع الوجوه
[ ١ / ٣٤٠ ]
أو من بعض الوجوه، والدال على الأعم غير دال على شيء من أنواعه، وغير مستلزم له، فيكون اللفظ موضوعا للقدر المشترك بين النوعين، وهو مطلق المعنى كيف كان، فيكون نفيه مستلزما لنفي جميع جزئياته، ومنها القصاص، فينفى، وهو المطلوب.
وللخصم أن يمنع المقدمة الأولى، وهو: أن نفي الاستواء أعم، بل هو عنده موضوع لنفي الاستواء من جميع الوجوه، ومدلول الاستواء عنده في الثبوت كل لا كلي، فالمصادرة على مذهبه غير متجهة، أو نقول: هو لما دل عليه السياق، فيختص النفي به، فلا يكون أعم.
احتج التبريزي للحنفية بأن قال: نفي التساوي بين الشقين وإثباته لا يقتضي العموم في الأحكام، فلا يقتضي القصاص نفيا، ولا إثباتا؛ لأن الشيء لا يساوي غيره مطلقا، وإلا لكان هو هو فيتحدان، ولا يباينه مطلقا، وإلا لما اشتركا في المحكومية والمعلومية، فإذن لابد من تقييد التساوي بما فيه التساوي، فإذا لم يذكره كما في الآية كان مجملا، لا عاما.
[ ١ / ٣٤١ ]
ويؤكد هذا التقرير أن الفعل في سياق الإثبات مطلق إجماعا، وفي سياق النفي فيه قولان: هل هو للعموم، أو هو مطلق؟ والصحيح أنه للعموم، وعلى تقدير كونه للعموم، فيكون متعديا للمفعول بحرف جر أو بغير (حرف) جر، ويكون مطلقا في ذلك المفعول، وأن له مفعولا غير/ معين، محتمل لأمور غير متناهية، فإذا قلنا: لا تضرب زيدا، والمضروب غير معلوم، وإن كنا نعلم أن له مضروبا في نفس الأمر، فهو مجمل في المضروب، كذلك ها هنا: ﴿لا يستوون﴾ فعل في سياق النفي، فيكون عاما في نفي مصادره، ومفعوله الذي يقع الاستواء فيه لم يذكر، فهو محتمل لما لا يتناهى عن المفاعيل، ولم يتعين شيء منها، وكان مجملا في المفاعيل، إلا أن يقال: يتعين بالسياق، فلا يكون مجملا، غير أنه يسقط الاستدلال به على سقوط القصاص، وأن السياق ليس في القصاص.
[ ١ / ٣٤٢ ]