فائدة عظيمة
بقيت من هذا الباب وهي متعلقة به، من باب ما وضع للجزئي والكلي: وهي لفظ وضع لجزئي وذلك الجزئي بعينه هو كلي، وكون الشيء جزئيا كليا يقتضي اجتماع النقيضين، فإن الكلي هو: الذي لا يمنع تصوره من الشركة، والجزئي: هو الذي يمنع تصوره من الشركة، والمنع وعدمه نقيضان، فمن العجائب اجتماعهما في مسمى واحد.
(وبيان ذلك): أنه علم الجنس وكان الشيخ شمس الدين الخسر وشاهي لما ورد البلاد يدعي أن أحدا لا يعرف حقيقة علم الجنس إلا هو والظاهر صدقه، فإنني لم أر أحدا يحققه إلا هو.
ووجه الإشكال فيه- أيضا- مضافا لما تقدم: أن أسامة مثلا الذي هو علم جنس الأسد يصدق على كل أسد، واسم الجنس الذي هو أسد يصدق على كل أسد، فكيف يقال: إن أسدا اسم جنس وأسامة علم الجنس، مع استوائها في أن كل واحد منهما موضوع لمعنى كلي، وأن كل واحد منهما يصدق على ما لا نهاية له؟ !
[ ١ / ٢٠٠ ]
فإن قلت: الفرق بينهما أن العرب صرفت لفظ (أسد) ولا صرفت لفظ أسامة، وليس المانع من الصرف إلا العملية والتأنيث، فدل ذلك على أن (أسامة) علم، فهذا هو الفرق.
قلت: المانع من الصرف من آثار العلمية، (فهب أنا استدللنا بالأثر على الأثر، لكن يمكننا أن نتصرف العلمية، والفرق بين ما هو مساء للفظ الأسد الذي هو نكرة، والمساوي للنكرة نكرة، فلا بد من تلخيص نظهر به الفرق بين اسم الجنس ولفظ علم الجنس بحيث يكون واضحا موافقا للقواعد.
ووجه التحرير في ذلك أن نقول: الوضع فرع التصور، فلا يضع الواضع لفظا لمعنى حتى يتصور ذلك المعنى قبل (ذلك) الوضع، فإذا استحضر صورة (الأسد)، - مثلا- ليضع لها، فتلك الصورة الحاصلة في ذهنه فرد مشخص من أفراد تصور (الأسد) ويدلك على ذلك أنه قد يذهل عن هذه الصورة، ثم يتصور الأسد مرة أخرى، فتكون هذه الصورة الثانية فردا آخر مثل الأولى، وكذلك دائما يتكرر على ذهنه/ صورة (الأسد) فردا بعد فرد، وكذلك يكون في ذهن غيره صورة (الأسد) في الزمن الذي يكون هو متصورا (للأسد)، فيكون الذي في ذهن الواضع والذي في ذهن غيره
[ ١ / ٢٠١ ]
صورتين متماثلتين، وهما فردان من أفراد تصور (الأسد)، فعلم أن الحاضر في ذهن الواضع حالة الوضع صورة مشخصة من أفراد تصور (الأسد)، وأنها مشتملة على (تصور) مطلق صورة (الأسد)؛ لضرورة اشتمال كل شخص من نوع على ذلك النوع، فهذه الصورة- حينئذ- لها خصوص وهو تشخصها وكونها هذه الصورة ولها عموم، وهو نوعها، وكونه مطلق الصورة إذا تصورت في هذه الصورة ولها عموم، وهو نوعها، وكونه مطلق الصورة إذا تصورت في هذه الصورة جهة عموم وجهة خصوص، فللواضع أن يضع (لها حينئذ) من جهة خصوصها، كما يضع لفظ (زيد) لشخص (زيد) في الخارج، له أن يضع لها من جهة عمومها، كما وضع لفظ (الإنسان) للقدر المشترك من (زيد) و(عمرو) فإن وضع لها من جهة عمومها، فذلك اللفظ الموضوع حينئذ هو اسم جنس نحو (أسد)، إن وضع لها من جهة كونها تلك الصورة الخاصة، ويضم الخصوص للعموم، فهذا اللفظ الموضوع حينئذ هو علم الجنس نحو (أسامة).
فيكون الفرق بين علم الجنس واسم الجنس: أن اسم الجنس: موضوع للقدر المشترك (بين الصور الذهنية، مع قطع النظر عن الخصوص، وعلم الجنس: هو موضوع للقدر المشترك) بقيد الخصوص الذهني الذي هو التشخيص في الذهن.
[ ١ / ٢٠٢ ]