أحدهما: أنهم نقضوا أصلهم، والثاني: قيام الحجة عليهم في صورة التصريح بقوله: إحداكن طالق، أن الطلاق يعم، ولا يختار قياسا على هذه الصورة بطريق الأولى، هذا، إذا فرعنا على الواقع في الصيغة أنها مطلقة، لا عموم فيها، ولو قلنا: إن لام التعريف في الطلاق للعموم، حصل المقصود أيضا، بسبب قاعدة وهي: أن العام في أشخاص، جنس مطلق في أحواله وظروفه الزمانية والمكانية ومتعلقاته، والزوجات ها هنا متعلقات للفظ الطلاق فتكون صيغة العموم في الطلاق مطلقة فيها، فيكون اللفظ دالا بالالتزام على زوجة واحدة غير معينة، فيلزم التخيير أيضا لعدم مقتضى العموم، فتأمل ذلك فهو سؤال قوي، بعد فهم هذه القواعد، ولكن فهمها عزيز على أكثر الناس.
تنبيه: ينبني أيضا على هذا الباب في الفرق بين دلالة الالتزام ودلالة المطابقة في نفي المشترك أو تحريمه، كما في الطلاق، وهو/ أنك ستقف عليه- إن شاء الله تعالى- على الفرق بين النية المؤكدة، التي لا تؤثر تخصيصا في العموم، وبين النية المخصصة المؤثرة في التخصيص وأن النية متى كانت
[ ١ / ٣٤٧ ]
موافقة للفظ في كل مدلوله، أو في بعضه، لا تكون مخصصة (ولا مخرجة لذلك الذي وافقت اللفظ فيه، وإنما يخصصه) ويخرجه إذا عارضت اللفظ فيه.
وإذا حققت الفرق، فقال: إحداكن طالق، وقلنا بالتعميم في النسوة من غير تخيير على ما تقدم تقريره في الباب الذي قبل هذا الباب، وقال: نويت بعض النسوة غافلا عن باقيتهن قلنا له: لا تفيدك هذه النية شيئا، بسبب أن الصيغة عامة في النسوة، فيلزمك الطلاق في المرأة التي نويتها للطلاق، باللفظ والنية معا، فإن النية مؤكدة للفظ فيها، ويلزمك الطلاق فيمن عداها من النسوة بعموم اللفظ السالم عن معارضة النية له، فإنك لم تتعرض لإخراج بعض النسوة ألبتة، واللفظ اقتضى إطلاق فيهن بعمومه، فإنك لم تتعرض لإخراج بعض النسوة ألبتة، واللفظ اقتضى إطلاقه فيهن بعمومه، فلزم الطلاق في الجميع أما لو نوى إخراج بعض النسوة عن اللفظ، وأن الطلاق لا يلزم في ذلك البعض، نفعه ذلك، لمعارضة هذه النية للفظ في ذلك البعض، فإن اللفظ اقتضى الطلاق، والنية اقتضت نفيه، فكانت هذه النية مخصصة؛ لان من شرط المخصص أن يكون منافيا، وهذه منافية، فكانت مخصصة؛ بخلاف أن
[ ١ / ٣٤٨ ]
يقصد بعضهن بالطلاق، غافلا عن غيرها، هذا إذا قال: إحداكن طالق، أما إذا قال: الطلاق يلزمني، وحنث، فإن الطلاق لم يعم في هذه الصورة؛ لاقتضاء اللفظ العموم، بل لعدم الأولوية في إحداهما دون الأخرى، إذ لا لفظ، ولا نية، فيتعين أن يكون هذا هو المدرك، عملا بالأصل النافي لغيره.
وإذا كان هذا هو مدرك المسألة، وقال: نويت واحدة بعينها، وغفلت عن غيرها، فقد ترجحت المئوية بالنية على غيرها، وصارت أولى من غيرها، فانتفت عدم الأولية بوجود الأولوية، فبطل التعميم، لبطلان مدركه، وقضينا بالطلاق في واحدة فقط، وهي المنوية، مع أن هذه النية ليست مخصصة، لعدم منافاتها للفظ، غير أنها وإن لم تكن مخصصة فهي مقيدة لمطلق، فإن اللفظ إنما دل بالالتزام على مطلق في النسوة/ ولا في عموم الطلاق فيهن، وتقييد المطلق معين للحكم له دون غيره، ولا يشترط فيه المنافاة، بل يشترط فيه الموافقة، وهذه النية موافقة لدلالة هذا اللفظ، ولم يوجد للفظ دلالة على غير هذا المطلق حتى يلزم فيه الطلاق بعموم اللفظ السالم عن المعارض، لأجل عدم العموم.
فلأجل هذه القواعد أيضا، قبلنا النية الموافقة في هذه المسألة، وأبطلنا الطلاق في غير المنوية من النساء، دون المنوية، بخلاف المسألة.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وسر الفرق بينهما- مع هذه القواعد- العموم في تلك المسألة، والإطلاق (في هذه)، فتأمل هذا أيضا، فهو قل أن يقع في تفاريع الفقه، وقل أن يتنبه له المفتي، فيغلط، فيسوي بين المسألتين، مع حصول هذا الفرق العظيم، وامتناع التسوية بينهما.
***
[ ١ / ٣٥٠ ]