وكذلك النفي، إذا نطق بمدلول التزامي نحو قولنا: (النفي في الدار، والسفر في البلد، والخروج حصل من الدار، وكذلك) جميع الألفاظ التي معناها النفي مطابقة، فإنها مقتضية نفيا، ومسافرا، وخارجا غير معين، حتى لو فسر المتكلم لفظه في ذلك بنفي زيد، أو سفره، أو خروجه، لم يعد مناقضا لكلامه الأول ولا معارضا له، بل مقيدا بزيادة التعيين في المنطق، لا مخرجا لبعض أفراد دل عليها اللفظ.
وكذلك إذا قال القائل: فقدت من داري، أو من ملكي، فإن السامع إنما يفهم منه أنه فقد شيئا معينا في نفس الأمر، غير معين عند السامع، ولذلك (نسأله فنقول): أي شيء الذي فقدته؟ فيقول له المتكلم: ثوبا، مثلا، ولا يحصل في الكلام تنافر، ولا تخصيص إخراج، بل تخصيص تقييد.
فظهر أن اللفظ إذا دل على نفي مشترك بطريق الالتزام، لا يقتضي نفي جميع المفهومات من أشخاص ذلك المشترك، بل يقتصر على فرد منه، بمقتضى دلالة هذا اللفظ، حتى يدل دليل على الزيادة عليه، وظهر لك الفرق بين المدلول مطابقة، والمدلول التزاما، وأن النهي والنفي في ذلك سواء.
فائدة: إذا قال لأربع نسوة: إحداكن طالق، طلقن كلهن عند مالك، خلافا/ للشافعي، وأبي حنيفة﵃- أجمعين، وقد تقدم تقرير هذه المسألة في الباب الذي قبل هذا، سؤالا وجوابا.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وإذا قال: الطلاق يلزمني لا فعلت كذا، ولا نية له في تعميم الطلاق في الزوجات، ثم حنث، عم الطلاق جميع الزوجات عندنا وعند الشافعي وأبي حنيفة، ﵄، مع أنه لم يصرح بالزوجات، ولا تناولهن لفظ (الطلاق)، ولا نية (له)، ولفظ الطلاق بلام التعريف ليس للعموم إجماعا في صورة الطلاق وإن كان عند الفقهاء للعموم في غير الطلاق، فيكون مطلقا في الطلاق، والمطلق لا يتناول إلا فردا واحدا من حيث الوضع، فيلزم الحنفية والشافعية أن يخيروه في النوة، فيختار واحدة للطلاق، كما قالوه في قوله: إحداكما طالق، طريق الأولى، لأن (إحداكما (صرح فيه بالزوجات من حيث الجملة، وها هنا لم يصرح بشيء منهن، بل اللفظ يدل بالالتزام على مطلقة غير معينة؛ لأن من ضرورة الطلاق مطلقة، والدال بالمطابقة الذي هو قوله: إحداكن طالق أقوى من الدال بالالتزام، فكان القول بالتخيير ها هنا (أولى)، لكنهم لم يقولوا به، فيلزم أمران:
[ ١ / ٣٤٦ ]